«هذا تاريخ شخصي لرجل بنى وحده تقريبًا دولة كبيرة من جزيرة صغيرة.. هذا أول كتاب في العالم عن كيفية بناء أمة، كان السيد «لي» أيضًا صديقًا عظيمًا ومراقبًا ذكيًّا لشئون اليابان، سوف يتعلم القراء اليابانيون من هذا الكتاب صورتهم الخاصة، بالإضافة إلى صورة مستقبلهم من خلال العينين الثابتتين لهذا الزعيم السياسي العظيم». «كيتشي ميازادا» رئيس وزراء اليابان.

كانت دولة سنغافورة في ستينيات القرن الماضي، تعاني من قلة الموارد وكثرة الحاجات، كانت ماليزيا حينها على وشك التخلي عن اتحادها مع سنغافورة، كان الناتج المحلي الإجمالي حينها حسب إحصائيات البنك الدولي (704462302.37)، كان نصيب الفرد من الناتج القومي (490.000) دولارًا. الآن سنغافورة رابع أهم مركز مالي في العالم، ومدينة عالمية تلعب دورًا مهمًّا في الاقتصاد العالمي، ويعد مرفأ سنغافورة خامس مرفأ في العالم من ناحية النشاط، وصل الناتج القومي بها إلى (323.91) مليار دولار، ووصل نصيب الفرد من الناتج القومي (54530.00) دولارًا.

وهذا ما يجعلنا نتساءل.. كيف كانت هذه القفزة الكبيرة؟! كيف تحقق كل هذا؟! مَنْ هو سبب هذا التقدم والتحول الاقتصادي العملاق؟! ما هي تلك السياسات الاقتصادية المؤدية إلى هذا؟! ماذا ينقص بلادنا لتصبح في مصاف تلك الأمم؟! وهذا ما سنسعى للإجابة عنه، دعونا نبحث ونرى.

«لي كوان يو».. المعلم الأول

ولد في 16 سبتمبر (أيلول) 1923، وهو سنغافوري، ينحدر من مهاجرين صينيين، (سنغافوري صيني من الجيل الرابع) كما يصف نفسه، ولد «لي» في سنغافورة، ودرس في كلية رافلز بسنغافورة، وفي عام 1949 تخرج من جامعة كامبردج بإنجلترا بدرجة جامعية في القانون، عاد «لي» إلى سنغافورة عام 1951 وأصبح محاميًّا عماليًّا.

في منتصف الخمسينيات أسس مع مجموعة من خريجي بريطانيا حزبًا اشتراكيًّا، وعُين هو أمينًا عامًا للحزب، وفاز الحزب بانتخابات رئاسة سنغافورة عام 1959، وعُين «لي كوان» رئيسًا للوزراء وعمره 35 سنة، بعد ست سنوات أعلن «لي كوان» استقلال سنغافورة عن ماليزيا، وأصبح رئيسًا للوزراء لجمهورية سنغافورة بعد الاستقلال، في عام 1990 ترك «لي» منصب رئيس الوزراء، ومنصب أمين الحزب، ثم عُين مستشارًا في مجلس الوزراء ، في 12 أغسطس (آب) 2004 أصبح ابنه «لي هسين لونغ» ثالث رئيس وزراء لحكومة سنغافورة، أما هو فظل مستشارًا في منصب الوزير المعلم للحكومة خلال العديد من المناصب الوزارية المتعاقبة على مدى 50 عامًا، في عام 2011 أعلن تركه مجلس الوزراء، وإفساح المجال للدماء الشابة.

حصل «لي» على عدد من أوسمة الدولة؛ منها وسام رفقاء الشرف 1970، فارس الصليب الأكبر لوسام سانت مايكل وسانت جورج 1972، حرية مدينة لندن 1982، وسام تاج جوهور من الدرجة الأولى 1984، وسام الزعيم الأعظم 1988، ووسام الشمس المشرقة 1967، حصل «لي» أيضًا على أوسمة أخرى، والتي تشمل وسام الشرف الأعلى للزمالة الفخرية لكلية إدنبرة الملكية للطب 1988، ورجل السلام 1990، حاز «لي» على جائزة نوبل عام 1994.

عام 2002 اُعترف رسميًّا لـ«لي كوان يو» بزمالة إمپريال كولدج لندن تقديرًا لتعزيزه للتجارة والصناعة الدولية، وتنمية مبادرات دراسة العلوم والهندسة مع المملكة المتحدة، وفي عام 2007 مُنح «لي» دكتوراه فخرية في القانون من الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبرا، وسط احتجاجات من الطلبة وطاقم التدريس.

في السنوات الكثيرة التي عرفته خلالها، أصبح رئيس الوزراء «لي كوان يو» صديقًا غاليًا ومستشارًا، تصميمه ورؤيته وطاقته تركت انطباعًا عميقًا في سنغافورة، وجعلتها قوة سياسية واقتصادية، يتسع نفسها إلى ما هو أبعد كثيرًا من منطقتها، ليس «لي كوان يو» مجرد شخصية سياسية متميزة، بل هو مفكر عميق، لديه الكثير مما يقوله فيما نحن نوجه مسيرتنا نحو المستقبل، آمل أن تحظى مذكراته وأفكاره باستقبال شعبي واسع. «هيلموت كول» مستشار ألمانيا.

كتب «لي كوان يو» مذكراته في كتاب من جزأين تحت اسم «قصة سنغافورة» بين عامي 1998:2000، وتناول فيها من عام 1965 وقت الانفصال عن ماليزيا، وحتى عام 2000، توفي «لي كوان يو» في 23 مارس (أذار) عام 2015.

وحتى نعلم كيف حصل «لي كوان يو» على لقب المعلم الأول، وتحول إلى أيقونة لإلهام القادة السياسيين حول العالم، دعونا نرى كيف كانت سنغافورة قبيل حكم «لي كوان يو» لها؟

سنغافورة العالم الثالث

سنغافورة هي جمهورية تقع على جزيرة في جنوب شرقي آسيا، عند الطرف الجنوبي من شبه جزيرة ملايو، ويفصلها عن ماليزيا مضيق جوهور، وعن جزر رياو الإندونيسية مضيق سنغافورة، ولسنغافورة تاريخ حافل بالمهاجرين؛ فسكانها الذين يصل تعدادهم إلى خمسة ملايين، هم خليط من الصينيين والملايويين والهنود وآسيويين من ثقافات مختلفة والقوقازيين؛ 42% من سكان الجزيرة هم من الأجانب الوافدين للعمل أو للدراسة، وتعتبر سنغافورة ثالث دولة في العالم من ناحية الكثافة السكانية بعد ماكاو وموناكو، بعد الانفجار الديموغرافي الذي شهدته من 1985 إلى 2001.

خلال الحرب العالمية الثانية غزا جيش اليابان الإمبراطوري مالايا، وبلغت ذروتها في معركة سنغافورة، وهُزم البريطانيون في 6 أيام، واستسلمت القلاع المنيعة للجنرال الياباني تومويوكي ياماشيتا في 15 فبراير (شباط) 1942، وما زالت تحت الاحتلال حتى استعاد البريطانيون الجزيرة في 12 سبتمبر 1945، وبعد شهر استسلم اليابانيون.

وبعد تشكيل أول حكومة في تاريخ جمهورية سنغافورة لجأت الحكومة السنغافورية في مواجهة الفقر وقلة الموارد وضعف البنى التحتية والمؤسسات وغياب التاريخ والأساطير لملء هذه الفجوات عن طريق طائفة غير متجانسة من الأسس الأيديولوجية لبناء الأمة؛ التشديد على الحداثة والتقدم على أساس التعددية العرقية، وحكم الأكفأ، وهذه بذاتها أدوات ضعيفة لبناء أمة، وكان البديل هو النخبوية، فبزغت النخبوية بسرعة وقوة بوصفها المصدر الأساسي للحكومة.

ويتكون المجتمع السنغافوري من 80% من الصينيين، و14% من المالاي، و8% من الهنود، و1% من الأورآسيويين والأعراق الأخرى؛ مما يجعل سياسة حكم سنغافورة بشكل واحد صعب جدًّا إن لم يكن مستحيلًا، كان سكان سنغافورة الأصليون صيادين من المالاي، ولكن بعد وصول السير ستامفورد رافلز وتأسيس مركز تجاري بريطاني، أصبحت سنغافورة مركز اجتذاب للمهاجرين والتجار، حيث قصدها المهاجرون من الصين، وإندونيسيا، وباكستان، وسيريلانكا، والشرق الأوسط سعيًّا وراء حياة أفضل لهم ولعائلاتهم، ورغم الزيجات بين أفراد الفئات العرقية المختلفة عبر السنوات فقد حافظت الفئات العرقية السنغافورية على هوياتها الثقافية مع استمرار تطورها باعتبارها جزءًا أساسيًّا من المجتمع، كما أن هناك أربع لغات رسمية في سنغافورة؛ المالاي، والماندارين، والتاميل، والإنجليزية، فاللغة الإنجليزية هي لغة الأعمال والإدارة، وهي مفهومة ومستخدمة بشكل واسع، ومعظم السنغافوريين ثنائيو اللغة؛ إذ يتحدثون الإنجليزية إلى جانب لغتهم الأم، ولغة المالاي هي اللغة الوطنية.

إن ارتفاع كل من الكثافة السكانية، ومستوى المعيشة؛ يجعل سنغافورة تعرف مستوى مرتفعًا من كمية ثنائي أكسيد الكربون المنبعث للفرد الواحد، فقد سجلت سنة 1990 انبعاث 15 طنًا متريًا للفرد الواحد من ثنائي أكسيد الكربون، ارتفع ليصل سنة 1994 إلى 19.1 طنًا متريًا، وسنغافورة موطن صغير يفتقر للأراضي وللمياه العذبة، الافتقار للأراضي يجعل من توفير مكبات للنفايات أمرًا صعبًا.

من المشاكل البيئية الأخرى نجد التلويث الصناعي والدخان الذي يُحمَل لسنغافورة موسميًّا من مناطق احتراق الغابات بإندونيسيا، وتشكل إزالة الغابات مشكلة بيئية جدية؛ فمعظم الغابة المطيرة قد أُتلفت أو تم تعويضها بمركبات سكنية، أما المتبقي فهو يمثل حوالي 3% من مساحة البلاد، ويشرف عليها مجلس المحميات الطبيعية، وتتواجد أعلى كثافة للغابة المطيرة بالمحمية الطبيعية بوكيت تيما.

كل هذا وأكثر كانت تحديات تواجه «لي كوان يو» في مسيرته، كيف سيتخطى كل هذا؟ كيف سيجعل من هذه السنغافورة القديمة المهترئة مركزًا للتجارة العالمية؟! وكيف ستتحول تلك الدويلة في العالم الثالث إلى دولة متقدمة من دول العالم الأول؟

يتبع…

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد