«الإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية أفقدَت معظم اللاجئين السوريين صفتهم القانونية بالوجود في لبنان، ما جعلهم عرضةً للتهميش في المجتمع، والاستغلال في العمل، والإساءة في التعامل، والتحرُّش الجنسي في بعض الأحيان، وعدم قدرتهم على اللجوء إلى أجهزة الشرطة والأمن في حال تعرَّضوا لأي اعتداء».
تقرير بلا حماية بلا حقوق-الشبكة السورية لحقوق الإنسان

لم تقتصر معاناة الهاربين من جحيم الموت والطغيان وشبح القتل والإرهاب من النظام الاستبدادي في سوريا إلى لبنان على تحديات ومصاعب اللجوء. زاد على ذلك سياسة الدولة المتبعة والإجراءات القانونية المتشددة المفروضة عليهم. كأن همّاً واحداً لا يكفي فزادوها ألفاً.

من المُلاحَظ أن العديد من وسائل الاتصال الجماهيري قد طغى عليها طابع العنصرية في تعاملها مع قضية اللاجئين وباتت خطاباتها تضفو عليها سمة الكراهية. كما علت الأصوات من داخل أجهزة الدولة مطالبة بإنهاء اللجوء السوري، ولم تغب عن وسائل التواصل الاجتماعي الممارسات و الانتهاكات ضد اللاجئين في مخيمات اللجوء وداخل المدن في مشاهد مخزية تعري القيم الإنسانية على مرأى العالم أجمع.

تلك السلوكيات والتصرفات لم تك إلا نتاج حملات تستهدف اللاجئين، تنظمها السلطة الحاكمة و جماعات المصالح. ولا ريب بأن هذه الحملات لم تتصعد وتيرتها إلا العام الفائت بعد تغير ميزان القوى داخل الدولة.
إذ أسفرت نتائج انتخابات البرلمان العام الماضي عن خسران الطائفة السنية ثلث مقاعدها، لترتفع بالمقابل حصة الطائفة الشيعية التي دخلت الانتخابات بتحالف” الثنائي الشيعي” ضم كلاً من حزب الله وحركة أمل. أما على صعيد التمثيل السياسي فقد استطاع تحالف “8 آذار” الحصول على الأغلبية في البرلمان، على حساب تحالف 14 آذار.

ومما يجب الإشارة إليه بأن تحالف 8 آذار من الحركات الداعمة للنظام السوري وكذلك الأحزاب المنضوية تحته. يأتي في طليعتهم حزب الله الذي يقاتل إلى جانب صفوف النظام و حزب التحرير الذي يرأسه وزير الخارجية جبران باسيل.

البرلمان تحت سيطرة أغلبية الأحزاب الداعمة للنظام السوري، الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والدفاع والمالية) يرأسها أنصار تحالف 8 آذار، رئاسة الجمهورية يشغلها ميشيل عون صديق النظام السوري. تلك الثلّة الحاكمة القابضة على السلطة. ترعى الحملات وتنظمها رافعة شعار العودة الطوّعية للاجئين و لك عزيزي القارئ أن تتخيل مدى طوّعية العودة.

رأس الشر في دمشق كان قد أعلن في شهر آب العام الفائت عن تشكيل هيئة تنسيق لعودة المهجّرين إلى مدنهم وقراهم برئاسة حسين مخلوف، لكن هل يريد النظام حقاً عودة اللاجئين؟
لا أعتقد أبداً، فالنظام الذي هجّر الأهالي وأجبرهم على ترك منازلهم بالقصف والتجويع والحصار، لماذا يريد عودتهم! لم ولن يريد، لكنه مجبر على مثل هذه التصريحات والخطابات أمام أقرانهِ في النظام الدولي.

كما بات واضحاً السياسة المتبعة في إحداث تغييرٍ ديموغرافي داخل شريحة المجتمع السوري. فقد أظهرت العديد من التقارير وشهادات لبعض سكان دمشق وحمص وحلب عن قيام النظام بمنح ميلشيات حزب الله ومرتزقة إيران وآخرون الجنسية السورية والسماح لهم بالاستيلاء على منازل المهجرين.

بشار الأسد لم يخفِ الأمر وبشفافية غير معهودة يقول في خطاب ألقاه منذ أربعة أعوام: «إن سوريا لمن يدافع عنها مهما كانت جنسيته».

وما الإعلان الروسي عن خطة عودة اللاجئين بالبعيد عن الأمر، فالظاهر أن روسيا تريد عودة اللاجئين على خلاف إيران الساعية للاستيطان والتوسع الشيعي. أما روسيا تريد إبعاد الملف السوري عن الساحة الدولية وتخليص المعارضة السورية من حاضنتها الشعبية وإيهام العالم أن الثورة السورية قد انتهت.

إن كان للكلام معنىً بعد، لا بد من إيقاف تلك الحملات وتسليط الضوء إعلامياً بشكل أكبر عليها، حشد الرأي العام وحثُّ المنظمات الحقوقية والإنسانية والناشطين على مناصرة حقوق اللاجئين والذوّدِ عنهم.

ولا بد أن نؤكد على أن أفعال الحكومات وسياساتها لا تمثل الشعب على الدوام و من الخطأ تعميم السلوك الفردي.

رأينا من إخوتنا اللبنانيين الكثير من التعاطف والمحبة مع أهلنا المهجرين ورفضاً قاطعاً لما تنفذه الدولة من إجراءات وسياسات، وقد نظم العديد من الحقوقين والناشطين و منظمات المجتمع المدني حملات ضد العنصرية وتضامناً مع اللاجئين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد