لم تستفق بيروت بعد من أزمتها، لم تستفق بيروت بعد من كارثتها. انفجارًا خلّف أكثر من 154 شهيدًا و5 آلاف جريح. كل ما يمكن قوله في مقدمة قصيرة لمقال رأي، لا يمكنه وصف حالة لبنان المنكوب، الذي شهد انفجارًا سوف يغير من خريطة لبنان السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

لم تمرّ دقائق بسيطة، إلا شرع البعض باستغلال هذا الحدث لتحقيق مكاسب سياسية، ولاتهام الخصوم بالتقصير في هذا الانفجار العظيم الذي شبّهه البعض بانفجار «هيروشيما». وقد وجّه بعض من ظهر على الشاشات (منتمين لتيارات لبنانية معينة وبعض الأشخاص الموجهين من بعض الدول الإقليمية)، وجه أصابع الاتهام إلى فصيل في الداخل اللبناني وهو «حزب الله». وتراوحت الاتهامات بين 1) سعي حزب الله لصرف الأنظار عن حكم المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الشهيد رفيق الحريري. 2) اتهام حزب الله بتخزين أسلحة في مرفأ بيروت؛ مما أدى إلى استهدافها من قبل طائرات إسرائيلية.

بادئ ذي بدء، علينا التوصية بأن حالات الكوارث، وفي الوقت الذي تتعرض له البلاد لأزمات غير عادية، على الجميع أن يتحلى بالروح الوطنية والدعوة إلى الوحدة الوطنية بين جميع الأحزاب وفئات المجتمع، ولا ينبغي استغلال هذه الكوارث لتحقيق مكاسب سياسية، أو اتهام هذا الطرف، أو ذاك سياسيًا. نحن هنا لا ندافع عن «حزب الله»؛ لأننا لسنا محامين عنه، بل مختلفين معه بالعديد من القضايا، إنما نحاول تقديم تحليل منطقي للأحداث بعيدًا عن توجيه أصابع الاتهام دون حجج منطقية. فبالنسبة لقرار المحكمة الخاصة، فالجميع يعلم قرارها قبل إصداره، والجميع يعلم بأن قرار المحكمة لن يغير في المعادلات اللبنانية من شيء.

علميًا وقانونيًا، عند حدوث كوارث أو هجمات غير عادية، علينا أن نبحث عن المستفيد من هذه الكوارث، إذا ما قمنا باستثناء عامل الإهمال، الذي من الممكن أن يكون وراء الانفجار الهائل.

فهل حزب الله مستفيدٌ حقًا من هذا الانفجار، لنوجه الاتهامات له؟

علينا التذكير أولًا وقبل كل شيء، بأن حكومة «حسان دياب»، يتم وصفها من قبل حلفاء حزب الله وأعدائه بأنها «حكومة حزب الله»، أو «حكومة العهد» بين حزب الله والرئيس ميشال عون. فإذا ما فرضنا بأنّ حزب الله بشكل أو بآخر كان خلف هذا الانفجار، فإن الضغوط التي ستمارس داخليًا وخارجيًا، ستكون موجهة نحو «حكومة حزب الله»، أليس في هذا الطرح تناقض، وأليس فيه ضرب لمصالح حزب الله في هذه الحكومة؟

من ناحية أخرى، يواجه لبنان أزمة اقتصادية حادة، تسعى هذه الحكومة لإيجاد حلول لها، منذ تشكيلها. إن نتائج هذا الانفجار لم تقتصر على الأرواح الطاهرة التي غادرت، ولا على الأعزاء الذين جرحوا، ولا على الأحباء الذين فقدوا، إنّما خلّفت 300 ألف مشرّد بحسب ما صرّح به محافظ بيروت، كما خلّفت هذه الكارثة أضرارًا اقتصادية تقدر بـ5 مليار دولار (كان لبنان بأمس الحاجة لها)، كما ستخلّف أزمة حادة في القمح والطحين بسبب انفجار صوامع التخزين في مرفأ بيروت، فهل من المنطقي والمعقول أن يُقدم حزب الله على تصويب رصاصة نحو قدميه.

إذًا من قد يكون المستفيد من مثل هذه الكارثة؟

لم نكن من أصحاب نظرية المؤامرة أبدًا، ولكن اذا ما حاولنا البحث عن المستفيد من هذا التفجير، سوف تتجه التحليلات المنطقية إلى إسرائيل. ولعل أول من طرح نظرية المؤامرة هو الرئيس ترامب، حين وصف ما حدث في لبنان، بأنه ناتج عن قنبلة من نوع ما. إسرائيل منذ اللحظة الأولى للتفجير سعت لتروّيج رؤيتها للكارثة، وركزت على ثلاث نقاط مهمة أحصتها: 1) إسرائيل لم تكن خلف هذا التفجير. 2) توجيه أصابع الاتهام إلى «حزب الله». 3) استعداد إسرائيل لتقديم المساعدات الطبية للبنان.

عزيزي القارئ، ألم تصرّح إسرائيل بأنّ أي حرب قادمة مع لبنان، سيعيدون لبنان إلى العصر الحجري، وذلك بحسب تصريحات الجنرال بني غانتس؟ نعم في الوقت الذي تعالت فيه أصوات اللبنانيين بين متألم ومجروح، وبين من يبحث عمن ينقذه، وبين من يبحث عن عزيزٍ مفقود، تقدّم إسرائيل وبوقاحة منقطعة النظير اقتراحًا لإرسال مساعدات إلى «الدولة المعادية». هذه الحكومة الإسرائيلية نفسها قبل بضع ساعات من الانفجار وجهت تهديدات إلى لبنان، وأمرت جيشها بضرب البنى التحتية في لبنان، إذا ما حدث نزاع بين لبنان وإسرائيل. وفي معرض بحثنا عن المستفيد.

ألّا نجد بين الأهداف والمصالح بين الانفجار والتصريحات الإسرائيلية رابطًا معينًا قد يقودنا إلى المستفيد؟ نعم هناك وحدة بين الانفجار وبين مصالح إسرائيلية، فلبنان بعد الانفجار لن يكون كما قبله أبدًا. فالبنى التحتية مدمرّة، والأنظار اليوم متوجهة نحو إصلاح ما يمكن إصلاحه في لبنان، وإعادة لملمة البيت الداخلي هناك. وبالتالي التخلّي عن خيار المواجهة أو الدفاع عن لبنان، دون أن تخاطر إسرائيل بالانخراط بحرب مفتوحة مع لبنان، قد يؤدي إلى ضرب المدن الإسرائيلية أو تكبيد إسرائيل خسائر في اقتصادية أو خسائر في الأرواح.

لن نتبع في تحليلنا للحالة اللبنانية على أحكام مسبقة، أو أحكام مسيسة كما فعل البعض، ولكن سننتظر النتائج التي سيسفر عنها التحقيق. فإذا كان هناك مسألة اهمال فيجب محاسبة المهملين، وفي حال تمّ الحديث عن فعل فاعل، فعلينا التفكير بجدية بإسرائيل كمستفيد أول من هذا التفجير.

ختام القول: الرحمة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، هو ما نتمناه للأخوة اللبنانيين. كما ندعو الجميع لضبط النفس ونبذ الخلافات السياسية في هذه الأيام الحرجة التي تعصف بالبلاد. كما يجب شكر الدول التي سارعت بالفعل إلى تقديم يد المساعدة إلى لبنان المنكوب، وندعو الولايات المتحدة بالتحرك بالفعل، وانتهاج نهج الدول التي قدّمت المساعدات، وليس الاكتفاء بالتصريحات وفرض العقوبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد