فلسطين لشعبين والأرض ملك لشعب واحد، معادلة واضحة أثارت نزعتها الأمم المتحدة بشكلها الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، والتي كان على أثرها بروز مبادئ كالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، مبادئ قامت الأمم المتحدة بضخ العديد من القرارات اللازمة لتحقيق ذلك تبعتها العديد من علامات التعجب والاستفهام الواضحة على المفارقات والتطورات التي حدثت داخل أكناف القصر الدولي.

القرار 181 والذي ينص على إقامة وطنين (عربي ويهودي) عام 1947 حقق الجزء الأول منه بمبادرة دولية ألا وهو إقامة دولة يهودية على أراضي عربية بوجود طابور غائبين حاضرين على أرض الواقع، سابقة في القانون الدولي سجلتها الأمم المتحدة خاصة بعد تدشين استقلال دولة الاحتلال في ذاك العام، في حين القسم الثاني من القرار لم يتم العمل به حتى وقتنا الحالي واقتصر العمل به من خلال عمليات التسوية بين الجانبين، وتمهيدًا بعد ذلك لقبولها كعضو كامل في الأمم المتحدة واعتماد قرار 273 المنوط بذلك.

استمرت القرارات بالتوالي من قبل الأمم المتحدة والتي كانت تقتصر على الإدانة والتهدئة دون تدخل فعلي لوقف غطرسة الاحتلال على الأراضي التي كان من الموجب ان تكون فلسطينية بحتة، خاصة بعد وضع حجر الأساس (الاعتراف بإسرائيل كدولة) للكيان الإسرائيلي لتنفيذ مخططته على أرض الواقع.

بعد حرب 1967 طالبت الأمم المتحدة إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها بالحرب بقرار 242 والذي سبقه العديد من قرارات الهدنة، والتي كانت بلا شك لصالح الجانب الإسرائيلي لإعطاء الفلسطينيين والعرب الفرصة لإخلاء أراضيهم بعد كمية الدمار الذي أحدثته ضمن مخطط الترهيب والتهجير القسري بالقوة المفرطة، ليفرز بعد ذلك أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذين باتوا يحملون خيمهم أينما حلو وارتحلوا.

إسرائيل قامت بعرضها العسكري بالقدس كدليل وتحدي واضح للأمم المتحدة والتي صادقت بيدها على انضمام إسرائيل للأمم المتحدة، والذي أسفت عليه الأمم المتحدة بقرارها 252 لعام 1968 الخاص بالعرض العسكري بالقدس، بقيت القرارات في تلك الفترة مقتصرة على وضعية القدس، وهو الأسلوب الذي تعمدته إسرائيل لتقوية نفوذها في باقي الأراضي الفلسطينية، لتشتيت انتباه مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك من خلال فرض السيطرة في المناطق الأخرى ووضع القدس كصورة واجهة لأعمالها والتفرغ إليها بعد حين والتفرد بها وهو ما بات واضحًا في يومنا الحالي فكافة الطرق إليها مدشنة بالمستوطنات والجدران الإسمنتية.

بدأت إسرائيل توضيح المعالم وتحقيق أهدافها لوضع يدها الكاملة على الأراضي الفلسطينية بعد اجتياح جنين في عام 2002، وذلك من خلال التعتيم على العالم ووضع المدن الفلسطينية هذه المرة كواجهة لعمل خطة الضم الشاملة بدء من جنين فرام الله، ونابلس، وبيت لحم، وغزة، وأريحا، وذلك لفرض السيطرة على أراضي تلك المدن مع وضع كاميرات المراسلين في منطقة معينة لتغطية حدث صغير بالنسبة لهم، ولكنه ذو انعكاسات كبيرة (اجتياح جنين صورة والواقع ضم أراضيها، اجتياح رام الله صورة والواقع بناء مستوطنات بغلافها وهكذا)، خاصة بعد وضع يدها كاملة على القدس ومقدساتها.

والجدير بالذكر ان الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وبداية نهج الاستيطان شق طريقه منذ عام 1948، إلا أن ذلك لم يدفع الأمم المتحدة لتبني أي قرار واضح بشأن الاستيطان وتجريمه وإقرارها فقط بأن اتفاقية جنيف وثيقة متلازمة لما يحدث في فلسطين، وقرار محكمة العدل العليا أن الاستيطان جاء خرقًا لمبادئ القانون الدولي في عام 2016 ما هو إلا حبر على ورق دون آلية تنفيذ معينة وقرارات صارمة اتجاه الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

وإذا كانت المفاوضات بين الجانبين للتسوية ولبحث عملية السلام في المنطقة فهي مفاوضات غير مجدية وذلك لقوة طرف على طرف آخر مع وجود راع رسمي وحيد لهذه المفاوضات ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية وعليه اكتسبت الولايات المتحدة بذلك صفة طرف رسمي بالمفاوضات، فإن ميثاق الأمم المتحدة يمنع من كان طرفًا في النزاع بالتصويت على قرار ما وذلك حسب المادة 27 الفقرة الثالثة تحديدًا، وهو ما يدعي ضرورة إجراء تعديل كامل للميثاق بما يتناسب مع الظروف الحالية والأيديولوجية الموجودة لحل النزاعات بالطرق السلمية بشكل جدي.

شرعنه الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين جاءت بسواعد ودعم أوروبي وأمريكي بكافة الوسائل، وإن كانت بعض تلك الدول تدعم القرارات المؤيدة لصالح القضية الفلسطينية، هذا الدعم لم يكتف به الاحتلال فذهب للحوار الدبلوماسي وعقد الاتفاقيات مع العديد من الدول العربية والتي اعترفت بدورها بإسرائيل كدولة.

ممارسات التطبيع لم تقف عند حد الاعتراف فقط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك لتبادل تجاري واقتصادي بين دولة الاحتلال والعديد من الدول العربية، كان آخر تلك الاتفاقيات والتطبيع مع الإمارات العربية المتحدة، دعوة القيادة الفلسطينية لعقد اجتماع فوري لجامعة الدول العربية لم يؤت بثماره، فالجامعة تنصلت من القضية بشكل دبلوماسي واكتفت على التأكيد بأن القضية الفلسطينية هي الأهم أمام الشاشة، ولكن خلف الستار هناك العديد من السيناريوهات المرسومة من قبل القيادات العربية.

القضية الفلسطينية لطالما راهنت على شعبها، لا سيما بعد الاجتماع الأخير للفصائل الفلسطينية، والذي أكد على وجود الوحدة ولو بشكل ملموس داخل بيتها الصغير، مما وجه صفعة للاحتلال والمطبعين معه من خلال إعادة الوحدة والاعتراف بالدولة الفلسطينية غير المجزئة، لا سيما بعد تلويح الولايات المتحدة بعقد اجتماع بين الإمارات ودولة الاحتلال لتوقيع الاتفاقيات الرسمية بين البلدين، وبروز بعض الأخبار التي تؤكد وجود اتفاق بين العراق والاحتلال للتبادل بين الدولتين في مجالات كالزراعة والمعدات، وتأكيد بعض القيادات البارزة فتح سفارات دبلوماسية في كل من الإمارات وإسرائيل.

وبناء على ما سبق فإن الاحتلال الإسرائيلي عامل على ضم الأراضي الفلسطينية حتى ولو لم يتم الإعلان عنه، وما كان الإعلان إلا لإسكات بعض الجمهور داخل الكيان وتفعيل الخلايا النائمة داخل المجتمع الإسرائيلي، ومع ذلك فإن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على توفير ووضع كافة جهوده لامتلاك الأرض من طرد وتدمير وتشريد بالقوة وشراء الأراضي من المتعاونين معه وسن القوانين التي تسمح له بذلك.

وإذا كانت الأرض التي تم استملاكها مبنية على قسيمة شراء أي كانت المبررات والضغوطات الممارسة على البائع فهي لا تستثنيه من محاكمة نصها خيانة ونهايتها جدار ونفس ذاهبة، فإن الأرض ليست ملك شخص واحد حتى لو ثبت أنها له فهي ملك للكل الفلسطيني في داخل الوطن وخارجه، فهناك أسير، وجريح، وشهيد، ولاجئ، بذل ما يمكن في سبيل تلك الأرض.

وختامًا لذلك سياسة الاحتلال المبنية على إسقاط الفرع ووضع الداخل كصورة للمجتمع الدولي باتت تجني ثمارها وهذا ما بات واضحًا من خلال طرح فكرة الضم الكامل للأراضي الفلسطينية مع ترافع الأصوات حول صفقة القرن، وتنامي التطبيع العلني مع العديد من الدول العربية ودول أخرى كانت راعية وحاضنة للقضية الفلسطينية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد