عرض على قناة إم تي في هذا العام، رمضان 2019، مسلسل «إنتي مين؟»، مسلسل كوميدي رومانسي يعرض بخفة على المشاهد قضايا وطنية ومجتمعية نمر عليها مرور الكرام، فئات من المجتمع نتجاهل وجودها، عمدًا أو سهوًا، للكاتبة كارين رزق الله، بطولة الفنان عمار شلق والمتألقة كارين رزق الله.

يعرض المسلسل مجموعة من المقاتلين القدامى الذين شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية، التي ولدت مآسي كثيرة، جسدت في العديد من الأعمال الأدبية رواية الاعترافات للروائي اللبناني ربيع جابر، التي دخلت فى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» لعام 2009، وتألقت كاتبة المسلسل كارين رزق الله في كتابة نص ليس بالثقيل على المشاهد.

عرضت من خلال الحوار بين الشخصيات أبرز الأفكار والقيم التي يجب أن ينتبه لها جيل الشباب، لا بد أن يعلم الجيل الحالي ما حدث قبل سنوات ليتعلم من أخطاء الجيل الذي سبقه، إن استغلال اندفاع الشباب في بداية أعمارهم كما ورد على لسان المقاتلات الضحايا عيدة ونجوى «بأعمار الستة عشر عامًا»، وتجيشيهن مع بقية الرفاق وتعبئتهم بأفكار حزبية، وأحلام وطنية لكل بطل يقاتل من أجل شعارات حزبه، خدعة يكتشفها المقاتلون بعد ضياع أعمارهم ما بين قتل وتدمير وفقدان أعز أصدقائهم، وتشتت شملهم، خدعة كانت لمصلحة أشخاص وليست مصلحة أوطان.

هؤلاء الشباب الذين استغلتهم الأحزاب والتفرقة لخدمة مصالح زعمائها الشخصية، تاركة منهم بقايا تعيش على بطولات بائدة، وحاضر أليم يقاتلون لأجل قوت يومهم، مع أنهم كانوا أبطالاً يدفعون أرواحهم ليجعلوا بلدهم أفضل، ولم يتغير شيء، ويأتي السؤال على لسان عيدة ونجوى «لو أهلنا نصحونا كنا رح تكون حياتنا أحسن؟»، مشكلة تربوية، ما زالت مجتمعاتنا تعاني لغة التواصل والخطاب بين الأهل والمراهق، نتيجتها لا تعوض على أحد.

الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990، وأسفرت عن مقتل ما يقدر بـ 120 ألف شخص. في عام 2012، كان ما يقرب من 76 ألف شخص ما يزالون مشردين داخل لبنان، كان هناك أيضًا نزوح لما يقرب من مليون شخص من لبنان نتيجة للحرب، هي مأساة لا يجب تكرارها في أي مجتمع عربي آخر، وللأسف إنها تتكرر في العديد من دولنا العربية نازفة سيلًا جديدًا من الدماء، والضحايا، علينا التوعية ونشر ثقافة ذوبان المصلحة الفردية في المصلحة العامة، ودحض تيارات التفرقة الحزبية التي تخفي في ثناياها شعارات عنصرية دينية، أو فكرية، أو إقليمية، علينا توجيه فكر الشباب للانفتاح العقلي، والديني، والفكري، وثقافة الحوار البعيد عن السلطوية لتجنب إهدار مقدرات أوطاننا في حروب أهلية تحرق قلب إنساننا العربي، الحرب الأهلية في أي وطن فخ مميت للثروة الإنسانية، وتعطيل لجيل أو جيلين من أبناء البلد نفسه يعانون ويلات ما بقي من آثار الحرب.

يتعرض المسلسل لقضية أخرى، قضية مجهول النسب الذي أثارته الكاتبة المبدعة، وهو فئة موجودة في مجتمعاتنا العربية، التي تفتخر بالأنساب، وتذكر اسم العشيرة أو العائلة قبل اسم الشخص نفسه، وكأننا نعاقبهم أيضًا على شيء ليس من اختيارهم، كما أن مجهول النسب ليس بالضرورة أن يكون ابن عائلة ملعونة أو منحلة، قد يكون ابن رجل دافع عن قضية وقتل، وتشتت عائلته وبقي طفله وحيدًا يتجرع اليتم وحده، بلادنا التي غصت بالفقر، والحروب، والمجاعة، تجعل الإنسان أضعف من أن يقاوم، أضعف من أن يدافع عمن يحب، والدة نسيم التي تركت ابنها في الملجأ لأنها كانت تحت صدمة الحرب، وصدمة العلاج النفسي والفقد، عادت لتتبنى ولدها بعد استطاعتها تأمين حياة أفضل لتربيته، لتفاجأ أن الميتم صدره إلى ألمانيا خوفًا من ويلات الحرب الأهلية، وبالتالي يضمن للأطفال الأيتام ومجهولي النسب حياة كريمة وأفضل في بلاد أوروبا، فانتكست الأم من جديد، طفلها الذي تزوجت مرة أخرى من طبيبها الذي ذلها وعيرها بزواجها غير الشرعي قبله، وعين لها سامية لتكون عينًا له أثناء غيابه عنها، كأنه لم يكن تلاشى، كم من الأمهات تركن أطفالهن مشوهات نفسيًّا؟

تذكر البطلة عيدة – عندما تعاتب زوجها الطبيب: كنت دائمًا تعيرني، لم تكن مجبرًا على الزواج من امرأة ولدت من غيرك، عقلية الرجل الشرقي، كيف يعشق امرأة ويعذبها في الوقت ذاته، الطبيب المتعلم الذي رأى ويلات الحرب وآلامها وجهًا لوجه في المستشفى يبقى حاملًا سوط الماضي لحبيبته يجلدها فيه كل صباح، ويبرر ذلك بالحب، والمرأة التي وثق بها «سامية»، وعشقته بصدق لم يفكر فيها حتى كزوجة، إن عقليتنا في مشرقنا معقدة بين موروثنا القبلي، وانفتاحنا على المجتمعات الغربية، تارة هنا وتارة هناك، نخنق سعادتنا ونجلد أرواحنا بذاتنا.

أما عن حلم الهجرة، حلم كل شاب عربي يعجز عن الحصول على وظيفة تؤمن له ولعائلته حياة كريمة، تنتهي علاقة جهاد بجارها الذي يختار الهجرة إلى داغستان لحياة كريمة، فيها سكن معيشي أفضل، وراتب يضمن علاج أمه، هل السكن والأكل والدواء هو ما نعمل لأجله معظم ساعات يومنا؟ وندفع لأجل ذلك ضريبة؟

مسلسل رائع بعيدًا عن المسلسلات التي نالت شهرة لا تستحقها، سوقت تلك المسلسلات الهابطة لنفسها من خلال أبطال يرتكزون على جمالهم الجسدي والترويج لأفكار تبرر الخيانة الزوجية وخيانة الوطن والجسد تحت حوارات ركيكة، مسلسل «إنتي مين» يستحق أكثر من شهرة، مسلسل يعرض قيمًا وأفكارًا نحتاج لتذكرها ووعيها جيدًا، وهذا ما نريده من إعلامنا العربي، التوعية وتوجيه الفكر الشبابي نحو تفكير حزبي معتدل منفتح على الآخر، احترام لغة الحوار، إن لغة الحوار الحزبية في مجتماتنا ما زالت تعاني، عليك أن تختار جبهة تكون معها، وإذا اخترت أن تكون مستقلًا فستواجه حربًا شعواء، أن تكون من عائلة أو تكون مجهول النسب، فأنت إنسان، أفعالك، وأخلاقك هي جيشك الوحيد الذي تأخذ به حقك من احترامك وتقديرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد