«كثيرون كانوا لم يولدوا بعد، أو كانوا صغيرين جدًّا عندما استلمت السلطة عام 1959. ولا يعرفون كيف اقتطعت دولة صغيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية من أرضها الخلفية الطبيعية، كما كان عليها أن تحافظ على وجودها في عالم قاس من الدول القومية الجديدة في جنوب شرق آسيا. إنهم يعتبرونه أمرًا طبيعيًّا جدًّا أن يعيد البنك الدولي تصنيف سنغافورة في أقل من 40 سنة من دولة دون مستوى التطور إلى دولة متطورة». *لي كوان يو

تحدثنا في الجزء الأول كيف كانت سنغافورة قبيل حكم «لي كوان يو»، تعرفنا على مدى الخراب والاضمحلال الذي حل بها إبان الاحتلال البريطاني والياباني لها. وبتنا نسأل أنفسنا: هل لهذه الدويلة من قيامة جديدة تنفض فيها غبار التخلف والتبعية، وتنطلق صوب التقدم والازدهار؟! كيف يكون ذلك؟ ما السبيل إليه؟
أخذ لي على عاتقه الانطلاق صوب نهضة حقيقية، وخط خطوطًا عريضة لسياسته الجديدة الموجهة نحو هذا الهدف. وقد قسمت تلك السياسات إلى ثلاثة أجزاء مهمة.

1- ما قبل الاستقلال

بعد أن يقترح رئيس وزراء (الملايو) تونكو عبد الرحمن تشكيل اتحاد كان سيضم مالايا، وسنغافورة، وصباح، وسرواك في 1961، بدأ «لي» حملة للاندماج مع ماليزيا لإنهاء الحكم الاستعماري البريطاني. وقد استعمل نتائج الاستفتاء الذي أجري في 1 سبتمبر (أيلول) 1962، والذي كان فيه 70% من الأصوات مؤيدة لاقتراحه، ليوضح أن الشعب يؤيد خطته. ومن خلال العملية Coldstore، سحق لي الجماعات المتعاطفة مع الشيوعية التي كانت معارضة بشدة للاندماج، والتي أُشيع عنها انخراطها في أنشطة هدامة.

وفي 16 سبتمبر 1963، أصبحت سنغافورة جزءًا من اتحاد ماليزيا. إلا أن هذا الاتحاد كان قصير العمر. فالحكومة المركزية الماليزية، التي كانت تحكم من خلال المنظمة الوطنية للملايو المتحدين (UMNO) أضحت قلقة من ضم الغالبية الصينية بسنغافورة والتحدي السياسي من حزبهم (PAP) في ماليزيا. عارض لي، جهارًا، سياسة بوميپوترا واستخدم الهتاف الشهير لمؤتمر التضامن الماليزي «ماليزيا الماليزية!»، أي أمة تخدم القومية الماليزية، وليس فقط عرق الملايو. توترت العلاقات بين PAP وUMNO بشدة، بل رغب البعض في UMNO في إلقاء القبض على «لي».

تلا ذلك اضطرابات عرقية، مثل تلك التي اندلعت في يوم المولد النبوي الإسلامي (21 يوليو/تموز 1964)، بالقرب من معامل الغاز في كـَلانگ، والتي قـُتـِل فيها 23 شخصًا، وجـُرح المئات عندما هاجم الصينيون والملايو بعضهم بعضًا. اندلع المزيد من الاضطرابات في سبتمبر 1964، وقد نهب المتظاهرون السيارات والمحال، مما دفع كل من تونكو عبد الرحمن ولي كوان يو للظهور علنًا لتهدئة الموقف. وبسبب عدم قدرته على حل الأزمة، فقد قرر رئيس الوزراء الماليزي، تونكو عبد الرحمن، أن يطرد سنغافورة من اتحاد ماليزيا، وقد كان «لي» مصرًّا وحاول التوصل لترضية، إلا أنه لم يفلح. وقد أقنعه لاحقًا گو كنگ سوي أن الانفصال لا مندوحة عنه. فوقع لي كوان يو اتفاقية الانفصال في 7 أغسطس (آب) 1965، التي ناقشت علاقة سنغافورة بماليزيا بعد الانفصال، لمواصلة التعاون في مجالات مثل التجارة والدفاع المشترك.

وفي ذلك اليوم، أقر البرلمان الماليزي التشريع المطلوب الذي سيقطع صلات سنغافورة بماليزيا كولاية، وبذلك نشأت جمهورية سنغافورة. فقدان سنغافورة للموارد الطبيعية، ولمصدر للماء العذب، لقدراتها الدفاعية المحدودة كانت تحديات كبيرة واجهها «لي» والحكومة السنغافورية.

2- ما بعد الاستقلال

أثناء العقود الثلاثة التي شغل فيها لي المنصب، نمت سنغافورة من بلد نامٍ إلى واحدة من أكثر الدول تقدمًا في آسيا، بالرغم من عدد سكانها الصغير، المساحة المحدودة من الأراضي وفقدان الموارد الطبعيية. دائمًا ما أعلن لي أن الموارد الطبيعية الوحيدة لسنغافورة هي شعبها وأخلاقيات عملهم القوية. يحظى لي بتقدير الكثير من السنغافوريين، خاصة الجيل القديم، الذين يتذكرون زعامته الملهمة أثناء الاستقلال وبعد الانفصال عن ماليزيا. عادة ما ينسب له كونه معماري الازدهار الحالي لسنغافورة، بالرغم من أن هذا الدور كان يلعبه أيضًا نائبه، د. گوه كنگ سوي، الذي كان وزيرًا للاقتصاد.

3- العلاقات مع ماليزيا

مضى لي قدمًا في تحسين العلاقات مع مهاتير محمد، مع معرفته أن مهاتير كان مرشحًا لتولي منصب رئيس وزراء ماليزيا، قام لي بدعوة مهاتير لزيارة سنافورة. وطدت الزيارة الأولى والزيارات اللاحقة العلاقات الشخصية والدبلوماسية بينهما. أخبر مهاتير «لي» بقطع العلاقات مع زعماء حزب الحراك الديمقراطي الصيني؛ في المقابل، تعهد مهاتير بعدم التدخل في شؤون سنغافورة والملايو. في ديسمبر (كانون الأول) 1981، غير مهاتير توقيت منطقة شبه جزيرة الملايو بهدف إنشاء منطقة توقيت واحدة لماليزيا، وقام لي بالمثل لأسباب اقتصادية واجتماعية. تحسنت العلاقات مع مهاتير تدريجيًّا، وصل لي ومهاتير إلى اتفاقية كبرى في كوالا لمپور لبناء خزان لينگوي على نهر جوهور.

«كان عليّ أن أدير حكم هذه السنغافورة الجديدة. كنت قد أمضيت جل وقتي ذاك النهار مع زميلي الحميم (جوه كينغ سوي). وقررت أن أدمج وزارة الداخلية مع وزارة الدفاع، وأن يكون هو مسئولاً عنها. ولكن عندئذ من يستطيع تولي وزارة المالية؟ واتفقنا على أن يكون الوزير هو (ليم كيم سان)،وكانت المشكلة الثانية الاعتراف الدولي والعلاقات الطيبة مع أولئك الذين يستطيعون أن يساعدوا على توفير الأمن لنا والبقاء. واتفقنا على أن يكون (س–راجاراتنان) العضو المؤسس في حزبنا (حزب العمل الشعبي) وزارة الخارجية. كنا في حال دوار، ولمن نتكيف بعد مع المواقع الجديدة، ونخشى الأمور غير الموزونة بدقة مستقبلًا». *لي كوان يو

ملامح سياساته

ظل لي كوان بعد ذلك مدة 25 عامًا رئيسًا لوزراء سنغافورة المستقلة. خلالها كانت سياسة البلاد الخارجية هي الحياد وعدم الانحياز، وهي سياسة شبيهة بسياسة سويسرا. مع الاهتمام بالجانب العسكري وتبادل الخبرات مع الدول ذات الخبرة العسكرية، مثل بريطانيا والولايات المتحدة. وكانت المجهودات تنصب على الأمن القومي، والاقتصاد، وقضايا المجتمع السنغافوري.

واتخذ من الاستحقاقراطية والتعددية العرقية مبادئ رئيسية لحكمه. اعتمد لي الإنجليزية لغة مشتركة لدمج أطياف المجتمع السنغافوري، ولتسهيل التجارة مع الغرب. مع ذلك، أمر بالثنائية اللغوية في المدارس حتى لا ينسى الطلاب لغتهم الأصلية.

ومن أهم الجهود التي بذلها لي كوان يو أيضًا إنشاء هيئة التنمية الاقتصادية في عام 1961، كمؤسسة واحدة يسهل على المستثمر التعامل معها ولا يحتاج للتعامل مع عدد كبير من الإدارات والوزارات، تحاشى لي السياسات الشعبوية لصالح تدابير اجتماعية واقتصادية عملية طويلة الأجل.

هذا الإجراء جذب المستثمرين الأجانب مع إعطائهم امتيازات ضريبية، وضمانات قانونية، وحمايتهم، استعانت الهيئة بخبراء من برنامج التنمية في الأمم المتحدة، واستطاعت الترويج للاستثمار في سنغافورة، وتقديم الضمانات، مع التركيز على أربع صناعات أساسية، هي بناء وصناعة السفن، وهندسة المعادن، والكيماويات، والأدوات الكهربائية.

واختار رئيس الوزراء لي كوان يو أفضل العلماء والخريجين المؤهلين من جامعات أجنبية للعمل بهذه اللجنة، واختار لها رئيسًا مؤهلًا استطاع أن يجعل منها مؤسسة ناجحة، وكانت تعقد ندوات مع مديري الشركات متعددة الجنسيات للاستماع لمشاكلهم القانونية وغيرها. نجحت سياسة اللجنة في جذب شركات النفط الكبرى، مثل شل، وأيسو، وأنشئت المصافي النفطية، ومصانع التكرير، وبحلول التسعينات أصبحت ثالث أكبر مركز لتكرير النفط في العالم بعد هيوستون ونوتردام، وثالث أكبر مركز لتجارة النفط بعد نيويورك ولندن، وأصبحت منتجًا رئيسًا للبتروكيماويات على مستوى العالم.

كان من أكثر مهام لي كوان يو إلحاحًا توفير فرص عمل مستقرة للشعب بعد الاستقلال، نظرًا لنسب البطالة المرتفعة حينها. ساعدت السياحة، ولكنها لم تحل المشكلة تمامًا. بالتشاور مع خبير الاقتصاد الهولندي ألبرت ينسآميوس، أنشأ لي المصانع، وركز على الصناعة التحويلية في البداية. قبل انسحاب البريطانيين تمامًا من سنغافورة في عام 1971، أقنعهم بعدم تدمير أحواض سفنهم بغرض تحويلها للاستخدام المدني.

بعد سنوات من التجربة والخطأ، قرر لي وحكومته أنَّ أفضل وسيلة لتعزيز الاقتصاد كانت جذب استثمارات الشركات المتعددة الجنسيات،من خلال تأسيس بنية تحتية تنتمي للعالم الأول، تمكنت الدولة الجديدة من إقناع الأمريكيين، واليابانيين والأوروبيين، من تأسيس قاعدة للأعمال في البلاد.

بحلول الثمانينات، تحولت سنغافورة إلى واحد من أكبر مصدري الإلكترونيات في العالم. عمل لي كوان يو وحكومته على تحويل سنغافورة لتصبح مركزًا ماليًّا دوليًّا، وذلك بطمأنة المصرفيين الأجانب باستقرار الظروف الاجتماعية، وديمومة الدرجة العالية من البنية التحتية، وتوافر الفنيين المهرة. أفهمت الحكومة المستثمرين أنها ستنتهج سياسات اقتصاد كلي عقلانية، مع فوائض ميزانية ستؤدي إلى استقرار قيمة الدولار السنغافوري.

انتقد حكم لي وبخاصة في الغرب، بمدعاة تقليص الحريات المدنية برفع دعاوى التشهير ضد المعارضين السياسيين. من جانبه، قال إن هذه التدابير التأديبية جنبًا إلى جنب مع سيادة القانون ضرورية للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي.

كانت هذه خطوط وخطوات لي كوان يو من التخلف نحو التقدم والازدهار. إذن يبقي هنا السؤال الأهم: هل سينجح لي كوان يو من خلال تلك السياسة في أن ينتشل ما بقي من سنغافورة ويسعى بها نحو تحقيق هدفه؟ في حين نجاح تلك الخطة،هل يمكن أن تطبق تلك السياسات في بلادنا؟ هل ستحقق التقدم ذاته أم لا؟ ماذا ينقصنا لنصبح في مصاف الدول المتقدمه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد