لا يخفى على ذي لب الكم الهائل من المشكلات الاقتصادية والسياسية والإدارية التي يرزح تحتها لبنان؛بسبب النظام الطائفي الحاكم للدولة منذ اتفاق الطائف عام 1989 والذي أخذ  لطريق مجهول؛ وذلك لترسيخه الطائفية في الدولة، مما أدى إلى تأخرها بشكل عجيب وسريع، وكأنه كان خطا مدروسة ومعدة مسبقا لجر لبنان إلى الهاوية، حتى غرق لبنان في الفوضى ومرحلة اللادولة، مما تسبب في أعظم كارثة في العصر الحديث بكامل منطقة الشرق الأوسط وهو انفجار مرفأ بيروت أهم منطقة اقتصادية في لبنان، فمن الفاعل ومن المستفيد؟!

لعل من وضع اتفاق الطائف كان يدرك أنه اتفاق المستحيل، وأنه لن يدوم مهما حاولوا ،ولكنه فقط كان مجرد حائط بُنِيَ لتأخير الصراع لمرحلة لاحقة، وهو ما حدث فعلا، وظهر ذلك بعد النجاح الاقتصادي الباهر الذي أحدثه الشهيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق والذي اغتيل غدرا بوسط بيروت في الرابع عشر من فبراير 2005؛ خوفا من ازدياد شعبيته التي بدأت تتسع دائرتها في كل الطوائف وبين كل طبقات الشعب اللبناني، ولم تعد حكرًا فقط على تياره السُني الجارف، وهو ما يعني مستقبلا تربع الرجل بلا منازع وسيطرته القوية على دوائر القرار في لبنان، بل سيكون له مقعد بين الزعماء العرب إن استمر بهذا النمط الطردي المتنامي للاقتصاد اللبناني، مما اضطر الكارهين له ولخطه السياسي التخلص منه بأسرع وقت لمنع بزوغ نجمه وهيمنته على لبنان.

بعيدا عن الطائفية والتوجهات السياسية يعاني لبنان كما تعاني عامة الدول العربية، بل العالمية من المشكلات الاقتصاية الجمة من بطالة ونقص سيولة وتراجع لقيمة العملة وهروب الاستثمار وعدم وجود مشروعات قومية تفيد الدولة والمواطن وغيرها الكثيرالكثير ….، بل ويزيد عنهم التدهور السياسي المتزايد والخلاف الحاد الموجود بدوائر الحكم والذي اتضح جليا بعيد انخراط حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا من نظام الأسد والروس ضد الشعب السوري، فقد فصل انضمام الحزب للأسد بالشباب والسلاح والمال بين كافة الخطوط الرمادية داخل القرار السياسي اللبناني، ولم يعد هناك سوى إلا مع أو ضد، لا يوجد خط وسط … فإما مع الحزب أو ضده، وهو ما ورط لبنان سياسيا واقتصاديا على المستوى الدولي خاصة من أمريكا وأوروبا والخليج، فقد مُنع أغلب الدعم الذي كان يُقدم إلى لبنان بسبب تورط حزب الله في قضايا إقليمية على رأسها سوريا والعراق واليمن.

لكن هناك عدة معطيات تبرز الخطوط المتوازية والمهمة جدًا لأي محلل سياسي أو متابع للشأن اللبناني أن ينتبه إليها لمعرفة الفاعل الحقيقي لهذه الكارثة التي وقعت في لبنان والتي راح ضحيتها حتى كتابة هذه السطور قرابة المئة قتيل وأربعة آلاف جريح، أول هذه الخطوط هو الوضع الاقتصادي الذي أخرج الشعب اللبناني بكامل أطيافه وفئاته إلى الشارع مطالبا النظام السياسي بالكامل بالاستقالة، وهو ما رضخت له حكومة سعد الحريري، بينما تمسك رئيس الدولة ورئيس البرلمان بكرسي الحكم ورفضا التنازل عنه، ورغم تولي حسان دياب للحكومة والتي خرجت من رحم حزب الله، واستمرت المظاهرات التي رفضت الحكومة ولكن الحزب والرئيسين تمسكا بها رافعين راية: «لن يسقط العهد» يقصدون بذلك محور «حزب الله بري عون» والذي أتى بهذه الحكومة.

لم تنجح حكومة دياب في تقديم أية حلول، بل انهارت العملة اللبنانية في أقل من سنة لتوليها الحكم، وارتفعت قيمة الدولار من 1500 ليرة إلى 9 آلاف ليرة، وهو ما سبَّب كارثة اقتصادية لا مثيل لها في لبنان،لم يمر بها من قبل في تاريخه، وبين نار الاقتصاد وسيف القضاء يظهر الخط الثاني الموزاي له والذي لا يقل أهميةعنه، وهو قرب حكم المحكمة الجنائية الدولية في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري والمتهم الأساسي فيها هو حزب الله، حيث ستعقد جلسة الحكم في السابع من أغسطس الجاري، وهو ما سيرفع الغطاء السياسي داخليا عن حزب الله في ارتكاب هذه الجريمة وفقا لمجريات القضية والتي تشير كل الأيادي فيها إلى أن الحكم صادر لا محالة بإدانة الحزب في اغتيال الحريري.

لن تتوقف الأمور بحكم المحكمة سياسيا فقط، بل ستتعداه دوليا، حيث سيتخذها الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة وحلفاؤها ذريعة لتشديد العقوبات الاقتصادية على حزب الله وشركائه ومؤسساته داخل لبنان وخارجها، وهو ما يعني أيضا زيادة في انهيار الاقتصاد اللبناني؛ نظرا لتغلغل الحزب ورجالاته في الاقتصاد اللبناني، ويخطئ من يظن أن حكم المحكمة سيكون له دلالات رمزية فقط بعيدا عن التبعات الاقتصادية والسياسية على الدولة اللبنانية بشكل كامل، فقد يلجأ الحزب لتفادي ما يمكن حدوثه بأية وسيلة، ولن يجازف بنفسه وحيدا بين كل هذه العواصف التي حلت عليه في ظل مناخ دولي يحتشد ضد إيران وكل من يلحق بها، وسوف يلجأ إن ساءت الأمور وضُرب عليه الحصار إلى حائط صد، وربما يستخدم في ذلك الدولة اللبنانية بأكملها، لمنع ذلك من الحدوث.

المصيبة الكبرى القادمة على لبنان ليست آثار الانفجار المادية والبشرية في حد ذاتها وإن كانت مؤلمة، بل النتائج الاقتصادية الكارثية التي ستحل بالاقتصاد اللبناني والشعب سواء بسواء، حيث تدخل سبعون بالمئة من واردات لبنان الغذائية والبترولية من خلال الميناء، وهو ما يعني زيادة العبء على خزينة الدولة الفارغة مسبقًا ليس فقط في إعادة البناء من الصفر للميناء، بل القيمة المهولة عليها من تحول هذه البضائع إلى النقل الجوي أو لموانئ بحرية أخرى مؤقتة، وهو ما يعني زيادة الضغط على حكومة دياب المدعومة من حزب الله والدوائر الحاكمة من قبل الشارع اللبناني، وربما تسوء الأمور ويشتعل الشارع مرة ثانية بعد كل هذه الكوارث الاقتصادية والسياسية سواء بسواء.

السؤال الذي يطرح نفسه بين كل هذه المعطيات والخطوط المشتعلة في أرزة لبنان العتيقة هو: من الفاعل؟!ومن المستفيد من وراء تلك الجريمة النكراء التي هزت الشارع العربي والإسلامي وزلزلزت البحر المتوسط، وأوقفت العالم أجمع في حالة من الذهول وهول الصدمة من حجم المأساة في جنة الشام وعروسه الأبيض والذي اكتسى بلون الدم منذ اغتيال الحريري ولم يتوقف مسلسل الدم من يومها حتى هذه اللحظة، والحبل على الجرار.

قد يقول قائل أنَّ حزب الله هو الفاعل الحقيقي لتلك الجريمة، لإشغال الشارع اللبناني عن القادم الأسوأ على لبنان اقتصاديا ولا سيما في ظل انهيار الاقتصاد العالمي أو جله بسبب أزمة كورونا وتوقف الدعم الدولي للبنان، وهو ما يعني قرب الانهيار الذي لا مفر منه إنْ لم يتدخل أحد بمعجزة اقتصادية لوقفه وهو باختصار ضخ المليارات في خزينة الدولة، وهو ما لن تسمح به الولايات المتحدة وحلفاؤها لتقليم أظافر حزب الله وإرجاعه إلى نقطة السيطرة الغربية عليه، أو على أقل تقدير إبعاده عن المحور الإيراني وإن كان فقط لخط الحياد، وقد يكون دافعه من ذلك جلب الدعم المادي من العالم أجمع للدولة عبر ما حدث ومحاولة التأثير على المفاوضات الجارية حاليا على البنك الدولي للموافقة على القرض الذي تقدمت به الحكومة اللبنانية للحصول عليه.

لكن السؤال الأصعب هو: هل يتحمل الحزب أنْ يضع نفسه في وجه المدفع بمثل هذا الانفجار والذي لا تؤمن عواقبه الاقتصادية والسياسية والجنائية؟! وهل يزيد الحزب فوق مشاكله مشكلة أخرى؟ وهل هو بالبلاهة السياسية التي تجعله يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الشعب اللبناني سياسيا واقتصاديا وجنائيا؟ أغلب الظن: لا، فليس من مصلحة حزب الله تأجيج الشارع اللبناني في هذه المرحلة بالذات والتي تسير فيها كل الأمور على عكس خطاه؛لذلك نرى منه تهدئة على كل الأصعدة العسكرية التي انخرط فيها من قبل خاصة في سوريا والجنوب اللبناني ضد الكيان المحتل.

لذلك أتوقع وفقًا لكل هذه المعطيات التي ذكرتها سابقًا تورط الكيان الصهيوني وحلفاؤه وأذرعه بالمنطقة العربية في انفجار لبنان، لإسقاط حكومة حزب الله داخليا وتشديد الحصار عليه خارجيا ووضعه في فوهة المدفع أمام الشارع اللبناني والمجتمع الدولي سواء بسواء، لكنَّ الأسوأ في هذا المشهد القاتم والذي أتخوف من وقوعه هو انجرار لبنان إلى حرب أهلية، لا قدر الله ذلك، إن اتجه المجتمع الدولي لتشديد الخناق على حزب الله، والتي لن تسمح إيران وسوريا بسقوطه مما يدفعهم لإشعال النار داخليًا، لإجبار واشنطن وحلفائها في الغرب والخليج على التوقف عن هذا السيناريو، وإن كنت لا أعول كثيرا على نتائج التحقيقات الجنائية لهذا الانفجار الذي يبدو أنه أُعد له بإحكام من قبل من حيث المكان والزمان.

رسالة الختام: أوجهها لكل أحبتنا في لبنان من كل الطوائف ومختلف الفئات، تأنوا كثيرا في المرحلة القادمة ولا تتحركوا إلا بخطوات مدروسة، فالمؤامرة التي تُحاك ضد لبنان هي أخطر مما يتصوره عقل وما سوريا واليمن وليبيا منا ومنكم ببعيد، فيد الصهاينة ومن ورائهم تريد إشعال المنطقة بأكملها ولا سيما كل من يخرج من فلكها، وإن كنت أحمل الحكومة اللبنانية المسؤولية الأدبية عن هذا الإهمال في التخزين لآلاف الأطنان من المواد المتفجرة في منطقة حيوية كميناء بيروت، وإنَّ حدثا مثل هذا يستدعي استقالة الحكومة والرئيس على حد سواء، فلا يوجد دولة بالعالم يحدث بها مثل ذلك ويظل الحاكم على مقعده إلا في أشباه الدول! لذلك إن لم ينجح الشعب اللبناني في تغيير الدوائر الحاكمة بعد هذه الكارثة سياسيا فسوف يتجرع المر اقتصاديا على المستوى القريب والبعيد، ومن هنا أدعو كافة الأحزاب والطوائف وقادة المجتمع إلى تشكيل لجنة أزمة مستقلة لوضع خطة لمعالجة الاقتصاد اللبناني، وعقد انتخابات برلمانية حقيقة جديدة تعتمد على المواطنة وبعيدا عن الطائفية والمحاصصة ومن ثم اختيار حكومة جديدة ورئيس برلمان جديد وكذلك رئيسا للدولة يمثلون بحق لبنان وشعبها، فهل سيحدث ذلك؟ أم سيتأخر الشعب حتى تقع الطامة الكبرى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد