أولا: قيمة العلم في القرآن الكريم

للعلم قيمةٌ ومنزلةٌ كبيرةٌ في الإسلام، وهذا واضحٌ وظاهرٌ كَظُهور الشمس في كَبِدِ السماء في نصوص الوحْيَيَنِ – القُرآنُ والسُّنة – وفي آثار السلف الصالح أيضا.

وصاحبُ القُرآن المُداوم على قراءته ومُطالعته؛ يجد أن العلم من أكثر المجالات ذكرا في القرآن الكريم. فقد ورد لفظه ومشتقاته (عَليم، علمتم، عالم، علماء، نعلم …إلخ) ثمانمائة وستا وخمسين مرة, ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من الحديث عن العلم، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وهذا يدلُ دلالةً قاطعةً على حِرص الإسلام على أن يكون أتباعه ومعتنقوه مُحبون للعلم؛ لما له من ميزات وفضائل كثيرة.

قبسٌ من فضل العلم:

بالعلم يعلُو قدر الإنسان بين الناس، ويُصبح ذا مكانة مرمُوقة بينهم، وإن كان أصغرهم سنا أو أشدهم فقرا.

وصَدَقَ الشافعي إذ قال:

فَلَعَلَّ يَوْمًا إِنْ حَضَرَتَ بِمَجْلِسٍ … كُنْتَ الرَّئِيس وَفَخْرَ ذَاكَ المجلس.

قال ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((كان عُمَرُ يُدْخِلُنِي مع أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فقال بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هذا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فقال: إنه مِمَّنْ قد عَلِمْتُمْ، قال: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ، قال: وما رُئِيتُه دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فقال: ما تَقُولُونَ في (إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا)[النَّصر:1-2] حتى خَتَمَ السُّورَةَ فقال بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إذا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وقال بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أو لم يَقُلْ بَعْضُهُمْ شيئا، فقال لي: يا بن عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قلت: لَا، قال: فما تَقُولُ؟ قلت: هو أَجَلُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ الله له (إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ) فَتْحُ مَكَّةَ فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)[النَّصر:3] قال عُمَرُ: ما أَعْلَمُ منها إلا ما تَعْلَمُ))رواه البخاري.

وكان بعض جُلة التابعين يُلازم ابن عباس –رضي الله عنهما- وهو غلام دون كبار الصحابة، وما ذاك إلا لعلمه، قيل لِطَاوُوسٍ: ((لَزِمْتَ هَذَا الْغُلامَ، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، وَتَرَكْتَ الأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِذَا تَدَارَءُوا فِي شَيْءٍ صَارُوا إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ)).

فعبدالله بن عباس –رضي الله عنه- علا قدره وفضله بين كبار الصحابة وجلس مجلسهم بعلمه الذى فُضل به عن غيره، وعلا به عليهم.

وبالعلم يخرُجُ الإنسان من ظًلمات الجهل الى النور .

فيستطيع الإنسان بعلمه السير في دروب هذه الدنيا غير غافل ولا مُغرر به، فيعرف الصالح من الطالح، والخير من الشر، والصديق من العدو.

وبالعلم يتعرف الإنسان على عِلّة خَلقِ الله لَهُ.

قال بعضُهم : تنقلت بين أرجاء الدنيا ودياناتها ومللها وعقائدها ومذاهبها الفلسفية. وما علمت علة خلقي إلا بعدما قرأت قرآن المسلمين وأحاديث نبي الإسلام.

وبالعلم يعرف العبد ما يحبه الله ويرضاه، وما يبغضه ويأباه.

وهذه المعرفة لا تتأتى إلا بعد القراءة والاطلاع على مصدري الإسلام الأصليين القرآن والسنة، فيحصل الإنسان المعارف التي تجعله يفرق بين الأعمال المحببة إلى الله، وبين الأعمال التي يبغضها المولى سبحانه وتعالى.

وبالعلم يسموا الإنسان ويرتفع من مرتبة البهيمية الى مرتبة العلماء.

فُضّل الإنسان عن الحيوانات بميزة العقل، هذا العقل الذي يخلق ليكون أداة للفهم والتفكر والتدبر والتمييز بين الأشياء النافعة والأشياء الضارة. فإذا استغل الإنسان عقلة استغلالا صحيحا أقبل على المعارف والعلوم النافعة، وابتعد عن المهلكات والضارات.

وكانَ لُقْمانُ يُوصِي ابنَه: “يا بُنَي، جالسِ العلماء، وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يُحيي القلوبَ بنور الحِكْمة، كما يُحيي الأرضَ الميْتَةَ بوابلِ السماء”.

قال الشاعر:

فَخَالِطْ رُوَاةَ الْعِلْمِ وَاصْحَبْ خِيَارَهُمْ … فَصُحْبَتُهُمْ زَيْنٌ وَخُلْطَتُهُمْ غُنْم

وَلاَ تَعْدُوَنْ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ … نُجُومٌ إِذَا مَا غَابَ نَجْمٌ بَدَا نَجْمُ

فَوَاللهِ لَوْلاَ الْعِلْمُ مَا اتَّضَحَ الْهُدَى … وَلاَ لاَحَ مِنْ غَيْبِ الأُمُورِ لَنَا رَسْمُ

وبالعلم يرتقى الإنسان في درجات الجنان ويعلو، ويبتعد عن دَرَكَات النيران.

وذلك نتيجة تعلمه للعلم الذي أرشده ودَلَهُ على أسباب دخول الجنات، فأقبل عليها وازداد منها، وابتعد عن دركات النيران بمعرفته بالأسباب التي تقذفهُ فيها، فابتعد عنها وعن أسبابها.

وبالعلم ترتقي الأمم والشعوب وترتفع، ويعلو مجدها وشأنها بين الأمم.

فلا تحرز أي أمة من الأمم الرفعة والمجد والتقدم إلا بالعلم النافع، المتمثل بالعلم الشرعي –قرآنا وسنة– وبالعلم الدنيوي المتمثل في الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء…إلخ

ولنا في أسلافنا من المسلمين العبرة والعظة، فعندما كانوا معظمين للعلم والعلماء، وكانوا يعرفون قدره، وكانوا مقبلين عليه بأفئدتهم وجوارحهم، وكانوا ينفقون فيه الغالي والنفيس؛ حيزت لهم الدنيا بأسرها باختراعاتهم ومعارفهم المتنوعة.

وكما قال الشاعر:

الْعِلْمُ يَبْنِي بُيُوتًا لاَ عِمَادَ لَهَا … وَالْجَهْلُ يُفْنِي بُيُوتَ الْعِزِّ وَالْكَرَمِ

آياتٌ قرآنيةٌ تحدثت عن فضل العلم ومتعلمه

ويكفي تدليلا على ذلك أن أول آية نزلت من القرآن الكريم هي قوله سبحانه وتعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) سورة العلق الآية (1)؛ لأن القراءة هي أول وسائل التعليم والتحصيل, وهذا يعني أن هذه الآيات تشكِّل افتتاحيَّة وحي السماء، وأن أهمَّ ما جاء به الإسلام  لتحقيقه هو نشر العلم بكلِّ فروعه.

وبالنظر والتأمل في آيات القرآن الكريم، نجد أن الله -عز وجل- قد تحدث في غير آية عن العلم وفضله.

فالقرآن الكريم قد نص على أن العلم بحرُ لا نهاية له.

فقال تعالى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (سورة يوسف: الآية 76). وذلك حتى يخفف العلماء من كبريائهم، ويطلبوا المزيد من العلم، ليهديهم إلى القول الفصل، في كل ما يرجون معرفته، من حقائق لا يدركون سرها أو كنهها.

وقد نص الله تعالى على هذه الحقيقة في قوله (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا) (سورة الإسراء: الآية 85)

وتارة يتحدث القرآن الكريم عن العلم بالإخبار عنه بصيغة السؤال والاستفهام بعدم المساوة بين من يعلم (المتعلم)، ومن لا يعلم (الجاهل).

فيقول سبحانه وتعالى ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ سورة الزمر ،الآية(9).

وتارة يكون حثه على العلم والتعلم بما أعده من جزاء وفضل للمتعلم.

كقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) سورة المجادلة، الآية (11).

 

وتارة يخبر المولى جل في علاه بأن أكثر الناس خشية وخوفا من الله وعذابه هم العلماء، الذين عرفوا حلاله من حرامه، وما يرضاه وما لا يرضاه.

فيقول سبحانه وتعالى (“إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ”)سورة فاطر، الآية (28).

ومن أعظم الآيات القرآنية التي تحدثت عن العلم، هي عندما طلب المولى جل وعلا من نبيه – صلى الله عليه واله وسلم – الاستزادة من العلم

قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ سورة طه: 114

ومن الآيات القرآنية التي جاءت متحدثة عن العلم ما قصه الله سبحانه وتعالى عن رحلة موسى عليه السلام لطلب العلم على يد الخضر.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا* فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا* فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا* قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا* قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا* فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا* قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا* قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا* وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا* قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا* قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا* فَانْطَلَقَا…} [الكهف: 60-71].

وأمرنا الله عز وجل في قرآنه الكريم عند استشكال أمر من أمور الدين بالرجوع إلى أهل الاختصاص والمعرفة الدينية وهم العلماء .

فقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].

 

وأمرنا الله -عز وجل- بطاعة ولي الأمر، وأولو الأمرِ هنا: هم العلماء والأمراء؛ كما قال المفسِّرون.

قال المولى تبارك تعالى: (﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59)

ومن تكريم الله تعالى للعلماء أن جعلهم من الشهود الذين شهدوا على وحدانيته سبحانه وتعالى، وفي هذا الإشهاد تكريم أيما تكريم للعلم والعلماء.

قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِما بِالْقِسْطِ) ( آل عمران: 18)

وأخبرنا الله في قرآنه بأن العلم كان من الأسباب التي جعلت طالوت ملكا.

فقال تعالى : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) البقرة:(247)

فَحَريٌ بِكُلّ ذِي لُبٍ عَرفَ مكانة العلم وحامله أن يحرص عليه وأن يداوم عليه؛ ليرتفع قدره عند الله ويعلو شأنه بين الناس.

ولا يلتفتن أحدٌ الى المقولات المحبطة للهمم ، والكاسرة للعزائم، أمثال:

((العلم في الراس مش في الكراس!)).

((بعد ما شاب ودوه الكتاب!)).

((العلم علم الخِرَق ، وليس علم الوَرَق!)) كما يقول الصوفيون!

فينبغي على الإنسان أن يتعلم، ما بقيت روحه في جسده، وأن يموت وهو عالم خير من أن يموت وهو جاهل.

وصدق القائل:

كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من ليس منه. وكفى بالجهل عارا أن يتبرأ منه من هو فيه.

وللحديث بقية في: (( قيمة العلم في السنة النبوية )).

 أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهل العلم، اللهم آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد