بعد ما انشغل الفلاسفة على مر عصور طويلة بحثًا عن إجابة لسؤال مهم وهو: «من الذي ينبغي أن يحكم؟».

كان منهم سقراط الذي قال يجب على من يحكم الدولة أن يكون حكيما وشاركه في ذلك أفلاطون، وزاد أن الفلاسفة هم من يجب أن يكونوا ملوكا يحكمون العالم! وأنه يجب عليهم ارتياد أكاديميته لكي يتعلموا الجدل الأفلاطوني.

وبالرغم من أن كل من سقراط وأفلاطون اتفقا على أن الذي ينبغي أن يحكم «يجب عليه أن يكون حكيما» إلا أن الفرق بينهما هو أن تلك العبارة عند أفلاطون تعني أن الفيلسوف المثقف والباحث يمتلك كامل الحق في السلطة. وهذا هو الأصل في ادعاء المثقفين والمفكرين و«النخبة» الحق في السلطة والحكم.

لكنها تعني شيئا آخر مخالفا لدى سقراط وهو: ينبغي على رجل الدولة أن يعي جيدا (وأن يعترف) بتواضع معارفه وأن يكون بالتالي متواضعا في ادعاءاته.

فهو يعترف بأنه يتحمل مسؤولية كبرى في مجال الحرب والسلم، ويعرف أيضا المآسي التي يمكنه إحداثها. وعموما، إن ما يعرفه هو أنه لا يعرف إلا الشيء القليل. لذلك، دعا سقراط إلى معرفة الذات في عبارته الشهيرة: «اعرف نفسك بنفسك».

وهذا السؤال أيضا شغل كارل ماركس عندما سأل:

من له الحق في السلطة، البروليتاريا أم البرجوازية؟

فأجاب: يعود الحق في السلطة للبروليتاريا التي تملك وعيًا طبقيًا.

وبعضهم حاول أن يقدم إجابة مغايرة عن إجابة أفلاطون وقال:

بأن الذي يجب أن يحكم هو الحاكم الذي يصل إلى السلطة بطريقة شرعية، وهذا هتلر وصل إلى رأس السلطة بطريقة شرعية قانونية، وبهذه الشرعية صار حاكما دكتاتوريا!

لذا ظل انشغال الفلاسفة وتخبطهم بالإجابة عن «من الذي ينبغي أن يحكم؟» إلى أن جاء الفيلسوف كارل بوبر في البحث عن هذا الموضوع في مقال بعنوان «الحرية والمسؤولية الفكرية» وقدم إجابة جديدة بالعدول عن طرح هذا السؤال بالطريقه المعروفة معتبرًا إياه سؤالا سيء الطرح!

لذلك استبدله بسؤال آخر وهو: « كيف نتصور تنظيم الدولة، حيث يحق لنا إقالة الحكومة من دون إراقة الدماء؟».

هذه النقلة مِن «مَن..إلى كيف» ينبغي أن نوليها أهمية قصوى في النظرية السياسية.

عندما نتساءل من يجب أن يحكم؟ فإننا نضع قائمة شروط طويلة فيمن ينبغي أن يدير البلاد ويخدم الرعية، منها ما ذكره الماوردي وابن خلدون و أبو حامد الغزالي والفارابي أن يكون محبًا للعلم، وأن تتوفر فيه الفطنة والذكاء وأن يكون مبغضا للعب واللهو بالإضافة إلى العقل، والعدالة وسلامة الحواس وغيرها.

وهذا تناولته في مقالي الذي نشرته ساسة بوست بعنوان «أريده عالمًا وبعدها مثقفًا».

ولكن السؤال هو هل الشروط التي وضعها العلماء أو الفلاسفة في الحاكم كافية في توفير العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية للشعوب؟!

حبذا لو أضفنا إلى مَن التي تؤدي بنا إلى الشروط بالضرورة، دون الوقوف عندها فقط، «كيـــــف» يكون السؤال أقوى.

فلطالما الفلسفة الأفلاطونية صدعت رؤوسنا بمــــــــــن الذي يجـــــــــب أن يحكـــــــم؟

فليكن الســــؤال:

-كيــــــــــف يجــــب أن يـــحــكــــــــــم؟

فليترجم لنا ذلك الإنسان الذي يطمح للحكم أو على رأس السلطة الآن، خوفه من الله في تطبيق شرعه -عز وجل- وتحقيق العدل الذي هو أساس الحكم، وأن يكون خادمًا حقيقيًا للرعية وليس العكس بلا استبداد.

وإلا فلا قيمة لفيلسوف أو حتى من توافرت فيه شروط الحكم إذا كان ظالما دكتاتوريًا اتسم حكمه بالألوجاركية.

فليكن الحاكم من يكن، طالما أنه يحكم بالعدل وفيما يرضي الله، فلا يهمنا من الذي يحكم بقدر ما يهمنا كيف يجب أن يحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحكم
عرض التعليقات
تحميل المزيد