د. بيار الخوري 37
د. بيار الخوريكاتب وباحث في السياسة والاقتصاد 37

856

اسبوع واحد يفصل بين احتفالية نقل السفارة الأمريكية لدى دولة إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلة، واحتفالات الأحزاب والقوى والشخصيات في لبنان بفوزها في أول انتخابات تجري على القانون النسبي.

في السابع من مايو (أيار ) 2018 احتفل لبنان بإنجاز انتخاباته النيابية التي أوصلت إلى المجلس النيابي الجديد كل الأطياف اللبنانية تقريبًا، بأحجام مختلفة، ولكن دون إقصاء.

لبنان بلد نموذجي في تنوع مكوناته وتوازنها، يكتسب أهمية خاصة لوقوعه في محيط يتميز بتوتر كبير بين جماعاته ومعظم هذه الجماعات موجودة في لبنان وهي جزء من النظام السياسي فيه ومن تكوين شعبه.

لقد دفع لبنان كثيرًا ثمن اختبار الحدود بين مكوناته، ودفع ضمنًا ضريبة هذا التنوع الفربد. ولعله اليوم يرقى إلى نموذج حداثي عصري، رغم تشوهاته الكثيرة، يسمح بتحويله إلى موديل إقليمي لتناغم أطياف متصارعة في بوتقة سياسية فعالة، بل موديل يصلح لتوسيع المشاركة السياسية في السلطة في كل مكان تتوقف الجماعات عن افتراض أن بامكانها عكس قوانين التاريخ عبر إلغاء الآخر.

أوروبا بدات التفكير من الان في كيفية استيعاب النظام السياسي للأقليات المتنامية في المحيط الأوروبي الأبيض. العالم كله يبحث عن صيغ تؤمن الاستقرار على المدى الطويل عبر دمج الاختلاف في إطار مؤسساتي يسمح بإعطاء الأمان السياسي للمكونات المختلفة التي لا يني يفرزها المجتمع المعولم، والقائم بجانب هام منه على وعي الجماعات لوجودها بوصفها جماعات.

انتخابات لبنان كتب عنها الكثير واشادت بها كل دول العالم، أقله بوصفها نموذجًا حضاريًا وأكثر ديمقراطية من قوانين الانتخاب السابقة، كذلك بالمقارنة مع النظم السياسية المحيطة.

على بعد سبعة أيام وبضع مئات من الكيلومترات كانت دولة إسرائيل تحتفل بنقل السفارة الأمريكية والمشتق من اعتراف الحكومة الأمريكية بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل. احتفال دعي إليه كبار زعماء العالم الذين لم يحضر منهم إلا ممثلو دول نعرف من أسمائها أن معظمها لا تعطي أي قيمة مضافة للحضور: ألبانيا، وأنغولا، والنمسا، والكاميرون، والكونغو، والكونغو الديمقراطية، وساحل العاج، وجمهورية التشيك، والدومنيكان، والسلفادور، وإثيوبيا، وجورجيا، وغواتيمالا، وهندوراس، والمجر، وكينيا، ومقدونيا، وبورما، ونيجيريا، وبنما، وبيرو، والفلبين، ورومانيا، ورواندا، وصربيا، وجنوب السودان، وتايلاند، وأكورانيا، وفيتنام، وبراجواي، وتنزانيا، وزامبيا. أسوأ تغطية دولية، والأكثر هزالة في تاريخ إسرائيل!

الجزء المكمل لصورة الاحتفال حضر من أطراف قطاع غزة: أناس عزل يمشون إلى حقهم في أرضهم، ويواجهون بالرصاص. تقتل إسرائيل وتجرج أكثر الآلاف، وتعلن أنها دولة الإقصاء والدم. دولة الكراهية ومنطق القوة العارية في عصر العولمة وعصر حقوق الإنسان والجماعات.

لطالما أقلق النموذج اللبناني الدولة الصهيونية والفكر السياسي الصهيوني. لبنان نموذج معاكس تمامًا للكيان الإسرائيلي؛ لأنه مشروع تعدد يقبل الآخر، فيما إسرائيل دولة إقصائية عنصرية سوقت طويلًا لمفهومها عن الشرق الأوسط القائم على تناحر الجماعات، وكانت التركيبة اللبنانية تفسد عليها دائمًا تعميم هذا المفهوم.

دخلت إسرائيل لبنان بحجة إبعاد المقاومة الفلسطسنية 40 كيلومترًا عن مستعمراتها، وخرجت مهزومة، ولكن بعد تنظيم مجموعة من الفتن الهدامة كان أكثرها إيلامًا حرب الجبل بين المسيحيين والدروز. سعت إسرائيل لذلك إلى خلق نماذج هجينه تبرر النموذج الإسرائيلي، حيثما طالت يدها في محيطها القريب والبعيد.

لبنان خرج من حروبه الداخلية، كان يزداد منعة سنة بعد سنة، ويطور تقبله للآخر حدثًا بعد حدث، حتى استعصى على استحضار النار السورية والإقليمية بما يشبه عجيبة من عجائب القدر.

وتبقى إسرائيل تستحضر الدم بنفسها وتوقد النار بمشروعها المضاد للطبيعة البشرية فيما يتلاعب بمصيرها: زعيم للعالم الحر. لا يعرف تاريخ بلده فكيف بتاريخ الشرق الأوسط.

وبمشهدية رمزية يخرج زعيم العالم الحر من شاشة عريضة ليقول لامة مذعورة، رغم كونها مدججة بأحدث وأقوى أسلحة الدمار الجزئي والشامل: أنتم أيضا لديكم زعيم يطل عليكم من شاشة عملاقة. لا تخافوا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك