1- 3

حدث المتوقع، وأعلن لبنان عجزه عن دفع ديونه يوم 9 مارس 2020، استحقت اليوم سندات بقيمة 1.2 مليار دولار على لبنان، وقد قررت الحكومة اللبنانية التخلف عن استحقاق تسديد الدين الأجنبي في سابقة للبنان، وقال رئيس مجلس الوزراء حسان دياب أن لبنان لن يدفع السندات المستحقة يوم الاثنين 9 مارس 2020 والبالغ قيمتها 1.2 مليار دولار، نتيجة الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها لبنان، وأن الدين أصبح أكبر من أن يتحمله لبنان وأكبر من قدرة اللبنانيين على تسديد الفوائد.

ويأتي قرار الحكومة اللبنانية التخلّف عن استحقاق تسديد الدين الأجنبي، في سابقة تاريخية بالتزامن مع دخول لبنان في أزمة اقتصادية شديدة.

ويعاني لبنان من انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار منذ أشهر. ويعد أحد أسباب هذا التراجع هو وضع المصارف اللبنانية قيودًا صارمة على سحب المبالغ بالعملة الأجنبية، مما أدى إلى زيادة الطلب على شراء الدولار.

وأدّت أزمة نقص الدولار إلى ارتفاع في الأسعار، وإلى تأثر أصحاب الودائع المصرفية الصغيرة سلبًا بتراجع قيمة العملة المحلية. وأكّد دياب قرار الحكومة الدخول في مفاوضات «منصفة» مع الدائنين، وإعادة هيكلة الدين العام «بما يتناسب مصلحة لبنان الوطنية».

وأضاف أن 40 بالمئة من اللبنانيين مهددون بالفقر في ظلّ واحدة من أشدّ الأزمات التي مرّ بها لبنان، علمًا بأن مجمل دين لبنان يتخطى 80 مليار دولار ويصل إلى أكثر من 170 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني أن لبنان على وشك أن تكون الدولة الأكثر مديونية في العالم.

وفي وقت سابق – بالتحديد السبت أعلنت الرئاسة اللبنانية أن كبار قادة لبنان يعارضون سداد الديون السيادية للبلاد في خضم الأزمة.

وقد شهد لبنان مظاهرات غير مسبوقة في أكتوبر (تشرين الأول) اعتراضًا على السياسات المالية التي اعتمدتها النخبة الحاكمة منذ التسعينيات، واحتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية السيئة وعلى ارتفاع الأسعار والبطالة، وتردي الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والنفايات التي تكدّست في الشوارع عام 2015. وأدت الاحتجاجات التي تخللها مواجهات مع قوى الأمن إلى استقالة حكومة سعد الحريري، وتم تكليف رئيس الوزراء حسان دياب بتشكيل الحكومة في يناير 2020.

ومع بقاء لبنان تحت وطأة الديون الضخمة، ينصح اقتصاديون بالاستعانة بصندوق النقد الدولي وبإجراء إصلاحات جديّة، كسبيل وحيد للخروج من الأزمة الحالية، فالتخلف عن الدفع يفتح مرحلة جديدة قد تحمل الكثير من الأخطار على البلاد، وهناك العديد من الحالات المماثلة للبنان شهدها العالم ومنها:

المكسيك

في 22 أغسطس من العام 1982، تلقت المراكز المالية العالمية ونحو ألف دائن برقية تبلغهم بأنّ المكسيك وصلت إلى واقع التخلّف عن سداد الدين. كان الدين قد وصل إلى 86 مليار دولار والفوائد إلى 21 مليارًا.

بعد ذلك، منحت الولايات المتحدة جارتها الجنوبية قروضًا مرحلية بعدة مليارات دولار. وجاء صندوق النقد الدولي بدوره بمساعدات ولكن في مقابل إجراء إصلاحات قاسية.

في 1995، عاد صندوق النقد مجددًا لإنقاذ المكسيك، مانحًا إياها قروضًا بقيمة 18 مليار دولار وذلك ضمن برنامج إنقاذ دولي، قدّرت قيمته بـ50 مليار دولار.

روسيا

في 17 أغسطس من العام 1998، خفضت الحكومة قيمة العملة المحلية (الروبل)، وأعلنت وقفًا أُحاديًا لسداد الديون الخارجية وتخلفت عن الوفاء بالتزامات تجاه دائنين محليين.

وتوجب على روسيا، التي كان يبلغ دينها العام بالعملات الأجنبية 141 مليار دولار ودينها الداخلي 50.6 مليارًا، الانتظار 12 عامًا قبل التمكن من الاقتراض مجددًا في الأسواق الدولية.

الأرجنتين

بعد ثلاث سنوات من الركود الاقتصادي، بدأت الأرجنتين باعتماد خطط تقشفية في العام 2001 وفقدت السيطرة على دينها الخارجي. وفي بداية ديسمبر (كانون الأول)، أقرت الحكومة سقوفًا على عمليات سحب النقود من المصارف.

في يوم 23، أقرّ الرئيس الانتقالي أدولفو رودريغيز سا إرجاء دفع ديون داخلية ما أنتج تخلفًا عن سداد نحو 100 مليار دولار لدائني القطاع الخاص، وهذه أكبر عملية تخلف عن السداد في التاريخ. وافق بعض الدائنين على إعادة هيكلة للدين في 2005 و2010، وفي بداية 2016، عادت الأرجنتين إلى الأسواق المالية الدولية.

الإكوادور

في 12 ديسمبر، علّقت الإكوادور سداد نحو 40% من دينها الخارجي، البالغ نحو 9.9 مليارات دولار، أي ما يعني نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي.

وكان الرئيس رافايل كوريا اعتبر أنّ جزءًا من الديون غير قانوني إذ إنّها تضخمت خلال آخر مفاوضات بشأنها جرت في عام 2000. وكانت المرة الثالثة في 14 عامًا التي تعلن خلالها الإكوادور وقفًا أحاديًا للسداد.

اليونان

في نهاية يونيو ومنتصف يوليو، تخلّفت اليونان عن السداد مرتين لصندوق النقد الدولي. وكان المبلغ الإجمالي ملياريْ يورو. غير أنّ قرضًا عاجلًا من الأوروبيين أتاح لأثينا التطلع مجددًا إلى دعم مالي من صندوق النقد.

وفي أغسطس، أبعد اتفاق بين اليونان التي كان دينها يناهز 180% من الناتج الإجمالي المحلي، والدائنين على خطة ثالثة تقدّر بـ86 مليار يورو وتمتد لثلاث سنوات، خطر التخلف عن السداد الذي كان من شأنه هز تماسك منطقة اليورو.

فنزويلا

في 14 و15 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2017، أعلنت وكالتا التصنيف الائتماني «إس بي غلوبل رايتينغ» و«فيتش» أن فنزويلا متخلفة جزئيًا عن سداد الديون.

وأثار هذا الإعلان المخاوف بشأن قدرة كراكاس على الاستمرار في سداد ديونها الخارجية المقدّرة بنحو 150 مليار دولار، في وقت كانت الدولة الفنزويلية تعاني من انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية ويعيش السكان وسط نقص حاد في الغذاء والأدوية.

في 2 يناير (كانون الثاني)، جرى إعلان فنزويلا مجددًا متخلفة عن سداد ديون سيادية.

الخلاصة، لم تقدم مساعدات جدية وحقيقية للبنان كي يخرج من أزمته. أقصى ما يمكن تقديمه، هو مساعدات عينية، بالإضافة لعرض البنك الدولي، تسليف لبنان قرضًا تبلغ قيمته حوالى 450 مليون دولارًا للحصول على مساعدات غذائية في مواجهة الفقر.

هناك حالة من الغموض الكبير حيال ردّ فعل الدائنين الأجانب والأسواق والمؤسسات المالية الدولية، إلى جانب المجتمع الدولي، خاصة أن الاستحقاق الذي تم إعلان عدم التمكن من سداده هو الأول من ثلاثة إصدارات تستحق هذا العام بقيمة إجمالية تبلغ 2.5 مليار دولار؛ يضاف إليها نحو ملياري دولار فوائد مستحقة على كامل المحفظة البالغ قيمتها نحو 30 مليار دولار.

وتخشى الأوساط المطلعة من سيناريوهاتٍ قاتمة للتخلّف غير المنظّم ترسمها مسارات مقاضاة دولية قد تحمل كوابيس لبيروت، ويمكن أن لا تغيب عنها العوامل السياسية المتصلة بالواقع اللبناني.

مع التلويح بأنّ احتياطي لبنان من الذهب قد يتحول إلى هدف أوّل بالنسبة للدائنين، خصوصًا إذا ما قامت صناديق متخصصة بشراء سندات مستحقة لدول تتخلف عن السداد.

ويخشى مراقبون من أن تفرض الحكومة اللبنانية مزيدًا من الضرائب على اللبنانيين، الذين يعانون أصلًا من نسب فقر وبطالة مرتفعة. وتعتبر الأزمة أكبر خطر على استقرار لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990.

وفي غمرة عزلة عربية وخصوصًا خليجية تعيشها لبنان، ومع استمرار الولايات المتحدة في شدّ حبْل العقوبات على عنق حزب الله الذي يَعتبر المجتمعان العربي والدولي أنه يهيْمن «على بلاد الأرز» التي صارت جزءًا من محور إيران في المنطقة، بما يُخشى معه تاليًا أن يكون لبنان أمام سيناريو «غزة» أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لبنان
عرض التعليقات
تحميل المزيد