حق تقرير المصير يعد من الأوامر النافذة في القانون الدولي، وهذه مرحلة لا بد منها، والتي تمر بها اليمن، والحديث عن اليمن، فأنت تتحدث عن المملكة المتوكلية الهاشمية، والتي سكانها يقطنون المناطق التي تصنف جغرافيا إلى يمين الكعبة المشرفة بالنسبة للمملكة العربية السعودية. ما تسمى اليمن منذ سنة 1918 احتلت عددًا من المناطق في الوسط، والجنوب، والحجرية، والساحل الغربي، وسمتها كيانًا جديدًا يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، وهذهْ الأخيرة اتحدت مع الجنوب العربي، وشكلت كيانًا موحدًا جديدًا سمي «الجمهورية اليمنية» في سنة 1990، ولما لبثت بأن قامت بضمهِ بالقوة العسكرية سنة 1994 أي الجنوب العربي، وبذات طريقة ضم المناطق الوسطى، والجنوبية، والغربية الأخرى سنة 1918.

العالم للتو بدأ فهم المشكلة اليمنية من جذورها، رغم تعويم الصراعات الإقليمية، ورسم بروباغاندا مظاهر الاحتلال، والعدوان، والتنافس الشمالي – الشمالي على شرعية حكم اليمن، والجنوب، والحجرية، والوسط، والساحل الغربي.

التكوين التاريخي للنظام السياسي في اليمن يقوم على حكم مناطقي، وطائفي لأبناء مناطق صعدة، وعمران، وصنعاء وذمار  وما تسمى بقبائل حاشد وبكيل الشمالية، وهي التي تحتل الموقع المسمى «يمين الكعبة»، والمسمى باليمن، وبالتالي طبيعة اليمن قبل الانفصال تعتمد على السلطة المطلقة في أجهزة الدولة لأبناء ما يسمون بالهضبة الزيدية، وعبر  نخب الجيش المناطقي، والتجيش السلالي، فمتى ضعفت النخب المناطقية المتغولة في غير مناطقها، فهي تعتمد على التجيش السلالي العنصري والمناطقي.

الدوافع نحو نزاعات الانفصال في اليمن

الاحتلال الذي تم لمناطق الجنوب سنة 1994، والحجرية، والساحل الغربي، والوسط منذ 1918 تم التحايل عليه يومنا هذا تحت مزاعم الاحتلال السعودي والإماراتي، وكما معروف فالمحتل لا يسلح، ويدعم أبناء البلد بقدر ما يقوم بقمعهم، وقتلهم، وتهجيرهم وهذا ما ينسحب على ميليشيا الحوثي، ومكونات الشمال سنة 1994، وذات الجريمة سنة 1918، لكن ما لم يتم التحايل عليه هي احتلال جنوب اليمن سنة 1994 كونها موثقة بقرارات دولية، ويتكشف التحايل بأن المناطق التي تعرضت لاحتلال النظام المناطقي في اليمن  من سنة 1918 هي الآن مواقع اشتباكات مباشرة تستهدفها قوات الاحتلال الزيدي بهدف تقويض الأمن، والاستقرار فيها، وتقود جميع مناطق الهضبة الشمالية حرب إبادة ضدها، ونشر  الفوضى في جغرافيتها، وتقييض الظروف المعيشية لحياة المواطنين فيها.

ونغمة وبروباغاندا العدوان لا تمتلك هذا التصور المزعوم نظرًا لأن تدخل القوات الجوية، والدعم، والإسناد اللوجستي بالإضافة للتدريب، والـتأهيل بدأ من سنة 2015 بناء طلب الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي وهو ذاته من رفض التدخل البري يومها.

أثر الانفصال سيظهر مباشرة في حدوث نقلة نوعية للمناطق التي ستخرج عن حكم السلطة المطلقة، وهذه السلطة المطلقة يتلاعب بها الشمال الحاكم عبر أسلوبين إما لاءات لأبناء علي عبدالله صالح وأنصارهِ، وعلي محسن الأحمر وأعوانهِ، ولأبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وحاشيتهم بالإضافة إلى الحوثيين، وفي المقابل تمتلك تكوينات لأنظمة سياسية تؤطر ضمن نظام سياي آخر «احتلال غير معلن»، وأوسع يسمى حزب التجمع اليمني للاصلاح، حزب المؤتمر الشعبي العام، وكذلك المجلس الثوري الميليشاوي المدعوم من طهران، والسياسي لجماعة أنصار الله الحوثية، وبالتالي فهي تنظر إلى مستويات ما دون تقسيمات كهذه إلا بعين الأقليات، والمحدد الفعلي للانفصال، ما يعني بأنها لا تقبل بغيرها، وحتى إن كانت غالبية مستقلة، وهي المتضررة من فلسفتها للحكم، أو أيدولوجيتها العنيفة في الإخضاع.

ترسو بنا الحال اليوم عند نقطة تسمى الانفصال المالي بنموذج مصغر لسياسة السلطة المطلقة، وإعادة النظر في الدورة المالية، والتي باتت اليوم أنموذج لانفصال غير معلن عبر تعميم أصدره السيد/ إبراهيم أحمد الحوثي رئيس الرقابة على البنوك اليمنية، والقاضي بعدم التعامل مع العملات الورقية التي تم تداولها مؤخرًا جنوب اليمن، ومن فئات 500، وألف ريال. الجدير ذكره بأن الشخص نفسه  أي إبراهيم الحوثي، هو من شغر أكبر دوائر الاستثمار، والقروض في بنك التسليف التعاوني والزراعي أيام حكم الرئيس علي عبدالله صالح، وكذلك فترة إدارة مدير البنك من قبل السيد/ حافظ معياد. وبذلك يعد هذا الحوثي أول من قاد انفصال غير معلن في اليمن.

ليس هذا فحسب فميليشيا الحوثي تقوم بتقطيع الطرق الرئيسية الواصلة ما بين شمال اليمن، وجنوبها، خصوصًا طريق هيجة العبد الرابط تعز بلحج، وكذلك طريق الراهدة الرابط تعز بلحج، وكذلك عقبة ثرة الرابط البيضاء بأبين، وذات الحال للطريق الرابط إب بالضالع، وشبوة مأرب، وخط مأرب حضرموت عبر مرتزقة.

الجدير ذكرة بأن هناك تطور في منبع تمويل ميليشيا الحوثي، وذلك عبر شحنات  للمشتقات النفطية  تجاوزت 2 مليون طن مصدرها إيران  تفرغ في ميناء الحديدة بعد فتح اعتمادات بنكية مستندية وهمية L/C، وليست حقيقية بقدر ماهي مقدمة من طهران بالمجان كتمويل يمر بكل دهاء عبر منظومة الرقابة الدولية.

الانفصال خطوة الى الحل النهائي وليس هدفًا

الاستفتاء بحق تقرير المصير، والذي لو تم تنظيمه فعليًا، وبإشراف دولي، في المناطق الرافضة لكل من السلطة المطلقة  أو سلطة التكوينات السياسية سيكشف حقيقة القناعة المتواجدة لدى أبناء المناطق المشمولة بقرار مصيري كهذا، ويعري السلطة المطلقة، والتكوينات السياسية في اليمن، فمناطق ما قبل يمن 1990 لا تقبل بالوحدة مع الشمال ككل، والحديث عن الجنوب العربي، ومن جهة أخرى فالمناطق الواقعة تحت السلطة المطلقة منذ 1918 هي كذلك لا تقبل بالانقياد للشمال، والحديث عن تهامة، ومأرب، وتعز، والحجرية، ومناطق أخرى كثيرة، يبدو المشهد بأن اليمن، ومناطق الجنوب المحاددة للسعودية غير مقبولة لطيف واسع من الجنوب العربي، ومناطق الوسط، والحجرية، والجنوب، والساحل الغربي، ولا حتى من بوابة الفيدرالية، فالقضية بأنها السلطة المطلقة الممتدة منذ سنة 1918 في المناطق المحكومة لم تعد تجدي في إخضاع شعوبها مهما امتلكت أعوان، وعملاء، ومرتزقة، وتنظيمات حزبية لا وطنية بمزاعم وطنية حتى سنة 2015، وإن حتى كذلك تم تسكينهم في تلك المناطق التي احتلوها، ولم تعد تشكلية التكوين السياسي بمقدورها حكم المناطق في الجنوب العربي، ولا كذلك مناطق الارتباط التاريخية كالحجرية المجاورة في الساحل الجنوبي الغربي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد