كنت قد كتبت منذ ما يقارب السنتين عن المحرمات التي يغلف فيها وضع الليرة اللبنانية، ودعوت إلى فتح باب النقاش واسعًا بين الأخصائيين حول وضع النقد. كان ذلك قبل الدراسة – القنبلة التي نشرها الخبير توفيق كسبار في جريدة الأخبار اللبنانية والتي استثارت موجة عارمة من الاستنكار والتكذيب وحتى التهديد.

سبب مقالتي هنا هو تكاثر التكهنات منذ ما يقارب الأشهر الثلاثة حول وضع سعر صرف الليرة اللبنانية، بل إن بعض الصحفيين القادرين على تحليل كل شيء تقريبًا (وربما الضرب في الغيب)، أجمعوا على التنبؤ بسعر متوقع لليرة في أسواق الصرف وهو 3 آلاف ليرة للدولار الأمريكي الواحد!

عبثًا حاولت أن أبحث عن الموديل الاقتصادي والنقدي الذي استند إليه هؤلاء في تنبؤهم. لقد عدت إلى دراسة توفيق كسبار ودراسة مطولة لجمعية مصارف لبنان هدفت لتطوير موديل لتوقع سعر الصرف ولم أجد توقعًا بهذا التحديد.

وفي الأيام الماضية وبعد أن نقل البطريرك الماروني عن رئيس البلاد كلامًا مؤلمًا حول الوضع الاقتصادي العام في لبنان يشبه الصدمة التي لا بد منها للدخول في سياسات جذرية لعلاج الوضع الاقتصادي العام، عاد نفس الكلام إلى الصحافة ونفس «التسعير»: 3 آلاف ليرة للدولار الواحد.

إن خطر هذا الكلام ليس في الرقم بذاته فحسب، بل بهذه الثقة الزائدة من صحفيين لا يستندون إلى موروث أو مرجع علمي موثق في رمي التوقعات النقدية.

حين طالبت بكسر التابو ولعبة المحرمات لم يخطر في بالي أن الكسر قد يعني كسر المرجعية العلمية وأن اللعبة قد تعني اللعب بمشاعر المودعين بالليرة اللبنانية. وأخطر ما اخشاه أن تكون بعض الأقلام قد جندت في لعبة انتخابية أقل ما توصف به أنها غير مسؤولة.

كيف لا والبلاد فيها قلة من الصحافيين الذين درسوا الاقتصاد أو التمويل أو علوم النقد في الجامعة أو طوروا ثقافتهم الاقتصادية بجهد مهني ترفع له القبعات، بل جلهم إما خريجو كلية إعلام وإما امتهنوا الصحافة الاقتصادية بالتمرس. فكيف إذًا كان كتبة هذه المقالات بالأساس صحفيين في صفحات غير الصفحة الاقتصادية.

ليست المشكلة في التوقع الاقتصادي القائم على العلم، فهذا يحصل على مدار الساعة في جل بلدان العالم، لكن رمي التكهنات جزافًا وردها إلى «مصادر» و«يوجد تخوف» وما شابهها من الكلام الأجوف الذي تعاني منه الصحافة السياسية منذ رحيل كبار المهنيين ومنذ تسلط السياسة على الصحافة.

لقد كتبت يوم توقيع عقود استكشاف النفط في لبنان أن لبنان قد فتح أمامه آفاقًا اقتصادية جديدة، وأن التوقع بإنتاج النفط، ولو بعد سنوات، يبعد شبح الانهيار المالي. كتبت ذلك قبل إقرار الحكومة اللبنانية لميزانية العام 2018 (والتي يفصلها ستة أشهر فقط عن إقرار ميزانية العام 2017)، وقبل اتضاح معالم مؤتمر سيدر1 المخصص لتمويل استثمار ضخم في البنية التحتية اللبنانية تصل قيمته إلى 22 مليار دولار أمريكي، وهو المؤمل منه أن يعيد تحريك الدورة الاقتصادية وجذب استثمارات تعادل ضعف المبلغ المستثمر في البنية التحتية بناء على مضاعف الاستثمار (يشترط نجاح هذا التمويل طويل الأجل أن تعمل الحكومة اللبنانية على التقاط فرصة نادرة للعمل على إصلاح البنية الاقتصادية بما يتلاءم مع احتياجات اقتصاد مفتوح كالاقتصاد اللبناني).

إن توقعات الوضع الاقتصادي اللبناني اليوم ورغم تشوهاته العميقة أفضل بما لا يقاس من توقعات الوضع عشية انتخاب رئيس الجمهورية، الذي أعقب سنتين ونصفًا من فراغ الكرسي الرئاسي، وتشكيل الحكومة الجديدة إلا لمن يريد أن يرى الاقتصاد ورقة تصلح للعب وفقًا لحسابات سياسية ضيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد