ها قد اكتملت السنوات السبع العجاف! 2011 عام بداية الحرب السورية وبداية السنوات اللبنانية السبع العجاف.
على عكس معظم دول العالم فقد جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي انفجرت عام 2008 بردًا وسلامًا على لبنان. فالنظام المصرفي الممسوك جيدًا والمتحوط ضد مشتقات الأصول والأوراق المالية، قد بدا ملاذًا آمنًا للراغبين في استثمار مجد قليل المخاطر في ذلك الظرف.
زاد على ذلك الارتفاع الجنوني في أسعار النفط، والذي أعطى دفعًا للتحويلات من الخارج وللقطاع العقاري الذي شهد نهضة استثثنائية.

أدى ذلك إلى تراكم كبير في احتياطات النقد الأجنبي لدى المصرف المركزي، وإلى تسجيل معدلات نمو في الناتج المحلي الحقيقي لامست 10% سنويًا.

كان لاندلاع الأزمة السورية انعكاسات تراجيدية على لبنان سياسيًا واقتصاديًا. أقفلت طرق التصدير البري عبر سوريا، المنفذ البري الوحيد للبنان إلى العالم، أعداد النازحين السوريين والفلسطينيين القاطنين أصلًا في سوريا ازدادت سنة بعد أخرى مع اشتداد الحرب؛ بما خلق ضغطًا غير مسبوق على بنية تحتية هشة أصلًا وعلى سوق العمل بما رفع نسب البطالة طردًا. ضرب الأرهاب في قلب العاصمة وضواحيها واحتلت تنظيماته جزءًا من الجرود الشرقية وهددت باحتلال مناطق شمالية مماثلة.

دخل لبنان مع الحرب السورية مرحلة اقتصادية يمكن وصفها بمرحلة اقتصاد الصمود، وعنوانها الحفاظ على الحد الأدنى من المقومات بانتظار مجهول كبير عنوانه ما سترسو الحرب السورية عليه. رويدًا رويدًا كان البلد يفقد عناصر مناعته.

جاء انتخاب رئيس جديد للمجمهورية وتشكيل حكومة بسرعة نسبية ليعطي بعض اسباب البقاء لاقتصاد يقف على شفير الإفلاس (والتعبير لرئيس الجمهورية). أنجزت حكومة العهد الأولى ملفات أساسية كان لا بد منها لتظهر مؤشرات إلى أن البلاد تتحضر لمرحلة جديدة، وكانت خاتمة تلك الملفات إنجاز الانتخابات النيابية المؤجلة لسنوات خمس.

ولكن إنجاز الانتخابات فتح الباب مجددًا على صراع التشكيل الحكومي، الذي يجب أن يعكس التوازن النيابي، ولكن أيضًا التوازنات في الإقليم. وبهذين المعنيين يبدو البلد اليوم في لحظة شديدة غريبة! وجه الغرابة أن لبنان قد استطاع اجتياز لحظات عصيبة كان من الممكن أن تطبح به ككيان وصمد بوجهها، وواجه اختناقات اقتصادية كان من الممكن أن تؤدي إلى انهيار كامل وصمد بوجهها. فما الذي يحصل اليوم؟

الواقع أن الإنجازات السياسية لم يتم تظهيرها اقتصاديًا، فالاقتصاد لم يخرج من اقتصاد الصمود نحو خطة اقتصادية شاملة تعيد بناء قطاعات الاقتصاد الوطني المشوهة أساسًا، والتي زادت عليها مفاعيل الحرب السورية اختناقًا إضافيًا.

يشي الواقع الاقتصادي بأن اقتصاد الصمود قد قدم كل ما لديه ولعب كل أوراقه، وبدأ يترنح فعليًا: اتجاه خطير لصرف الموظفين في مؤسسات رئيسة، إقفال متنام لمؤسسات اقتصادية، أزمة تضرب عميقًا القطاع العقاري، الفوائد على الليرة ترتفع بشكل جنوني، البطالة بلغت نسبًا مقلقة وغير مسبوقة. وحدها الليرة صامدة وهي عنوان النموذج الاقتصادي لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية.

هل الوضع بهذا السوء؟ نعم. هل الآفاق سيئة؟ قطعًا لا!

تأتي دائمًا، آجلًا أو عاجلًا، في حياة كل شعب لحظة الاختيار لتفرز العامل عن الخامل، الصادق عن المنافق

لو كنا في العام 1990 ورغم كل إنجازات الخروج من الحرب وإعادة الإعمار، ولو كنا في العام 2000 ورغم إنجاز التحرير، ولو كنا في العام 2005 ورغم خروج الجيش السوري من لبنان، لكان من حق اللبنانيين الشك في آفاق بلدهم لأن تلك الحقب، على تاريخية معانيها، كانت تستبطن انشقاقات سياسية وطائفية قاتلة.

أما اليوم، وخاصة بعد التسوية الرئاسية، وانتخاب الرئيس عون وعودة الرئيس الحريري إلى رأس السلطة التنفيذية ونتائج الانتخابات النيابية التي أعطت حياة جديدة للطبقة السياسية بكافة تلاوينها وطوائفها، فليس من حق أحد أن يشك بمستقبل النهوض الاقتصادي اللبناني على قواعد جديدة ومختلفة، إلا إذا كان مصدر الشك الطبقة السياسية نفسها.

فحكام لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية للعب دور تاريخي في مهمة تاريخية نادرة تتاح أمامها كافة الظروف الموضوعية وتنتظر الظروف الذاتية لهؤلاء الحكام.

لقد شارفت الحرب السورية على وضع أوزارها، وقامت الدولة بقضاء غير مقارن وغير مسبوق على المجموعات الإرهابية، ووقف المجتمع الدولي يقول لكم نحن لا نريد الاستغناء عنكم، وأقرت مراسيم النفط، وصمد لبنان في وجه أقصى الظروف الاقتصادية خلال الحرب السورية، وصمد سعر صرف الليرة صمودًا مشهديًا، ونحن نشهد اليوم رغم قساوة الصورة نموًا اقتصاديا بمعدل 2%. فماذا عنكم؟

لم يعد مجديًا أن نقول بعد أيام أو أسابيع أو أشهر أنكم اتفقتم على تشكيل الحكومة، فهذه رسالة لم يعد خصمها مجديًا لدى المواطنين والأسواق والمستثمرين والدول الداعمة للبنان.

أمامكم مهمة تاريخية واضحة: الانتقال من اقتصاد الصمود إلى اقتصاد الإنجاز الذي انتظره اللبنانيون طويلًا، فأين أنتم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد