يحدّثنا الكاتب أيمن العتوم في رواية «يا صاحبي السجن» عن الحرية.

فيقول: «الحرية لا يساويها شيء، يموت الإنسان من أجل الحرية، طعم الحرية لا يمكن أن تجده في طعمٍ آخر أو حالةٍ أخرى، الحرية حياة… من يسلب حريته فكأنما سلبت حياته، ومن يستبق الحياة يجد أن استبقاءها عبودية، ولا يمكن أن توهب إلا من أجل حرية يكون فيها الاعتناق كاملًا».

 ونحن نعيش في بقاع مدينة غزة الصامدة الصابرة المحاصرة، بين أزقة مخيماتها، وعلى امتداد بحرها الأزرق اللامع، يتجول حصارٌ ثملٌ قد عاش وترعرع على مدار أربعة عشر عامًا.

يشرّع أبواب الهجرة للمواطنين فئة العاطلين عن العمل، أولئك الذين تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والثلاثين، الذين تلاشت أحلامهم مع هبوب الريح، يأتيهم ذلك الشبح على حين غرةٍ يجرهم من أفكارهم نحو الحتف، نحو بوابة الوطن السوداء ليضربوها وهم خارجون منها بأقدامهم المهترئة، التي جابت زوايا المدينة بحثًا عن مستقبلهم، ويعلّقون أحلامهم وأمنياتهم الباهتة على سياج البوابة، ينْفون من البلاد، تقذفهم أوطانهم في غيابات الغربة بعدما أصبحوا عالةً على أسرهم، أو هكذا يشعرون.

يخرج الواحد منهم رغمًا عن أنفه بعدما أمضى عمره في سنين الحصار حائرًا متحسرًا على مستقبله المفقود، يغادر البلاد بعقله ولكنّ قلبه منغمسٌ هناك وروحه متعشعشة في البلاد، عيناه تدمع لفراق ذويه الذين لنْ يراهم مرةً أخرى بسهولة، يمضي وقلبه يعتصر ألمًا لفراق أمه وقرة عينه، يغادرون وهم يحملون حقائبهم على مناكبهم.

ساعاتٌ قليلة فتتغير الطبيعة والمشاهد والمناخ، يشعرون بأريحيةٍ مطلقة أو هكذا توهمهم ساعات الغربة الأولية، تتراقص قلوبهم فرحًا، تبرد قليلًا نار الحصار التي أحرقت أعمارهم رمادًا وذرًا، يبدأ الوسواس يتلاعب بداخلهم، يهمس في آذانهم أنهم أصبحوا أحرارًا، محدّثين أنفسهم: «نعم نحن رجال الغربة الأقوياء، لا يخيفنا اللجوء ولا مرارة الأيام».

ينام الواحد فيهم أسبوعه الأول والثاني بسكينةٍ وسلام، ثم وعندما يغوص في الغربة أكثر مبتعدًا عن شاطئها وردي الأحلام تأتيه الليالي ببرودتها الشديدة وغربتها اللافحة وظلامها الداكن البعيد عن دفء الأحبة والأهل والوطن، ليال مكتظة بالشوق المميت، فيبدأ يستحضر فيها أطياف من يحبهم، ومن كانوا بجانبه، رفقته أهله، ناسه، حارته، صباح مدينته المحاصرة، بحرها المتجدد القوي رغم الحروب.

هنا لحظة الوجع والحقيقة المرّة، أنّ الغربة غربة ولو كسيت فيها ذهبًا، تتلاعب حينها التفاصيل بالمشاعر، بل تلتصق على جدار الذاكرة، فتأجج لهيب القلب، ويسدل ستار الغياب،
ثمّ يكون الحنين سيّد الموقف، يأتيه يعرج مجبولًا جسده بالذكريات، يعانقه بقوةٍ كاوية يجعله ينتشي رائحة من كان يلازمهم طيلة حياته، في طعامه وفي شرابه، في نومه وفي عمله، في المنزل وخارج المنزل، في مخيمه العتيق وهو يلهو صغيرًا ويدرج في طرقاته، تحت كنّة المنزل وهم يشعلون النار.

سيفتقد من كان يبتسم معهم، ويحزن لهول البعد وبرودة المسافات، من يخطئ بحقه فيعتذر له، سيتوق جسده لحضن أمه الدافئ، وتحنّ أذنيه لسماع صوت والده الشّجي، وضجيج أخوته وقت المزاح، كلّ هذه المشاعر التى تتوالى كلعناتٍ ستمارس على حياة مواطنٍ مكلوم ذنبه أنّه خلق وترعرع في مدينةٍ مقاومةٍ لا تعرف للانكسار طريقًا.

نشعر وكأنّها لعبةٌ سياسيةٌ صهيوأمريكية ومصرية بامتياز، وتراودنا التساؤلات:

  • لماذا بوابة المدينة تسهّل فقط للمهاجرين، بينما العالقون في الصالة المصرية تمضي عليهم أسابيع وأشهر كثيرة وهم محجوزون في أماكنهم الأشبه بالجحيم؟
  • لماذا خفّضت أسعار التنسيقات بعدما كانت باهظة الثمن؟
  • لماذا لا تفتح السلطات المصرية المعبر للمرضى الذين يتوسدون على أوجاعهم كل ليلة؟
  •  هل أصبحت حرية الشباب أهم من شفاء المرضى وإنقاذ الأرواح؟
  • هل أصبح المرضى وطلاب العلم إرهابيين؟
  • هل البضائع ومواد الغذاء التي تدخل غزة تعد موادًا متفجرة ومحرمة دوليًّا؟
  • من المستفيد من هذه الأوجاع التي تحصل على مدار الأعوام؟
  • أليس المحتل الصهيوني هو المستفيد الأول؟

كان على الشباب المهاجرين ممن هم في زهرة أعمارهم أن يتريثوا قليلًا، وأنْ يعلموا أنّ هذه المخططات نابعة من عقول سياسيين، بل إرهابيين، يريدون أن يقطفوا زهرة أعمار الشباب الثائر، الذي هو مستقبل هذا الوطن المسلوب، ولكنّهم غادروا وهم مضطهدون يرددون: «لا يشعر بنا إلا من ذاق لوعتنا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد