“لست في مزاج للسياسة”.

كلما رددتها سرًّا خلف تململ واضح أمام أحد ثرثاري الدعوة للمشاركة السياسية الذين يقتحمون خلوتي بالمقهى فرضًا! أو يثرثرون بجواري في المواصلات قاطعين سيل أفكاري من مقعدي المفضل بجوار النافذة! أو يطاردونني بتحليلاتهم الإلكترونية الفذة على مواقع الرفاهية التي صرت أهرب منها كما أهرب من العالم نفسه! أشعر بتلك الشريرة الخبيثة تبتسم لي وتقول كي تغيظني في الصميم: “ولكن .. السياسة في مزاج لكم جميعًا!”.

للأسف إن الكلام صار مرادفًا للفعل منذ فترة طويلة جدًا، الفيسبوك تحديدًا كرّس هذا المفهوم عند الناس، فصارت الناس تتكلم وتتكلم وتتكلم فقط ! إنها المحنة التي ستواجهك دون انتهاء حين ترفض الانتباه للسياسة!

أنا مثلًا حين سأحكم العالم أو أصبح رئيسة جمهورية يومًا ما؛ سأعلم الناس جميعًا ذات يوم أن أقصر حُضن في الوجود يجب ألا يقل عن نصف دقيقة كاملة، بكامل حقها من الصدق والتيه، والانتماء. وأن المودة خير من السلطة، وهذا، برأيي، عمل أهم بكثير من ترهات السياسة التي لا تغني ولا تحيي من موت.

 

“القضايا تقتل !”

هل تراني بلا قضية ؟ أنا فقط متسقة مع ضميري أكثر منك، أنا صادقة مع نفسي، ولا أكتب عن أهوال السياسة إلا فيما ندر، لأني اشعر بالتقزم عندما أكتب عن ضحايا يُقتلون منذ سنوات، من تحت المكيِّف الثمين بغرفتي، متحججة بنصرهم وتأييدهم بعبارة مرصوصة بعناية على شاشة إلكترونية!

مشكلتي مع الكلام أنه أصبح مكررًا وكثيرًا بدرجة تجعلني أخافه! أخاف خروجه مني دون أن يبدو سخيفًا ومبتذلًا أمام ما يجري، أو ممتهنًا ومبالغًا فيه كما أراه في كل شيء حولي! فلا يشكل أي فارق مع مساحات الضياع والألم التي انتشرت على خريطة الكون، ولا تجد الخريطة فيه طريقًا جديدًا لأي شيء!

أعلنت انسحابي من المشاركة في الأمر كله أو المبالاة بما يدور حولي لأني فشلت! فشلت في أن أكون منافقة ووضيعة، ولم يكن الانحطاط يومًا في قائمة الأشياء التي أجيدها للنهاية.

كفرت بكل الأفكار التي آمنت بها والآراء التي تبنيتها يومًا وحفظتها داخلي كأجنّة حساسة؛ عندما كفرت بها المحاكم والرشاشات، والكتائب والشوارع والقوانين، والأنظمة التي تسيسها الدولة، عندما كفرت بها بلادي التي كانت وطنًا، وصارت دولة.

تخليت عن حماقة السعي لدعم الثورات والهتاف من أجل القضايا منذ وقت طويل، لأني نضجت أمام خيبتي من كل الأفكار التي آمنت بها وصفعتني على وجهي واحدة تلو الأخرى. أو لأن اليأس الذي قتل الحقيقة والبصيرة في نفوس الناس، وقتل العدل والرحمة في وطني، وقتل أصدقائي وأسالهم دماءً ساخنة، وقتل الانتماء في الأحياء منهم، وقتل الرغبة في العودة في من سافروا هربًا من كل تلك البشاعة، وقتل الضحايا الأبرياء في الشوارع، قتل أيضًا حقي في رؤية كل هؤلاء مجددًا، بسببه .. هذا اليأس ذاته قتل داخلي التمسك بكل القضايا التي آمنت بها، فلم أعد أحمل هم قضية محددة، ولكني لست “بلا قضية” ؛ ذلك لأنني تعلمت كيف أصادق قضيتي .. دون أن أجعلها تسودني، أو أصنع منها صنمًا آخر أركع أمامه وأعبده! وأخسر معه كل شيء إذا خسرته!

والحقيقة أنني صرت أفضل دائمًا قضاء وقتي في الاستمتاع بمباهج الحياة الطيبة على أن أستيقظ كل يوم لأنتشل جثة بلادي من جريدة الصباح. وأحاول إقناع نفسي بأن الحياة بها أشياء عديدة أجمل من الصلاة على الأموات والأشياء الراحلة أمام اليأس الذي يملأني. ربما لأنني لا أستطيع أن أفهم ماذا قد يحدث للناس الذين يبدأون الحياة كل صباح بصدمة بينما تسير حياتهم بمثل تلك الوتيرة العنيفة الخرقاء.

لا أستطيع فهم أشياء عديدة في هذا العالم حقًا، والحقيقة أنني لا أريد، ولا أريد أن أكون ملمّة بالمرة بأي مما يجري داخله، لأنني تعبت، تعبت من كل هذا الحزن والوجع الذي لا نهاية له ولا طائل منه، ومن كل تلك الصراعات والقضايا والدماء. ولأنني لا أستطيع التفكير في كل تلك الجروح التي نزدحم بها دون ألم. ودون كل الغصات التي تعصر القلب.

العالم كله غارق في العنف نفسه والقلق ذاته. والإنسان وحده هو أضحية الفداء. ليس هناك قضية نظيفة أو ثورة حقيقية في أي مكان من العالم، هناك عنف ودماء ووعود فقط، ما الجديد الذي تبحث عنه في عالم كهذا؟ تخيل أنك تشاهد نفس الفيلم كل يوم، النهاية لن تختلف.

وقدرك أنك هنا، قدرك أنك وُلدت في مصر المعاصرة، الأمر أشبه بمن خرج من رحم أمه إلى الوحل فورًا! قدرك أنك كنت جزءًا من مجتمع أصبحت القضايا فيه أهم من الأفراد، وليست لأجلهم. قل لي كم قضية مثارة على ساحة وطنك الآن تدخل في حرب مع قضية أخرى، وكم روحًا سُلبت حقها في الحياة في سبيل كل قضية على حدة.

هل تموتون من أجل الأرض؟! الأرض تبقى، التراب يعيد نفسه كل يوم، لكنكم ترحلون! تتطايرون!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد