بعد تطواف طويل وممتع في أجواء هذه الدراسة الرائدة والهامة عن الرحيل، تعريفاته ونظرياته، العوامل الداعية إلى الهجرة إلى بلد معينة، أو الدواعي المؤثرة في اتخاذ قرار العودة.

ننهي رحلتنا بعرض ختامي للفصل الأخير من الدراسة، حيث يقدم الكاتب نقدا أسلوبيا لدراسات الرحيل، ويبدأ الفصل بتحليل أساليب البحث، فيقرر أن الدراسات التطبيقية المتعلقة بالرحيل تواجه مشكلتين رئيسيتين:

المشكلة الأولى وتتعلق بالجودة الخاصة بالبيانات التي يتم جمعها، فالبيانات ذات الجودة العالية غالبا ما تكون غير متوافرة، بسبب صعوبة عملية جمعها وتكلفتها.

العالية، فيم لا تساعد البيانات المنخفضة الجودة على تحقيق الغرض البحثي المراد من وراء جمعها، بسبب طريقة الجمع، والجهات التي تقوم بهذه العملية كالإدارات الحكومية.

المشكلة الثانية وتتصل بالوفرة الكمية للبيانات، ويتحكم فيها عين العوامل المتحكمة في عنصر الجودة، ويزيد عليها الهدف المراد من وراء الجمع، بمعنى أن هناك جهات حكومية تقوم بعملية جمع البيانات المتعلقة بشؤونها الداخلية فقط، مهملة أية بيانات تتعلق بدراسات الرحيل كطبيعة وأعمار ومستويات تعليم المهاجرين الشرعيين فضلا عن غير الشرعيين، فضلا عن اختلاف المسميات التي تطلق على المهاجرين فيما يتعلق بحصولهم على إقامة دائمة أو مؤقتة، وذلك من دولة لأخرى، أو من قارة لأخرى.

اتبع الباحثون عدة طرق لتحسين جودة البيانات المجمعة، ومن ثم دقة الدراسات القائمة على أساسها، لكن كان لكل طريقة عيب نرصده فيما يلي:

الطريقة الأولى وتفترض أن المهاجر قادر على أن يوضح بدقة الأسباب التي دفعته للرحيل، وذلك في أحيان كثيرة لا يكون متاحا إما لظروف وضغوط معينة وقع المهاجر تحت تأثيرها، مثل من تعرضت للاغتصاب، أو من يهرب من اتهامه أو إدانته في جريمة ما في بلاده، بالطبع ليس منتظرا من هذه النماذج أن تصرح بأسباب هجرتها الحقيقية، أضف لذلك أن الشخص العادي قد لا يكون مستطيعا أن يحدد بدقة الأسباب المباشرة وغير المباشرة لاتخاذه قرارًا هامًا ومصيريا كالرحيل.

الطريقة الثانية وتعتمد على البيانات المجمعة من الإحصاءات السكانية ومنظمات الهجرة، وتعاني هذه الطريقة من عدم التوافق بين مصادر البيانات المختلفة، واختلاف الطريقة التي يعرف بها كل مصدر بياناته ومتغيراته.

الطريقة الثالثة وهي خليط جامع بين الطريقتين الأوليين، شاع استخدامها كونها تعوض نقص كل من الطريقة الأولى أو الثانية، فتعتمد هذه الطريقة استخدام البيانات المستخلصة من أفراد، إلى جوار البيانات المجمعة.

وبالطبع يُحدث الخلط الناتج عن ذلك اضطرابا في محتوى النتائج وعدم دقة معيب لو لم يتم التفرقة بين الفئة التي ينتمي الفرد لها، والفئة التي تم تصنيفه في إطارها من قبل حكومة بلد الهجرة.

مثال من يهاجر وهو من أصحاب الكفاءات فيصنف نفسه كمهاجر للعمل، لكن ظروف البلد التي هاجر منها قد تدفع الدولة التي هاجر إليها إلى تصنيفه كلاجىء وهكذا.

التعميم المبالغ فيه والتعميم الناقص

يحدث التعميم المبالغ فيه (Over-Generalization)، في حالتين:

1- عندما تكون العينة صغيرة جدا فيدرس الباحث عددا قليلا من المهاجرين الممثلين بدورهم لعدد محدود من الدول، ثم يحاول تعميم نتائجه بعد ذلك على أكبر عدد من المهاجرين والدول.

2- عندما تكون العينة كبيرة جدا، فيكتفي الباحث باستخلاص علاقات عامة عن العوامل التي أدت بالمهاجرين للرحيل في فترة زمنية معينة، ويتبع ذلك بتعميم النتائج على جميع المشمولين بالدراسة.
يحدث التعميم الناقص (Under – Generalization) عندما ينشأ البحث بأكمله بغرض محدد مثل دراسة أحوال المهاجرين من البلد أ مثلا إلى البلد، دون اهتمام بدراسة حالات أخرى، وغالبا ما يرتبط مثل هذا النوع من الدراسات بمتطلبات التشريع لوضع قوانين الهجرة، وبالتبعية فهي ذات فائدة محدودة لنظرية الرحيل العامة.

أوجه القصور والنقص في دراسات الرحيل:

1- ضعف المواءمة والدمج بين الدراسات المتناثرة في محيط التخصصات العلمية المختلفة

يفسر باحثون هذا التقصير بأن معظم التخصصات التي درست الرحيل، لم تقم بإدخاله بشكل محدد في أجندتها المعرفية، بل اكتفت باستخدام أدواتها النظرية لفحصه عن بعد.

2- التعامل المختلف بين الرحيل القسري والطوعي

إن كانت التفرقة بين الرحيل القسري والطوعي تعد خطأ في الماضي، فالخطأ يزداد فداحة بالنظر للحاضر والمستقبل، فحرمان الرحيل القسري من التحليل البحثي اللائق نظرا لاعتباره تم تحت ضغط أو إجبار ما، وبالتالي لا يحتمل تفسيرا عميقا أو تحليلا مستفيضا، أوجد فراغا بحثيا في حاجة ملحة لمن يسده.

والأمثلة على التداخل بين الحالتين كثيرة وتستعصي على الحصر، فالمهاجر الذي رحل قبل عام من قيام الحرب الأهلية في بلده، هل يعد رحيله طوعيا لأنه وقع قبل الحرب؟ أم جبريا باعتبار ما سيكون بعد رحيله؟

كذلك فالفرد الذي يتورط في صدام مع النظام الحاكم في بلده عن قصد أو غير قصد، هل يعد رحيله تحت وطأة هذا الصدام رحيلا طوعيا؟ أم اضطر لذلك نتيجة للضغوط والتضييق…إلخ؟

أسئلة من هذا النوع تبقى حتى لحظتنا الحاضرة بلا إجابة.

أثر تحدث اللغات الشائعة على الرحيل

كثير من الدراسات تنحو نحو تأكيد أن تمكن المهاجر من لغة بلد الهجرة، يزيد من فرص بقائه فيها، ويقلل كثيرا من احتمال عودته، لكن نادرة هي الدراسات التي انشغلت ببحث الاستثناء الخارج على هذه القاعدة.

بالنظر مثلا للعمالة الآسيوية الوافدة على دول الخليج من دول كالهند وبنجلاديش مثلا، نلاحظ أن أغلب أفرادها لا يتحدثون العربية، لكن مع ذلك تتزايد فرص استقرارهم أو إقامتهم لمدد طويلة بهذه البلاد، وتتضاءل سنة بعد أخرى احتمالات العودة لبلدانهم الأصلية.

كما أن استخدام اللغة الإنجليزية كلغة وسيطة بين لغتي بلدي الأصل والهجرة لم يُبحث أثره على إقامة أو رحيل المهاجرين بشكل كاف.

النتائج المتناقضة في دراسات الرحيل

أصبحت نظرية الرحيل أشبه بوعاء يحوي خليطا من النظريات المختلفة التي لا تنسجم مع بعضها ولا يكمل بعضها البعض، فباحثو إدارة الأعمال الدولية مثلا جلبوا نظرية التجارة الدولية إلى دراسات الرحيل كما هي، رغم أنها مصممة لتفسير تجارة البضائع والخدمات وليس المهاجرين.

أيضا المشاركة الحديثة النسبية لعلم النفس في دراسات الرحيل، توضح لنا إشكاليات التناقض في محتوى النتائج، فلم يستفد باحثو علم النفس من النتائج السابقة عليهم، وأصروا على إعادة اختراع العجلة من جديد متجاهلين الإسهامات التي أمدتهم بها تخصصات بحثية متنوعة وسابقة عليهم.

فأصبحت الدراسات النفسية المتصلة بالرحيل في حالة انعزال عن مصادر الدراسات الأخرى، وعجزت بالطبع عن إحداث ولو قدر ضئيل من التكامل فيما بينهما.

عدم التفرقة بين الرحيل الفعلي ونية الرحيل

دراسات عديدة استفادت من البناء النظري لبعضها، دون التفرقة بين الدراسات التي تبحث في نيات الرحيل، وتلك التي تبحث في حالات رحيل فعلية.

وخطورة المسألة تتصل بالنتائج غير الصحيحة أو المنضبطة لدراسات يقوم بها باحثون لا يفرقون بين وجود الرغبة أو القدرة عند من يريد الرحيل أو يتمنى حدوثه، وبين من يقوم بفعل الرحيل ويشرع في القيام بالإجراءات المطلوبة.

فالفارق بين الحالتين ضخم، والقرارات أو الأحكام التي تصدر بناء على محتوى مثل هذه الدراسات لها أثرها البالغ سلبا أو إيجابا على حيوات ملايين المهاجرين بطول الأرض وعرضها.

وبعد فهذا المقال كان الأخير في سلسة المقالات المطولة التي عرضت لكتاب الروائي والباحث السعودي المجتهد محمد حسن علوان عن الرحيل وأهله، لعل في اجتهادنا المتواضع الذي قدمناه نفعا أو فائدة لمن اطلع على المقالات، وهو في النهاية جهد بسيط مقارنة بعمل الباحث ودراسته الرائدة من نوعها في العالم العربي.

فالشكر موصول له وللقراء الكرام، والله من وراء القصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد