في أحد مقابلات العمل (job interview) فاجأني محاوري بالسؤال:”هل سبق لك أن عملتَ مع القطاع العام”؟

طريقة السؤال أوحَتْ لي أنه ربما يحتاج شخصا لديه خبرة بالعمل في القطاع العام، “بمعنى موظف حكومي سابق”،حاولت الإجابة بطريقة دبلوماسية، شرحتُ له أني كنت مستحق لفرصة عمل في القطاع العام عند تخرجي من الجامعة، وقد تركتها لتحصيلي فرصة أفضل. في نهاية المقابلة خطر  لي  أن استفسر عن سبب السؤال، كان الجواب مخالفاً تماماً لما توقّعت،قال كنتُ لن أقبلَك لو أنك قد عملت في القطاع الحكومي،في بلادنا العمل مع القطاع العام يُخرّب المُوظف.
بغضّ النظر عن رأي الرجل من الناحية العملية، نعمْ هو كذلك، ليستْ كل الخبرات والمعارف بنّاءة!

“بعض الخبرات قد تُخرّب فينا ونحن نحسبُها تبنينا،المِعول الذي نستخدمه لحفر أساساتنا بقصد الارتفاع بالبنيان، قد يقطع كابلات التغذية عن ومضات البساطة في نفوسنا، قد يُبْهِت تألّق أرواحنا، و قد يضيع بسببه وهْج الطيب من تلقائية تصرفاتنا”

يُثير انتباهي/استغرابي على الدوام أولئك المتحذلقون الذين يظنون أن لا أحد غيرهم في الكون يقرأ مقالات عن التنمية البشرية، أو حضر دورات فيما يسمى”البرمجة اللغوية العصبية (NLP)”. تجد أحدهم بعيدا كل البعد عن التلقائية والطبيعية في حديثه، يتصنّع حركات الجسد كما تمّ تلقينه إياها في هذه الدورات،يبدو في كثير من الأحيان كالروبوت، وهو يظنّ نفسه يُتقن مهارات التواصل، أو أنه شاطر في تسويق ذاته للآخرين.

في اللقاءات التعارفية المطلوب بالمقام الأول كسر الجليد، ومد جسور للتواصل الفعّال،عندما تنشغل بمراقبة حركات العينين واتجاه نظر البؤبؤ، أو تحاول أن تعكس تصرفات الطرف الآخر، و أن تحاكي شكل جلسته،( بأسلوب مكشوف على طريقة دورات التنمية البشرية، إذا رفع يده ترفع يدك، وإذا عدّل جلسته للأمام قليلاً تقترب مثله، وهكذا…)، أنت هنا تبني جبالا من الجليد تحول بينك وبين التواصل الفعّال مع الآخرين، هذا تماما عكس ما ينبغي أن يكون عليه الأمر، أي شخص مطّلع على هذه الأمور يستطيع ببساطة أن ينتبه إلى التصنّع الذي تمارسه، لا تظنّ نفسك الوحيد في هذا العالم الذي قرأ عن لغة الجسد وأهميتها، ولا تحسب أنك فريد الزمان الذي يعرف وحده ابراهيم الفقي، أو أنه لا أحد غيرك حضر محاضرات الدكتور طارق السويدان التي تملأ اليوتيوب، حتى الشخص غير المطّلع يستطيع ببساطةأن يكشف زيف تصنّعك بفطرته.

يا عزيزي هذه الأساليب (الجيد والحقيقي منها) التي يدرّبون الناس عليها،جزء كبير منها بالأصل نتاج دراسات ومتابعات لأشخاص ناجحين/مميزين في التواصل الفعّال مع الآخرين، يفعلونها سجية، ودون أي تكلّف،هذا هو مربط الفرس، وهنا يكمن سرّ نجاحهم الأول: التلقائية الفطرية، أنت بتقليدك الروبوتي أول شيء تخرّبه هو هذه التلقائية، استخدام مثل هذا النوع من الأساليب يجعل التحفّز هو سيد الموقف، غالبا ما تكون مثل هذه الجلسات غير مثمرة على صعيد بناء العلاقات الشخصية، أو التواصل الفعّال مع الآخرين، ربما تكون مجدية في بعض الحالات الرسمية، أو جلسات المجاملات الفارغة، ولكن لا ينفع أن يُبْنى عليها لهشاشتها، ولا يمكن أن تُطبق في أي وقت، و لا في أي مكان.

جميل أن تقرأ وأن تتعلّم كيف تُحسّن تواصلك مع الآخرين، بل هو أمر أساسي ومطلوب، ولكن:

  • أولا: تحرّ الصحة و الحرص بعيدا عن بائعي الوهم ومُروجي الأكاذيب،بعض المهارات النافعة يتم التدريب عليها وتدريسها كجزء من المناهج التعليمية في كليات الإدارة، بأسلوب علمي رصين بعيدا عن أوهام دورات التنمية البشرية السوبرمانية ( كمهارات التفاوض مثلا).
  • ثانياً: ليكن ذلك إثراءً لذاتك، ولتحافظ على طابعك وهويتك بعيدا عن التصنّع، صدّقني مجالسة الروبوتات مضجرة بالفعل، لا أحد يرغب بذلك حقا.

إذا أردت بناء علاقات طويلة الأمد مع الآخرين، لتكن البساطةُ سِمَتك، وليكنْ الصِدقُ حليفَك، واعلم أنك لن تكون صادقا مع الآخرين مالم تكن صادقا مع نفسك،قلوبُ الناس الطيبة تأنس بمجالسة المُنبسطين، ذوي النفوس الهانئة، وتهفو لأصحاب الابتسامات الصادقة، ذوي العبارات التي تخرج من القلب، لتقعَ في القلب. بعض دورات التنمية البشرية قد تعكّر عليك صفاءَ نفسك، وتخرّب التلقائية الصادقة في لهجتك، لذلك، ومن أجل ذلك،دَعْ عنك فذلكات التنمية البشرية، وتنّعم بحقيقة العلاقات الإنسانية الراقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد