مع مطلع هذا العام 2016 سربت مصادر مطلعة، خبرًا مفاده أن الحكومة اللبنانية بصدد إصدار حزمة قرارات، تهدف إلى تقييد إقامة اللاجئين السوريين وحريتهم في الحركة والعمل، إضافة إلى تشديد شروط دخولهم إلى لبنان، إذ كان من المتوقع لهذه القرارات أن تنتقل بالسوريين من صفة لاجئ إلى مرتبة أجنبي، لتحرمه من حقوق إنسانية كفلتها له كافة القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وهو ما جعل اللاجئين عرضة للملاحقة والتفتيش، ودفع الضرائب والغرامات الباهظة، والأخطر من ذلك هو مسألة ترحيلهم إلى سوريا، وبصورة أصح تسليمهم إلى نظام فروا من سطوته وإجرامه.

لبنان كان أصدر في العام 2015 قرارًا عن المديرية العامة للأمن العام في لبنان، ويحمل عنوان «تنظيم دخول السوريين إلى لبنان والإقامة فيه»، وهو قانون لا يراعي حالة اللاجئين الفارين من جحيم الحرب في سوريا، بل يتعامل معهم باعتبارهم مقيمين مصنفين إلى عدة فئات.

صحيح أنه قد تم نفي الخبر حكوميًّا مع التأكيد على أنه لا وجود لقوانين جديدة فيما يخص اللاجئين السوريين، لكن الحكومة اللبنانية طبقت هذه القوانين ودون إصدارها رسميًّا، فالتعامل الحكومي اللبناني مع اللاجئين السوريين لم يكن إنسانيًّا طوال سني الحرب، في حين أن ظروف اللجوء الإنساني في لبنان تكاد تكون الأسوأ بين دول الجوار، فالانتهاكات بحق اللاجئين السوريين لم تتوقف يومًا، إذ كانوا على الدوام عرضة للاعتقال والإهانة، وانتقام ميليشيا حزب الله وحلفائها، خاصة بعد كل ضربة يتلقاها الحزب في سوريا، أو حادث أمني في لبنان، وآخرها ما أعقب تفجيرات القاع، التي أدت إلى شن حملة شعواء ضد اللاجئين والمقيمين السوريين على حد سواء، فالملاحقة والاعتقال لم يقتصرا على المخيمات، بل تعدتها إلى أماكن إقامة الكثير من السوريين في لبنان، ناهيكم عن حوادث الخطف والاقتحام، وصولًا إلى قصف المخيمات وإحراقها رغم بؤسها، إذ ذهب ضحيتها العديد من الأشخاص.

لبنان يستمد وجوده من الهبات العربية والأجنبية ويعيش على الدين، وتحويلات المغتربين وشيء من «السياحة» التي توقفت نتيجة ممارسات حزب الله في سوريا، وجره لبنان إلى مستنقع لن يخرج منه سالمًا رغم عمليات التجميل والترقيع التي تؤجل الانفجار ليس إلا.

إن حالة التشرذم والمحاصصة الطائفية التي يعيشها هذا البلد، الذي لطالما كان ساحة صراع لأجهزة المخابرات الإقليمية والدولية، حرمته من أن يكون دولة ذات قرار أو سيادة كاملة، خاصة بعد الحرب الأهلية، التي كرست نظام حكم يصفونه بالديمقراطي لكنه طائفي بامتياز، فاتفاق الطائف أكد على الطائفية وأوجد لها مبررات استدامتها من خلال توزيع المناصب السياسية بين التيارات الحزبية، الممثلة للأديان والطوائف التي امتلك قرارها أمراء حرب، كان جل همهم توريث مناصبهم لأبنائهم، فتقاسموا لبنان كعكة فيما بينهم حتى لم يتركوا للمواطن اللبناني فسحة من أرض أو سماء، لمَ لا أوليسوا حماة الطائفة والقيمين عليها؟

قد لا يختلف اثنان على أن لبنان يعيش حالة صراع على السلطة أسهمت في تكريس الانقسام الذي ولَّدَ فراغًا رئاسيًا ما كان ليحدث لولا تبعية أمراء الحرب اللبنانيين للخارج، وخصوصًا لإيران التي اشترت الكثيرين منهم وبأبخس الأثمان، فملكت قرار السني والمسيحي والدرزي والعلوي والشيعي، الذي بات رأس حربتها في مصادرة القرار اللبناني، وباسم المقاومة التي أمنت حدود الكيان الصهيوني، لتستدير وتشارك بقتل السوريين، في أبشع مذبحة عرفها العصر الحديث، وخدمة لمشروع ولاية الفقيه على المنطقة.

لبنان الرسمي لم يوفر فرصة للتضييق على اللاجئ السوري إلا واستخدمها، وذلك بدل أن يكفر عن إجرام فئة عريضة من أبنائه بحق سوريا الوطن والإنسان، هذه الفئة التي كان لها اليد الطولى في كتابة فصول التغريبة السورية التي باتت بحق مأساة العصر، فأشياع إيران وقفوا حائلًا أمام رغبة غالبية الشعب السوري وحلمهم، في تغيير نظام طائفي مخابراتي، حكم السوريين ومعهم اللبنانيين بالحديد والنار عقودًا.

لقد أصبح لبنان بالنسبة للسوريين جحيمًا لا يطاق، وهو ما دفعهم للبحث طواعية عن أي وسيلة لمغادرة هذا البلد، الذي تجرد مسؤولوه من إنسانيتهم، وبتواطؤ مخزٍ من الأمم المتحدة التي تغض الطرف عن هذه الممارسات اللاإنسانية، فاللاجئ السوري اليوم يعاني من فرض حظر للتجوال بعد السابعة مساء في كل لبنان، وتقييد لحرية العمل إلا في المشاريع الزراعية أو الخدمية.

 

مخيمات اللجوء وأماكن إقامة السوريين تخضع لرقابة أمنية مشددة وتتعرض للاقتحام والتفتيش ومصادرة مقتنيات السوريين في أي وقت وتحت أي ذريعة، خاصة في ظل إلغاء الكفالة الشخصية واستبدال كفالة مؤسساتية بها، وفرض رسوم مالية كبيرة، مع عدم قدرة اللاجئين على السفر إلى أية جهة أخرى.

الضابطة الأمنية تقوم بملاحقة ومتابعة كل سوري بحجة الحرص على الأمن، ويتم اعتقال السوري حتى لمجرد الاشتباه بتواصله مع جهات متطرفة أو مسلحةً، فيتم سجنهم وتغييبهم دون وجه حق.

لا يتم تسجيل المواليد السوريين عن طريق أي جهة إلا من خلال سفارة نظام الأسد.

لقد أثبتت تفجيرات القاع الأخيرة، أن لبنان ليس سوى شركة مساهمة يديرها حزب الله، الذي يمسك بكافة مفاصل الدولة، ويحتكر قرارها ترغيبًا وترهيبًا، كما أنها كشفت عن الوجه البشع لكثير من اللبنانيين، الذين تنادوا للانتقام من اللاجئين العزل، رغم علمهم يقينًا أنه لا علاقة لهم بما حدث.

من مهازل هذا الزمن أن السوريين وعلى قدر مسالمتهم وحبهم للآخرين، قد تشردوا في أكثر من 100 دولة، لكننا ومع ذلك لم نسمع أن أيًا منهم قد قام بعمليات انتقامية أو «إرهابية» رغم كل ما كابدوه من صعاب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على إنسانية الإنسان السوري المسلم وسلميته وحضارته، وتمامًا على عكس ما يحاول البعض تصويرهم.

لقد كان حريًّا باللبنانيين الحاقدين الذين طالبوا بقتل السوريين صغارًا وكبارًا، وحرق مخيماتهم؛ أن يرفعوا أصواتهم مطالبين بكف يد حزب الله والميليشيات المساندة له عن سوريا، فهؤلاء هم أصل العلة وسبب الداء والبلاء، والخنجر المسموم في خاصرة السوريين، ولولاهم لما استقبل لبنان ولا غيره أي لاجئ سوري، فاللجوء لعنة لا يطلبها عاقل، وكأس مُرّة لا يتجرعها إلا مكره أو مضطر، وسيسجل التاريخ أن لبنان كما كثير من العرب، قد خذل السوريين وخانهم في وقت كانوا أحوج ما يكونون فيه للمساعدة ومد يد العون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لبنان
عرض التعليقات
تحميل المزيد