ظلت لبنان لفترات طويلة دولة ذات أهمية استراتيجية كبيرة على الرغم من صغر مساحتها، فهي تتشاطر الحدود مع كل من سوريا وإسرائيل، هذا بالإضافة إلى تركيبتها الطائفية الفريدة من نوعها والتي جعلت منها بلدًا مميزًا، ولكن في المقابل جعلت من لبنان أيضًا بلدًا هشًا مفتوحًا أمام جميع التدخلات الخارجية.

أدت الاضطرابات بين المسلمين والمسيحيين إلى دخول البلاد في حرب أهلية طويلة ومؤلمة والتي بدأت عام 1975 واستمرت لمدة 25 عامًا، وأودت بحياة 100 ألف شخص. لطالما عُرفت بيروت على أنها باريس الشرق الأوسط، ولكنها اليوم تغيرت تمامًا نتيجة الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي.

على الرغم من الظروف الاقتصادية المتأزمة التي تعيشها لبنان وحالتها الصعبة التي أعقبت الحرب، إلا أنها تثير إعجاب الكثيرين؛ باستضافتها لعدد كبير من اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين ذهبوا إلى هناك؛ لإيجاد مأوى مناسب عقب بداية الصراع العربي الإسرائيلي.

استطاعت لبنان خلال فترة الربيع العربي أن تحافظ على استقرارها، وعلى الرغم من أن الحياة السياسية هناك يتم السيطرة عليها من قبل بعض الأسر المحددة، إلا أنها نجت دون أن يصيبها أي أذى من الرياح المدمرة التي ضربت الشرق الأوسط والتي خلفت دمارًا هائلًا في جميع أرجاء المنطقة.

تمر لبنان في الوقت الراهن بفترة من الهدوء النسبي، ولكن ما زالت الاضطرابات السياسية مستمرة؛ حيث إنه لا يوجد رئيس للبلاد منذ مايو 2014 نتيجة الخلافات السياسية الموجودة هناك.

على الرغم من معضلة الانتخابات، إلا أن الاستقرار كان هو السائد في الجزء الأكبر من البلاد، وذلك حتى وقت قريب عندما تم إغلاق المكب الخاص بالنفايات والذي يقع جنوب العاصمة، ومنذ ذلك الحين أخذت القمامة بالتراكم والتكدس في الشوارع مما تسبب في شعور السكان بالضيق وعدم الراحة، ومن المحتمل أيضًا أن يكون قد تسبب لهم هذا في بعض المشاكل الصحية الخطيرة.

وعلى الرغم من تأكيد وتكرار الحكومة في العديد من المناسبات على أنها تعمل لمحاولة إيجاد حلٍّ لهذا الأمر، إلا أن هذه الأزمة – أزمة القمامة – أدت إلى ظهور حركة شعبية جديدة تسمى “طلعت ريحتكم” والتي أعقبها حدوث تحركات شعبية هائلة في البلاد تطالب بمحاسبة القادة السياسيين الذين يُنظر إليهم من قبل الكثيرين على أنهم فاسدون تمامًا.

على الرغم من أن المطالبة بالمزيد من الحريات وإيجاد إدارة كفؤة للبلاد والتأكد من أنها خالية من الفساد هي من المطالب الطبيعية، فإنه من الأهمية القصوى أن يتصرف كل من الشعب والقادة السياسيين في لبنان بحذرٍ بالغ وذلك من أجل مصلحة البلاد. نستطيع أن نرى جميعًا الآثار المدمرة التي خلفها الربيع العربي وراءه والتي كانت قد بدأت بوعود بمساحة أكبر من الحرية والديموقراطية وتحسن في مستويات المعيشة.

لا تستطيع لبنان ولا المنطقة بأسرها تحمل الانزلاق إلى مثل هذه الأوضاع الخطيرة مرة أخرى، فعليهم أن ينظروا بحذر للعواقب التي خلفتها مثل هذه الحركات في بلدان مثل سوريا وليبيا ومصر واليمن. والأهم من هذا، فإنه يجب عليهم أن يأخذوا بالاعتبار تاريخ لبنان الممتلئ بالتدخلات الأجنبية المصاحبة لحالات الضعف وعدم الاستقرار، لذلك فإن الوضع سيكون خطيرًا بشكل غير مسبوق إذا ما تعرضت البلاد لمزيدٍ من الإضعاف وعدم الاستقرار.

ما يجب على الشعب البناني فعله هو اعتناق ونشر روح السلام والتضامن بشكل عملي. من الأمور الحاسمة التي يجب على المسلمين فعلها، وخصوصًا أولئك الذين ينتمون للأحزاب السياسية هي ترك الانقسامات المذهبية والعرقية والبدء في التعاون مع بعضهم البعض على أسس ومبادئ الهوية الإسلامية. يجب عليهم – المسلمين – أن ينظروا إلى المسيحيين والدروز على أنهم من البشر الذين وصى الله عز وجل بهم، ويجب التقرب إليهم بكل مودة ورحمة. ستبعث روح الحب الجميلة هذه جنبًا إلى جنب مع الإدراك السليم للواقع رسالة مهمة للسياسيين اللبنانيين وستشجعهم على أخذ المزيد من الخطوات الجادة لتطوير وتحسين إدارة البلاد.

ولا داعي للتأكيد على أنه يجب إيجاد حل سريع للمسألة المتعلقة بالقمامة والمشاكل الأخرى التي تواجهها البلاد. ومع ذلك، فمن المهم أن يقوم الشعب اللبناني الجميل بعرض مطالبه المشروعة بطرق سلمية وديموقراطية. فالعرائض الجماعية، وحملات التوقيع، وتنظيم المسيرات والمظاهرات تُعد من الأشياء المتحضرة والتي تحترمها السلطات.

هذا بالإضافة إلى أن عقد اللقاءات بين ممثلي الجماعات من النشطاء وبين المؤسسات الحكومية المسؤولة، وعقد بعض اللقاءات التليفزيونية سيساهم في إيجاد حلول سريعة وفعالة للأمور. عندما يقوم الأشخاص برفع مطالبهم المشروعة بمثل هذه الطرائق السلمية والمتحضرة والمحترمة فإن من غير المحتمل أن تظل أي حكومة غير مكترثة بمطالبهم. من الأمور الحاسمة التي يجب على اللبنانيين اتباعها هو عدم اللجوء للعدوان والتمرد – والذي يمكن اعتباره تقليدًا في منطقة الشرق الأوسط – وأن يظلوا متمسكين بمبادئ الديموقراطية.

ويجب على الحكومة، في المقابل، اتخاذ إجراءات فورية لحل أزمة القمامة بشكل عاجل، وبعد اتخاذ هذه الخطوة، يجب أن تُؤخذ المطالب الأخرى للشعب بعين الاعتبار، وذلك لإنشاء نظام حكومي جديد قائم على الشفافية والمحاسبة للمسئولين، والذي يتضمن أيضًا مشاركة كل الفئات المجتمعية.

وعقب هذا، يجب الخروج من عنق الزجاجة السياسي الذي تمر به البلاد والمتعلق بالانتخابات الرئاسية، يجب انتخاب رئيس جمهورية – بطريقة سلمية – يحترم الحريات وحقوق الإنسان ويلتف حوله الجميع؛ وذلك لإخراج البلاد من هذا المنزلق الخطير والذي يمكن أن يؤدي لتدميرها ذاتيًّا.

يحتاج كل من الشعب اللبناني العظيم والشعوب التي تعاني في منطقة الشرق الأوسط إلى السلام والاستقرار. سيرتكب الشعب اللبناني خطأ فادحًا إذا ما دخل إلى هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر وخصوصًا أن هناك العديد من الأمثلة الحديثة – ممن خاضوا تلك المغامرة – حولهم في كل مكان.

نأمل جميعًا أن يقف هذا البلد الجميل – والذي يمتلك تاريخًا وإرثًا حافلًا – على قدميه في أسرع وقتٍ ممكن عن طريق اتباع الطرق الديموقراطية السلمية، وأن يصل الشعب اللبناني العظيم إلى مستويات المعيشة التي يستحقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لبنان
عرض التعليقات
تحميل المزيد