قامت بعض الدول الخليجية باستدعاء السفراء اللبنانيين لتبليغهم مذكرات احتجاج رسمية اعتراضًا على تصريحات الوزير جورج قرداحي، والتي وصف فيها الحرب على اليمن بأنه حرب عبثية وبأن الحوثيين يدافعون عن أنفسهم أمام اعتداء سعودي-إماراتي.

أولًا وقبل كل شيء، هذه الحرب التي يشنها السعوديون على اليمن ليست حربًا عبثية وحسب، بل هي حرب عدوانية انتقامية تنفذها حكومة دكتاتورية. الحكومة السعودية لم تعد تقوى على سماع أي نقد ولو بناء، إذ إن الدكتاتور أصبح الحاكم المطلق للسعودية، ولا يرضى هذا الحاكم أن يسمع أي رأيٍ مخالف. لقد وصل بهم الغرور والتعجرف إلى قتل «جمال خاشقجي» الصحافي السعودي الذي كان مواليًا نوعًا ما للسعودية لمجرد أنه اعترض على بعض الإجراءات السعودية. كما اعتقلت السعودية كل من خالف حربها على اليمن أو رفض عملية «الفلتان الأخلاقي» الذي يروج له ولي العهد.

ليس الأعداء (كما يصفهم الإعلام السعودي) وحدهم من وصف هذه الحرب بأنها حرب عبثية. فالحليف الأمريكي وصفها بالعبثية وقرر رفع الغطاء السياسي عنها (إلا أنه ما زال يدعمها عسكريًا للفوائد التي تحصل عليها الولايات المتحدة من مبيعات السلاح). الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو غوتيرش» وصفها بالعبثية كذلك ودعا إلى وقفها بأسرع ما يمكن. ولكن من كان أول الحلفاء الذي وصفها بالعبثية بصورة غير علنية، هم الإماراتيون أنفسهم.

قد تكون هذه المعلومة مفاجأة للبعض إلا أنها الحقيقة. دولة الإمارات والتي كانت من أولى الدول التي دخلت في التحالف العربي ضد اليمن انسحبت من هذه الحرب في العام 2019. لم يأت هذا الانسحاب إلا من مبدأ أنّ هذه الحرب عبثية وبأن الأهداف الإماراتية والسعودية متضاربة هناك. وهنا لا يمكن أن نغفل الإشارة إلى هذا الانسحاب جاء لتتحرك الإمارات بشكل منفرد في اليمن لتحقيق مصالحها التي تتضارب في بعض الأحيان مع السعودية.

ثانيًا، الحملة الشعواء التي يشنها بعض الإعلام اللبناني وبعض الإعلام الخليجي لم تكن مجرد ردة فعل على تصريحات القرداحي بقدر ما هي عملية ممنهجة لقمع الحريات وتكميم الأفواه. هناك من الإعلام والصحف في لبنان من تتشدق يوميًا بحرية الرأي والدفاع عن الحريات وتنطلق من هذه القواعد في التهجم على السيد حسن نصر الله وحزب الله، وتصف طائفة كاملة في لبنان بأنها «جالية إيرانية» وكأن الشيعة ليسوا مواطنين ولا حقوق لهم. لا يمر يومٍ دون أن تتبجح وسائل الإعلام هذه بوصف لبنان بأنه بلد محتل من قبل إيران. كل هذا هو لتحقيق النشوة السعودية. هذا الإعلام الذي دافع عن الإرهابيين في سوريا، وحاول تصوريهم على أنهم المخلصين للشعب السوري وعلى الجانب الآخر يصف هذا الإعلان الحوثيين (وهم فئة كبيرة من الشعب اليمني) بأنهم أدوات إيرانية!

العجب كل العجب، فوسائل الإعلام هذه لم تختر أن تلتزم الصمت إبان أزمة تصريحات القرداحي، بل اختارت الانبطاح، والتذلل للمتكبر السعودي كي لا يعاقب لبنان. يروج هؤلاء لنظرية بأن السعودية لها أفضال على لبنان، وبأن المساعدات السعودية أغرقت لبنان بالنعيم. وللجواب على هذه الادعاءات الباطلة نقول إن السعودية وعلى مدار السنوات الماضية ما عملت إلا لدعم حلفائها، لم نر مؤسسة خيرية سعودية، ولم نر مشاريع تنموية سعودية كل ما كانت تقدمه السعودية كان لدعم الحلفاء، والذين عادت ذات يوم لتحبسهم في أراضيها، وترغم رئيس الوزراء سعد الحريري على تقديم الاستقالة من الأراضي السعودية، ثم لتعود فيما بعد لمصادرة أموال عائلته هناك. لم تتوان السعودية عن دعم حلفاء جدد يحملون السلاح، ويقتلون المتظاهرين الأبرياء في الطيونة. ولمعاقبة المزارعين اللبنانيين عمدت إلى زرع المخدرات في الفواكه اللبنانية، واتهمت حزب الله بالوقوف وراء ذلك لنشر الرذيلة بين الشباب السعودي! حزب الله هو ما ينشر الرذيلة اليوم على السواحل السعودية (ساحل بيور) وهو من يروج للانحلال الأخلاقي هناك!

إنهم يتهمون حزب الله بالوقوف وراء كل مصيبة تحدث في العالم فهو من يدعم الحوثي، وهو كان السبب في توتر العلاقة بين فرنسا وبريطانيا، وبين الولايات المتحدة وفرنسا وهو من ساعد على توسيع ثقب الأوزون، وهو من يساعد في تفاقم أزمة المناخ!

ختامًا إن الدعوة إلى استقالة الوزير القرداحي ما هي إلا خطوة نحو تهجين الشعوب العربية كافة، والسعودي لن يرضى بأقل من أن نكون تابعين. إن استقال القرداحي فهذا يعني أننا لن نشم رائحة حرية الرأي بعد اليوم، وهذا يعني أننا سنصبح نعاجًا وديعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد