السلام على من سأل وعلى من إجاب.

عادة لا أجيب عن أسئلة قد أجبت عنها، فأوفر دومًا وقتي وجهدي للإجابة عن الأسئلة التي لم أجب عنها.

هناك عدة نقاط أو عدة أسئلة فرعية أصلًا في السؤال المطروح من أهمهم:

  • عمر صاحب السؤال؛ لأن العمر ببساطة يفرق عند طرح هذا السؤال، فالشخص المتخرج حديثًا سؤاله سيختلف عن الشخص الذي لديه خبرة طويلة في مجال ما، ويختلف عن الشخص الذي يعمل لأجل هدف ما أو قناعة معينة – أنا لم أشر أبدًا للجنس؛ لأن العمل والتفكير في تركه لا يختلف من رجل لامرأة، هناك بعض العوامل التي قد تختلف، ولكن من خلال معرفة عمر السائل ستتحدد بعض الأمور.
  • لماذا نعمل؟ يعمل كثيرون منا لأجل المقابل المادي الذي يوفره العمل منطقيًّا حتى نحيا بشكل طبيعي ومثالي، فالمقابل المادي الذي يوفره العمل يساعدنا على أن نحسن من أنفسنا ونشعر بالسعادة في غير أوقات العمل، يعمل البعض لأجل رسالة أو هدف، ويعمل البعض لأن لديه ما يتركه لهذا العالم، ويعمل البعض لأجل أن يتعلم مهارات جديدة ويكتسب خبرات جديدة.
  • كيف نعمل؟ هناك مثلث جميل توصلت إليه بعد عدة سنوات من العمل لأجل المقابل المادي فقط، فتوصلت إلى أنني أعمل بنسبة 33% للمقابل المادي بسبب الالتزامات العائلية والشخصية، والتزامات أسرتي وعائلتي، وأعمل بنسبة 33% كي أتعلم خبرات جديدة ومهارات جديدة وأكتسب علاقات وتعاملات مع آخرين بشكل مستمر، وأعمل بالنسبة المتبقية لأجل راحة البال، ومن خلال توصلي لتلك النسبة، وجدت أنني أعمل لثلاثة أشياء، فلو تمكنت من الحصول على مقابل مادي دون عمل وخسرت السببين الآخرين، أظن أنني لن أوافق، وإن كنت أكتسب خبرة فقط دون مقابل مادي كاف مع وجود راحة البال، فذلك سيكون عائقًا؛ لأنني بعد قليل ستزيد التزاماتي بشكل مبالغ فيه مع انخفاض المقابل المادي وستنعدم راحة البال، أما إذا كنت أتقاضى مقابلًا ماديًّا جيدًا من عملي ذلك، وأكتسب خبرة، ولكن ذلك يعكر صفوي وراحة بالي، هنا سأنظر إلى الأمر نظرة مختلفة.
  • كيف يؤثر فينا عملنا؟ أعرف أشخاصًا كثيرين يتقاضون مقابلًا مجزيًا عن عملهم، ويكتسبون خبرات كبيرة وتجارب شيقة، ولكن مع ضغط نفسي هائل عليهم يجعلهم يزورون طبيبًا نفسيًّا باستمرار بسبب ضغط العمل وخشية فقدانه، ويفقدون راحة بالهم في كل يوم نظريًّا ليس من المفترض أن يؤثر العمل فينا بهذا الشكل السيئ بل يجعلنا في صورة أفضل ونلتفت أكثر، كيف نطور من أنفسنا ونحيا بشكل أكثر طبيعية وأكثر سعادة، فهم اكتفوا بعاملي المقابل المادي والخبرة المكتسبة، ومن وجهة نظري نسوا أهم مكون في المكونات الثلاثة للعمل وهي راحة البال والنفسية السليمة الطيبة، فالمقابل المادي لن يصون لك صحتك النفسية والعقلية والجسدية، والخبرات لن تغنيك عن زيارة الطبيب لسبب نفسي أو حتى جسدي، عمليًّا ضغط العمل أمر معروف وموجود بكثرة، خاصة في دولنا العربية، ولكن هذا الضغط له حد عندما يبدأ التأثير في صحتك النفسية والجسدية، هنا يجب أن تعيد النظر أصلًا: لماذا تعمل؟

نعود مرة ثانية للسؤال الأصلي، وهو متى يجب أن أترك عملي؟

دعني أسألك؛ هل علينا أن نعمل أصلًا؟ أيًّا كانت إجابتك فنعم، يظن الكثيرون أن العمل معناه الدوام الرسمي لعدد ثماني ساعات مع إجازات أسبوعية وسنوية، ولكن الكثيرين يعملون خارج هذا النطاق الرسمي ببساطة، فالطلبة يعملون وغير الملتزمين بالدوامات الرسمية يعملون؛ لأن ببساطة الحياة هي عمل وعمل مستمر.

إذا كنتِ خريجة جديدة أو تبحثين عن الخبرات فقط لتبدأي في مجال ما فنصيحتي لك إذا كنتِ في عقد العشرينيات أن تجربي قدر ما تستطيعين من أعمال، لا تبحثي عن المقابل المادي في تلك المرحلة؛ ففترة البناء لا مردود ضخم منها، ولكن ابحثي عن الشغف والتعلم والخبرات الجديدة التي تضاف إليكِ، مع نصيحة غاية في الأهمية، وهي راحة بالك، كلما كان هذا العمل ثقيلًا على فكرك عند تذكره، أو يجلب لك حالة نفسية سيئة، رتبي أمورك واحسمي أمرك وتوكلي على الله؛ لأن الأرزاق بيد الله ببساطة.

دعيني أخبرك بقصة صغيرة، في عام 2012 استقلت من عملي في نهاية شهر أبريل مع مشكلة كبيرة مع مديري، وكان هذا التوقيت غاية في السوء؛ بسبب أن زواجي كان بعد شهر واحد من تلك الاستقالة، فتخيلي أن تبدأي حياة جديدة وأنت دون عمل، وقتها لم تكن الدوافع الثلاثة واضحة في ذهني مثل الآن، لكنني اخترت راحة بالي ببساطة، وأن أتخلي عن المقابل المادي المجزي الذي كنت أتقاضاه وقتها وساعدني كثيرًا على أن أكمل أمر زواجي، ولكن لأن الأرزاق بيد الله فلم ألتفت كثيرًا لذلك الأمر، وتوكلت على الله واستقلت من وظيفتي، ولم أعمل تقريبًا إلا بعد ثلاثة شهور أي بعد زواجي فعلًا بشهرين.

بنسبة كبيرة كل من نصحني ألا أترك عملي في ذلك الوقت، وأنتظر وأتحمل سخافات العمل وطبيعة مديري في سبيل المقابل المادي، كانت إجابتي واحدة؛ راحة بالي وسلامي النفسي أهم فعلًا من المقابل المادي ومن الوظيفة ومن كل شيء – أعتقد أن تلك القصة بشكل ما قد تمنحك علامة ما تضيء لك طريق الإجابة.

إذا كنت تعملين منذ عدة سنوات وتبحثين عن التغيير في وظيفتك أو الانتقال لمكان عمل جديد، فأنصحك أن تحصلي على إجازة بين كل وظيفة ووظيفة شهر أو اثنان أو ثلاثة شهور، الرافد الثاني من روافد لماذا نعمل هو من سيرشدك لعمل جديد ووظيفة جديدة؛ فالخبرات المكتسبة والتجارب مع راحة البال هي من تجعلك ترى طريقك بشكل أفضل ممن ينتقل بين الوظائف دون أي فترات للراحة، أو حتى لمعرفة ووضع أهداف مستقبلية، أو حتى لمراجعة ما الذي حدث في الوظيفة السابقة.

مع تخرجي في عام 2007 وفقني الله لمنحة تدريبية لمدة ثلاثة أشهر، ومن ثم تم تعييني مباشرة في الشركة نفسها التي قدمت المنحة استمريت عامين في تلك الشركة، ومن ثم شعرت بأن الوقت قد حان لتعلم شيء جديد وتجربة وظيفة جديدة، وعليه استقلت من وظيفتي وتم قبولي في منحة تدريبية لعام كامل في مجال تقني ومختلف جدًّا عن دراستي وحتى عملي السابق، ولكنني فضلت أن أغامر دون مقابل مادي، ولكن لأستثمر أكثر في تجاربي وخبرتي، وبالفعل تخرجت من المنحة الثانية ووفقني الله لوظيفة مباشرة بعد انتهاء المنحة، بعد زواجي قُبلت في منحة ثالثة، ولكن لم أختر أن أكملها؛ لأن وقتها لم تعد الأمور كما هي في سابق عهدها، فهناك التزامات الآن علي أن أوفيها حقيها.

بين كل وظيفة ووظيفة كنت أستريح مدة معقولة لمراجعة ما فعلته في تلك الوظيفة ووضع خطتي للوظيفة المقبل عليها، عند سن معين ستشعرين أن راحة البال والسلام والصفاء النفسي أهم كثيرًا من المقابل المادي مهما كان، وأن عدم راحة البال في عقد الثلاثينيات يعرضك للكثير من الأمراض، سواء نفسية أو جسدية، والأهم من ذلك كله ألا تنسي أن الرزق بيد الله؛ لذا فجزيل الشكر لكل من نصحك بتدبير ادخار لمدة معينة يعينك على المعيشة، وكذلك لمن نصحك بالبقاء في وظيفتك التي لا ترتاحين فيها حتى تؤمني وظيفة أخرى، فبعض القرارات تحتاج لمغامرة ومخاطرة، وطالما كان بالك رائقًا لتفكري في الخطوات القادمة، فأظن أن أمورك دومًا ستكون على ما يرام.

نحن نعمل لنسعد أنفسنا ونسعد الآخرين ولا نعمل لنتعس أنفسنا ونتعس معنا الآخرين، العمل حياة وخبرات لطيفة أو غير لطيفة نكتسبها بمرور الوقت، العامل المادي مهم، ولا ينكره أحد، ولكن ليس لوحده نعمل فنخرب أرواحنا ونتلف صحتنا النفسية، لا أود أن أصبح مثل خبراء التنمية البشرية الذين يقولون ما لا يفعلون – البعض منهم وليسوا كلهم – ولكنني عن خبرة أرى أن راحة البال يترتب عليها فعلًا أن تتقن عملك وتتحسن حياتك وحياة الآخرين.

ليس معنى كلامي أن يترك الكل عمله ويبحث عن آخر بسهولة ويسر؛ فتأمين وظيفة حالية يأخذ الكثير من الوقت والجهد وتأمين وظيفة مستقبلية كذلك، ولكن أنا أؤمن أن الأرزاق بيد الله، وأن من يعمل فيحسن من نفسه ويتعلم أن يأخذ بالأسباب، وأن التغيير سنة الحياة، لذلك عليك الأخذ بكل الأسباب في مجال عملك الحالي، وألا يكن لديك أنتِ أي معوقات داخل العمل فتأخذين بكل الأسباب التي عليك البحث عنها في داخل مجال عملك الحالي، سواء من تنظيم مهام العمل، أو العلاقات مع الموظفين والمديرين وفعل كل ذلك بهدوء وروية دون تحميل على جهازك العصبي أو النفسي، وإن لم ينجح كل ذلك فدومًا ابحثي عن الشغف في كل مكان، فإن لم يكن بالقرب منك، فثقي أنه في مكان آخر فقط عليك بالمزيد من السعي.

في نهاية إجابتي أطمح أنه عند وصولي للأربعين من عمري أن أتوقف عن العمل لأجل المقابل المادي، وأن تصبح النسبة 50% لأجل التعلم واكتساب الخبرات والتجارب، و50% لأجل سلامي النفسي وراحة بالي ومساعدة الغير قدر ما استطعت، وأتمنى للجميع كل التوفيق، وأن تضيء إجابتي ولو بقدر صغير على اتخاذك القرار السليم على المدى البعيد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أترك, العمل
عرض التعليقات
تحميل المزيد