«إن كانت سنغافورة مستقله فهي ببساطه غير قابلة للحياة. ومهمتنا الآن التي لا نحسد عليها أن نجعلها قابلة للحياة. وكيف يسعنا أن خلق دولة من مجموعة متعددة اللغات ففيها مهاجرون من الصين، والهند، وماليزيا، وإندونيسيا وأجزاء أخرى عديدة من آسيا؟» *لي كوان يو.

عرفنا فيما سبق كيف كانت سنغافورة قبيل حكم (لي كوان يو) تعرفنا على مدى الخراب والاضمحلال الذي حل بها إبان الاحتلال البريطاني والياباني لها، كما عرفنا أيضًا ما هي سياسات وخطوات لي كوان يو للانطلاق بسنغافورة نحو التقدم. الآن لم يعد أمامنا سوى معرفة ما آلت إليه تلك التجربة، وما أسفرت عنه، وما ينقص بلادنا لتحزو حزو تلك التجربة.

سنغافورة العالم الأول

بعد تشكيل أول حكومة في تاريخ جمهورية سنغافورة لجأت الحكومة السنغافورية في مواجهة الفقر وقلة الموارد وضعف البنى التحتية والمؤسسات وغياب التاريخ والأساطير لملء هذه الفجوات عن طريق طائفة غير متجانسة من الأسس الأيديولوجية لبناء الأمة: التشديد على الحداثة والتقدم على أساس التعددية العرقية وحكم الأكفأ، وهذه بذاتها أدوات ضعيفة لبناء أمة وكان البديل هو النخبوية، فبزغت النخبوية بسرعة وقوة بوصفها المصدر الأساسي للحكومة.

رسمت حكومة سنغافورة الجديدة خططًا طموحة لإحياء الدولة الجديدة. فقد شجعت التعليم لصياغة هوية قومية مشتركة تجمع بين القوميات المختلفة التي تتكون منها سنغافورة، وأعدت المناهج الدراسية التي تدرب خريجي المدارس على الوظائف التي تحتاجها الصناعات الجديدة، كما بدأ تطبيق نظام الخدمة الوطنية وأُعدّ برنامج جديد للإسكان. ومنذ الستينات من القرن العشرين، بدأت الصناعة تحل محل تجارة الترانزيت التقليدية كمصدر رئيس للدخل في سنغافورة، وتحسنت الخدمات الصحية والاجتماعية.

استمرت سنغافورة بتحقيق نمو اقتصادي متميز منذ بداية عام 1980 عندما استطاعت ان تخفض معدل البطالة في البلاد إلى 3% واستطاعت أن تقفز بالناتج المحلي الإجمالي واستمرت بتحقيق النجاح، وفي عام 1981 افتتحت مطار شانغي سنغافورة واستثمرت الحكومة في شركة طيران سنغافورة واستثمرت في ميناء سنغافورة الذي أصبح فيما بعد واحد من أكثر موانئ العالم ازدحامًا، عملت الحكومة في وقت سابق على إنشاء مجلس التنمية الإسكاني في سنغافورة الذي استطاع حل مشكلة سنغافورة الإسكانية وإنهاء مشكلة البيوت العشوائية عمل المجلس على تخصيص الأراضي وتسليمها إلى القطاع الخاص لتقديم خدمات راقية للسكان مرتفعي الدخل، وكذاك عملت على برنامج آخر عبر ردم البحر حيث بلغ مجموغ عمليات الدفان من عام 1960 إلى 2005 ما يقارب 3577 هكتارًا 0.05% من مساحة سنغافورة.

وفي عام 2006، سمت شركة أت كيرني (at Kearney ) جمهورية سنغافورة المدينة الأكثر عولمة في العالم بحسب مؤشرها للعولمة. قبل الاستقلال في عام 1969، كان الناتج المحلي الإجمالي هو 511 دولارًا، وكان يعتبر ثالث أعلى ناتج في آسيا الشرقية في ذلك الزمن. وبعد الاستقلال  أدت سياسة الاستثمار وتشجيع الصناعة  التي قام بها نائب رئيس الوزراء غوه كنغ سوي  إلى تحديث اقتصادها.

وفي مؤشر جودة الحياة التي تنشره وحدة الاستخبارات الاقتصادية في مجلة الإيكونوميست، حصلت سنغافورة على الدرجة الأولى في آسيا والمرتبة الحادية عشرة على مستوى العالم. وتمتلك تاسع أعلى احتياطي في العالم. ولدَى الدولة جيش وطني مجهز بشكل جيد ويعتمد على أحدث الأسلحة. ووفق مؤشر هينلي وشركائه للقيود على التأشيرات عام 2014 احتل الجواز السنغافوري المركز الـ6 على مستوى العالم حيث يمكن من حاملة دخول 167 دولة من دون تأشيرة مسبقة.

بعد انكماش في الربع الرابع لعام 2009 الذي وصل إلى -6.8%استعادت سنغافورة تنامي اقتصادها في النصف الأول من 2010 لتصبح أسرع دولة في إنعاش اقتصادها بنمو وصل إلى 17.9%.

العلاقات الخارجية

تقيم سنغافورة علاقات دبلوماسية مع 175 دولة، على الرغم من أنها لا تحتفظ بلجان عليا أو سفارات في العديد من تلك البلدان. وهي عضو في الأمم المتحدة الكومنولث والآسيان وحركة عدم الانحياز. ولأسباب جغرافية واضحة، فالعلاقات مع ماليزيا وإندونيسيا هي الأكثر أهمية، ولكن السياسات الداخلية للدول الثلاث غالبًا ما تهدد العلاقات فيما بينهما، كما تتمتع سنغافورة بعلاقات جيدة مع العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب أستراليا وماليزيا ونيوزيلندا. وتلعب دورًا نشطًا في رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان)، وهي أحد الأعضاء المؤسسين. وهي أيضًا عضوة في منتدى (أبيك) آسيا والمحيط الهادئ للتعاون الاقتصادي التي يتواجد مركز أمانتها العامة في سنغافورة. وتقيم سنغافورة علاقات وثيقة مع سلطنة بروناى ويتواجد لها مرافق تدريب عسكرية هناك، وكانت سنغافورة من أوائل الدول التي تطبعت علاقاتها مع جمهورية الصين الشعبية بعد انفتاحها في عام 1978. ولها علاقات تجارية واسعة معها.

التدابير المتخذة من أجل الحفاظ على البيئة

و كما يتبين من خلال تراجع مستوى انبعاث ثنائي أكسيد الكربون فإن الحكومة بسنغافورة كانت واعية منذ فترة طويلة بالمخاطر البيئية. فقد توالت جهود الحكومة منذ 1963 من أجل البيئة والتشجير فتم إنشاء وزارة للبيئة سنة 1972، التي تم دمجها فيما بعد مع قطاع الصحة في وزارة الصحة والبيئة التي استمرت من سنة 1997 إلى سنة 1999. وفي سنة 2004 تم تشكيل وزارة البيئة ومصادر المياه.

القوات المسلحة

الجيش السنغافوري يعد الأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية في منطقة جنوب شرق آسيا. ويضم الجيش والبحرية والقوات الجوية. وينظر إليه على أنه الضامن لاستقلال البلاد. وتنفق الحكومة 4.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد على العسكرية، واحد من بين كل أربعة دولارات للإنفاق الحكومي على الدفاع.

اصنعوا الإنسان قبل أي شيء، أمنوا المرافق والخدمات، ثم اجعلوه يستخدمها بطريقة حضارية ونظيفة، وأعيروا التفاصيل الحياتية اليومية كل الاهتمام، الدول تبدأ بالتعليم، وهذا ما بدأت فـيه عندما استلمت الحكم فـي دولة فقيرة جدًا، اهتممت بالاقتصاد أكثر من السياسة، وبالتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنيت المدارس، والجامعات، وأرسلت الشباب إلى الخارج للتعلم، ومن ثم الاستفادة من دراساتهم لتطوير الداخل السنغافوري، لقد جعلت سنغافورة خضراء، ونظيفة، على الرغم من ضيق المساحة التي لا تتعدى الـ600 كلم مربع، فشجعت على نشر محلات الزهور بدل المساحات الخضراء الشاسعة مثل فـي شنغهاي، لا أعتقد أن طرق الديمقراطية تؤدي إلى التنمية، بل أرى أن البلد يحتاج إلى النظام أكثر من حاجته إلى الديمقراطية *لي كوان يو.

تلك هي تجربة سنغافورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتصحيح المسار والخروج من بوتقة التبعية والاحتلال نحو النمو والتقدم. تلك هي التجربة التي أدت ببلاد إلى دفعة نحو أقوى الدول الاقتصادية والسياسية والعسكريه بالعالم.

تلك هي الخطوات التي أدت ببلد فقير من ناحية الموارد وصغيرة بالحجم وكثيفة السكان وتعاني من الاحتلال والتبعية السياسية والاقتصادية إلى دولة ذات سيادة.

الأمر لا يحتاج في بلادنا إلى معجزة حتي يتغير الحال. الأمر يحتاج إلى سياسات واضحة وخطة منهجية ناجحة واردة من متخذ القرار وثقافة شعب. كل هذا ينتج المعجزة الحقيقة. فاعتبروا يا أولي الألباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد