ما هي حقيقة المقاومة الأمازيغية للفتح الإسلامي؟

يعيش العالم العربي ثورة حقيقة على جميع الأصعدة، فهو في مرحلة غليان حقيقي لإعادة تكوين نفسه، وهذه سياق طبيعي لتاريخ الأمم التي تصل القمة ثم تهبط للقاع لتبدأ مرحلة الثورة الفكرية والاجتماعية والتجديد بشكل عام. في عالمنا العربي الجميع يجاهد لإيجاد طريقه إلى التقدم، سواء عن طريق اتباع التجربة الأوروبية الحديثة – العلمنة – أو الأقدم مثل الثورة الفرنسية، أو حتى بالبحث عن العودة للتاريخ الإسلامي القديم. أحد هذه التيارات ترى أنه يجب التخلي عن شعارات مثل العروبة أو الإسلام، والذهاب لمسألة إحياء القوميات الأصغر مثل الكردية والأمازيغية، بل حتى بدأنا السماع عن إحياء القومية الفينيقية والفرعونية. أي أن الحل في استنهاض كل دولة، بل كل كيان لنفسه فقط بمنأى عن محيطه. ومن هذا الباب بدأت موجة تمجيد الماضي لهذه القوميات وتاريخها. وفي رأيي لا ضرر من ذلك، شريطة ألا نذهب لتطرف قومي من نوع آخر، فواقع مجتمعاتنا المتفرقة لا يحتمل تفتتًا آخر. لكن البعض ذهب بعيدًا في تطرفه القومي لدرجة تزوير التاريخ وقلب السياقات والحقائق فقط لتمجيد قوميته. ومن هذه الأمثلة الحديث المتصاعد عن شخصية الكاهنة التي تم تعظيمها بشكل لا يسع للتاريخ أن يستوعبه، وتم من التيار الإسلامي المتشدد شيطنتها وذمها بما ليس فيها.

الكاهنة يفترض أنها بطلة أمازيغية حاربت الفتح الإسلامي واستطاعت الصمود لسنين عدة، بل حققت عدة انتصارات مهمة في عدة معارك. وهذا في حد ذاته معلومة تاريخية دقيقة، لكن بلا سياق صحيح. وعند الحديث بشكل أكاديمي عن التاريخ فالسياق التاريخي يعتبر أهم من الحقيقة نفسها. فمثلًا لا يمكن اعتبار ملك عظيم مثل شارلمان أو هارون الرشيد حكام ديكتاتوريين بالنظر لمقاييس اليوم، فهم عاشوا في زمن مختلف لم تصل به علوم الإنسان للجهورية والأنظمة الديمقراطية الحديثة. بالعودة للكاهنة، من هي هذه الملكة المعروفة بالداهية أيضًا؟ وما هو السياق التاريخي لها؟ سأحاول عرض الحقيقة والسياق التاريخي بشكل حيادي معتمدًا على عدة روايات، وليس رواية واحدة فقط.

الحال قبل وصول المسلمين

لكي ندرك حقيقة الكاهنة يجب أن نعلم حال دولتها في ذلك الوقت. الكاهنة هي ملكة فقط لقبيلتها جراوة وبعض القبائل الأخرى التي تبعتها. وقد حكمت منطقة صغيرة تابعة لمملكة نوماديا التي تتبع بدورها للدولة البيزنطية. والحقيقة أن كل شمال أفريقيا كانت تحت الاحتلال البيزنطي في ذلك الوقت تحت ما يسمى بأكسرخسية أفريقيا. حيث مرت المنطقة بعدة حكام أجانب، سواء رومان، ثم قبائل جرمانية، وأخيرًا استطاع الإمبراطور البيزنطي جاستين الأول أن يستعيد المنطقة للحكم البيزنطي ليعيد أمجاد إمبراطورتيه. وبعد استعادتها من أيندي الوندال، عين جيناديوس الذي يأتي من سلالة عائلة باتريكيان الشهيرة من مدينة روما كأول حاكم للدولة الجديدة التي تتبع الإمبراطورية الرومانية (1). وبسبب اتساع الرقعة الجغرافية للإمبراطورية البيزنطية، فقد قرروا أن يعينوا حكامًا محليين ليتولوا إدارة الشؤون المحلية، خصوصًا أن لكل منطقة خصوصيتها التي قد لا يعلمها البيزنطيون القادمون من الشرق البعيد (قسطنطين). فكان هؤلاء الحكام التابعين يقومون بجمع الغلل والضرائب وإرسالها للإمبراطور، كما يقومون بجمع العبيد والجيوش وإرسالهم وقت الحرب للخدمة تحت راية الإمبراطورية البيزنطية. ولما كان النظام الأمازيغي قبليًا، فقد وجب على البيزنطيين اختيار قبيلة تتولى السيطرة على القبائل الأخرى (ست قبائل رئيسة). ويقال إن الداهية – الكاهنة – كانت من قبيلة جراوة. وقد سبق حكم الكاهنة بحوالي 20 عامًا عصيان عام من قبل السكان المحليين ضد الحكم المستبد للرومان، وخصوصًا الضرائب المرتفعة جدًا إلى جانب محاولتهم فرض العقيدة المسيحية على السكان المحليين (2). على العموم، كانت هناك عدة قبائل متمردة على البيزنطيين وحكامهم المحليين بما فيهم كسيلة (ملك نوماديا). من هذه القبائل لواتة ونفوسة وهوارة، التي كانت تسكن في محيط برقة وطرابلس، واتفقت معظم المصادر – البلاذري وابن خلدون والشطيبي وهنري فورنيل – أن هذه القبائل البربرية أرسلت للمسلمين بعد دخولهم الإسكندرية، رسولًا يعرض على المسلمين القدوم ودخول المدن دون قتال وهذا ما حصل (3)(4). ويرجع ذلك حسب المؤرخين لعدة أسباب: أن هذه القبائل التي حاربت البيزنطيين وأعوانهم قد تعبت ورأت في المسلمين الخلاص من حكم البيزنطيين الجائر الذي كان يسلبهم مالهم وشبابهم ومصادر رزقهم. ثانيًا أنهم كانوا في حالة ضعف بعد أن استنفدوا قوتهم في عدة ثورات، خصوصًا أنهم علموا بقوة المسلمين الكاسحة بعد انتصارهم على البيزنطيين والفرس. ثالثًا سياسة اللين التي استخدمها الخليفة المسلم عمر بن الخطاب مع المناطق المفتوحة، حيث أمن السكان على مالهم وعرضهم، وترك لهم الحرية الدينية. ويقول المؤرخ الفرنسي فورنيل أن البربر كان منهم كثير ممن يدينون بالمسيحية، واستبشروا خيرًا عندما علموا اتفاق عمر بن الخطاب مع قساوسة القدس الذي ترك لهم حرية العبادة ومنع المسلمين من مس كنائسهم، على عكس البيزنطيين الذين أرادوا إجبار السكان المحليين على دين معين.

نبدأ بكسيلة الذي استجمع القوات البيزنطية التي تفرقت بعد هزيمتهم أمام المسلمين وموت قائدهم جريجوري وبعض القوات من الأمازيغ الذين لم يدخلوا الإسلام، خصوصًا قبيلة البرانس التي كانت الحليف التاريخي للرومان. واستطاع كسيلة تحقيق بعض الانتصارات قبل أي يهزم على يد جيش المسلمين المكون من العرب والأمازيغ الذين انضموا لهم. وقد تم أسر كسيلة، وفي أول الأمر تم معاملته بشكل حسن من قبل القائد الإسلامي أبي المهاجر بن دينار، ولذا فقد أعلن كسيلة إسلامه. وترك المسلمون كسيلة كحاكم مدني، وخصوصًا على القبائل التي لم ترد الدخول في الإسلام، وفي هذه الفترة بدأت أعداد كبيرة من الأمازيغ في الدخول في الإسلام نظرًا لحسن المعاملة والحكم العادل. للأسف بعد وصول يزيد بن معاوية للحكم سنة 60 هجرية قام بإرسال عقبة بن نافع ليستبدل ابن دينار، حيث أراد يزيد أن يحصل على المزيد من المال ولم تعجبه طريقة أبي المهاجر اللينة. وفور وصول عقبة لولاية أفريقيا قام باعتقال أبي المهاجر، وبدل سياسته اللينة وأخذ في رفع الضرائب وإذلال كسيلة والتعامل معه بقسوة. وهكذا بدل كسيلة ولاءه، وقام بالانقلاب على المسلمين ومحاربتهم. يقول بعض المؤرخين المسلمين أن كسيلة في الحقيقة دخل الإسلام من باب الغدر، وعينه على الفرصة التي سينقلب بها عليهم، ولكن الحقيقة الأقرب مخالفة لهذا الاعتقاد حيث إن كسيلة عمل على إقناع قبيلته بالدخول في الإسلام وحارب رجالته لصالح المسلمين. لقد دخل كسيلة وقبيلته الإسلام حين شاهدوا عدل وسماحة المسلمين في مقابل معاملة البيزنطيين لهم على أساس أنهم عبيد أو مواطنون درجة ثانية، لكن حين تغير المسلمون وأصبحوا طغاة فمن الطبيعي انقلابه وقومه عليهم.

بعد انقلاب كسيلة، نجح في استرداد بعض المدن من أيدي المسلمين وتم قتل عقبة بن نافع في أحد المعارك، ولذا أدرك المسلمون أن عليهم تغيير سلوكهم في المنطقة حتى لا يخسروا القبائل الأمازيغية التي دخلت الإسلام وأضحت تحارب ضمن جيوشهم حتى بعد خروجهم من بعض الأراضي (5). وقد تم ذلك بعد أن وصل عبد الملك بن مروان للحكم، فأعاد سياسة اللين مع الأمازيغ وجهز جيشا من العرب والأمازيغ – خصوصًا من قبيلة البتر الجنوبية التي حاربت مع المسلمين منذ البداية – لمحاربة كسيلة والرومان الذين قد أعادوا احتلال عدة مدن، وقد كان ذلك في معركة الممس سنة 69 هجرية (688م). وانتصر المسلمون على جموع البربر والبيزنطيين – الذين تم إرسالهم من قسطنطينة – بقيادة كسيلة الذي لقي حتفه في المعركة. وقد فاق عدد جيش المسلمين جيش كسيلة، لأن العديد من الأمازيغ لم يكونوا يودون أن يعود البيزنطيون للحكم مرة أخرى. وقد كان لرجوع البيزنطيين إلى معظم المدن الساحلية وإعادة احتلالها وقعًا سيئًا على الأمازيغ، لكن المسلمين استطاعوا بيسر أن يدمروا هذه القوى البيزنطية بعد أن هزموا كسيلة.

بعد وفاة كسيلة أصبحت المنطقة خالية من أي مقاومة بربرية منظمة. وهنا يجب التأكيد على أنه لا علاقة بين كسيلة والكاهنة. فالأول من قبيلة البرانس في قرطاج أما الكهانة فهي من قبيلة جراوة البترية في الأوراس. العلاقة الوحيدة هي أن الكاهنة قد أخذت شعلة المقاومة المنظمة من كسيلة فقط. وهنا أحب أن أفند أسطورة أن الكاهنة حكمت كل المناطق بعد قرطاج، فهي لم تحكم سوى منطقة محدودة في الأوراس، ولم تحكم سوى قبيلتها وعدد قليل ممن انضموا إليها من القبائل المجاورة. لقد كانت الداهية واحدة من عدة حكام أمازيغ محليين في المنطقة. يقول ابن خلدون عن فترة ما بعد كسيلة: واضطربت أفريقيا نارًا، وافترق البربر وتعدد سلطانهم في رؤسائهم، وكان من أعظمهم الكاهنة داهيا بنت ماتية بن تيفان ملكة جبال أوراس، وقومها من جراوة ملوك البتر وزعمائهم. (9)

الكاهنة في الحكم

لقد تولت الكاهنة حكم قبيلتها جراوة قبل وفاة كسيلة، وذلك بعد أن توفى عنها زوجها تاركًا لها ولدين قصر. من المفترض أن يقود القبيلة أحد أبناء الكاهنة حيث إن العرف الأمازيغي أن يتولى رجل الحكم، ووفقًا للمصدر الوحيد الذي يتحدث عن وصولها للحكم، فقد تولت داهية الحكم لكونها أم ولاة العهد ولها السيطرة الكاملة عليهم. وقد قبلت قبيلتها حكمها بسبب الوقت العصيب وخطر المسلمين، وبسبب ظهور الكاهنة كقارئة للمستقبل ومحاربة شرسة وشخصيتها القيادية. وفعلًا استطاعت إعادة تنظيم جيشها وما تبقى من جنود بيزنطيين وبدأت في انتهاج سياسة الأرض المحروقة التي يقال إنها أجبرت السكان على حرق مزارعهم ومساحات واسعة من الأراضي كي لا يجد المسلمون أي غنائم أو مصادر غذاء أو مال. وقد كانت تعتقد أن المسلمين قدموا فقط من أجل نهب بلادها، لذا فكانت هذه السياسة أهم خططها الاستراتيجية التي أدت فعلًا لانتصارها بمساعدة البيزنطيين على المسلمين في عدة معارك طاحنة. الغالب في معظم المصادر أن الكاهنة لم تتدخل قبل وفاة كسيلة في أي حراك ضد المسلمين، فهي لم تقم بالقتال سوى عند مسير حسان بن النعمان للقائها، وبذلك أرادت دفع خطره عن حكمها في المنطقة. المهم، أمام هذه الهزائم تراجع العرب لقرطاج إلى حين وصول المدد من مصر. وفي أحد المعارك تم أسر 80 جنديًا مسلمًا، والمصادر الإسلامية تجمع على أنهم تلقوا معاملة حسنة من الكاهنة. وقد أحبت الكاهنة أحد هؤلاء الجنود ويسمى خالد بن يزيد فقررت تبنيه ويقال إنها أرضعته لكي يصبح أخًا حقيقيًا لأبنائها (7).

فأحسنت ديهيا أسر من أسرته من أصحابه وأرسلتهم إلا رجلًا منهم من بني عبس يقال له خالد بن يزيد فتبنته وأقام معها (8) يقول ابن الحكم.

لقد ظهرت الكاهنة فعلًا كقائدة صلبة وشجاعة، والفريد أن المصادر الوحيدة لقصة الكاهنة لم يدونها سوى المؤرخين المسلمين! أي أن أعدائها هم من وصفوها بالمحاربة الشرسة والحاكمة الذكية وقد أعجبهم مدى تأثيرها على قبيلتها. وقد سميت الكاهنة لأنها كانت تحمل صنمًا تبخره قبل كل معركة، ولأنهم يعتقدون أنها تعلم الغيب لأنها كانت تعلم بتحرك جيوش المسلمين قبل وصولهم. الحقيقة أنها كانت تعلمت فنون التعامل مع الطيور فدربتهم على إعطاء إشارات معينة عند وجود حركة في مكان ما. وهنا وجب تفنيد أسطورتين للأسف يرددها بعض المتشددين الإسلاميين أنها كانت يهودية أو أن أصولها من عائلة جير من بني إسرائيل. والحقيقة أنه هذه أسطورة مزيفة وضعها المؤرخ الصهيوني شلومو ساند والذي اقتبس عن الصهيوني الآخر سلوشتز أن الكاهنة هي أميرة يهودية، ولم تظهر هذه المعلومة سوى عام 1933! مرة أخرى لا توجد أي مصادر عن الكاهنة سوى من قبل المؤرخين المسلمين، وتجمع المصادر على أنها وثنية تتبع دين محلي. وقد بنى الكاتب الصهيوني روايته بناء على معلومة قديمة جدًا تقول إن هناك يهودًا هاجروا لمنطقة المغرب العربي في فترة سبقت الإسلام، وأن لقب الكاهنة قد يكون يهوديًا، وهي كلها خرافات ليس لها أي سند تاريخي! بل إن حتى الكاتب الصهيوني الذي كتبها قالها اعتمادًا على احتمالية أن اسمها قد يكون يهوديًا، لكن يتبجح الإسرائيليون في مخيلتهم المزيفة وينشرون مقالات منها في جيروساليم بوست على ملكتهم اليهودية المزعومة. المهم أن الحقيقة التاريخية الثابتة أن هذا كذب لا أكثر، ومحاولة صهيوني استعمارية للتقارب مع الأمازيغ ومحاولة تفريق الشعوب العربية باللعب على الاختلافات العرقية.

النهاية

بعد أن انتصرت الكاهنة في عدة معارك، بفضل سياسة الأرض المحروقة ودعم البيزنطيين من خلال قتالهم المسلمين في نفس الوقت. وقد أعاد البيزنطيون تنصيب حاكم عسكري جديد للمنطقة، وبقيت مدن ما بعد قرطاجة في أيدي البيزنطيين والكاهنة لمدة خمس سنوات متواصلة، لكن الأمور في شمال أفريقيا لم تعد مثل ما كانت، فالمسلمون القادمون من الشرق كانوا قد كسبوا ولاء الكثير من سكان المنطقة ودخل الإسلام عدد كبير من القبائل. أضف أن سلوك الكاهنة في اتباع سياسة الأرض المحروقة، بالإضافة لتحالفها مع البيزنطيين قد جعل الكثير من القبائل تنقلب ضدها. فقد أدت هذه السياسة لتشريد الناس، وخسارتهم أراضيهم، في حين أن الكاهنة لم تكن قد أسست دولة وبيت مال، لذا لم تكن هناك آلية لتعويض الناس. أضف لذلك أن السكان المحليين (أمازيغ وعرب وأفارقة) كانوا يولون العداء الشديد للمحتل البيزنطي الذي نهب خيراتهم وعاملهم كعبيد لعدة قرون، في حين أن المسلمين كانوا أكثر تسامح ولم يستعبدوا الشعوب التي خضعت لهم في ذلك الوقت. وقد اعتبر الكثير من السكان المحليين أن تحالف الكاهنة مع المحتل، بل تعيين حاكم بيزنطي مرة أخرى بمثابة الخيانة، خصوصًا أن البيزنطيين دائمًا ما يهربون تاركين المدن لمصيرها عند حدوث أي هزيمة، وهذا ما حدث في قرطاجة فعلًا حيث إن الروم فروا من المدينة على سفنهم باتجاه جزر إيطاليا دون التفكير في مصير السكان. لذا كانت خسارة الكاهنة مسألة وقت فقط. وللتوضيح، فالكاهنة كانت تحارب منفردة دون دعم من البيزنطيين، لكن التحالف يقع في أنها والبيزنطيين اتفقوا على محاربة المسلمين، ويشير مصدران أنها حاربت البيزنطيين وهذا محل خلاف؛ لأن الحصن باغاية الذي بناه الروم لم تكسبه الكاهنة بالحرب، بل بهروب البيزنطيين منه، وعندما هدمته فهي لم تفعل ذلك من خلال حرب، بل كعمل استراتيجي لكونها لا تريد أن يستخدمه المسلمون كحصن لهم. أيضًا بعد انتصار الكاهنة في معركة نينى وتراجع المسلمين، لم تقم بالدخول لمدينة القيروان وهذا دليل عدم إقامتها دولة وتركتها للبيزنطيين.

في الجانب الآخر أدرك الخليفة الأموي قوة الكاهنة وتعزيزات البيزنطيين في المنطقة فبعث بجيش قوامه 40 ألف جندي من العرب وسكان مصر وقبائل الأمازيغ لتدمير البيزنطيين بشكل كامل ونهائي والتخلص من أعوانهم، وخصوصًا الكاهنة التي ذاع صيت انتصاراتها. وقد قابل جيش ابن النعمان سنة 81 هجرية أهالي المناطق بالترحاب، بل بالمدد، خصوصًا في طبرقة وقابس، ويتفق معظم المؤرخين على هذا (10) (11). وقد لعب خالد بن يزيد الذي تبنته الكاهنة دورًا محوريًا في الصراع، حيث إنه أمد الجيش الإسلامي بالمعلومات المهمة، خصوصًا عن حالة السكان المحليين، وقد بعث خالد لابن النعمان يحثه على الإسراع في القتال حيث إن من بقي من الأمازيغ مع الكاهنة قد سئموا منها ومن سياستها. في نفس الوقت كانت الكاهنة تعلم أن مصيرها هو الهزيمة، فهي كانت تواجه في السابق جيوشا من 4 آلاف جندي فقط، أما اليوم فقد انفض تحالف الأمازيغ من حولها وضاعف المسلمون جيشهم 10 أضعاف منهم الكثير من حلفاء الأمس. فقامت الكاهنة بالطلب من خالد بن يزيد أن يأخذ الأمان لأولادها من ابن نعمان. فلما كان الليل، قالت لابنيها: إني مقتولة. فقال لها خالد وأولادها ما نحن صانعون من بعدك؟ فقالت: أما أنت يا خالد فتدرك ملكًا عظيمًا… أما أولادي فيدركون سلطانا مع هذا الرجل الذي يقتلني، ويعقدون للبربر عزًا. ثم قالت: اركبوا واستأمنوا منه. ابن عذارى.

وهنا أود تفنيد مزاعم أن خالد بن يزيد خان الكاهنة. أولًا خالد لم يرتد عن إسلامه أبدًا وظل وفيًا للخلافة، ولم يقل أبدًا للكاهنة إنه سيحارب من أجلها. ثانيًا رغم ولائه للمسلمين إلا أنه لم ينس المعاملة الحسنة وقد حاول التوسط بين الكاهنة وحسان بن نعمان، لكن الكاهنة رفضت خوفًا من أن ينفض من بقي من قبيلتها حولها. وفي الأخير نجح في التوسط عند ابن نعمان لأولاد الكاهنة، حيث لم يكتف ابن نعمان بالعفو عنهم، بل قربهم وعينهم قادة في جيشه، بل أبقى ابنها الأكبر رئيسًا لقبائل البتر، وهذا كان هدف الكاهنة منذ البداية. وهذه الرواية يتفق فيها المؤرخون العرب والفرنسيون مثل فورنيل وجوتييه. وفعلًا دخل ابنا الكاهنة الإسلام بطلبهم، في حين حاربت أمهم الكاهنة المسلمين لآخر مرة في قابس وهزمت هناك. هربت الكاهنة لجبال أوراس ومن ثم لبئر الكاهنة – تقول مصادر أخرى طبرقة – لكن حسان لقيها هناك وقتلها. يقول المؤرخ الفرنسي جوتييه: ولم تبق إلا ضربة صغيرة تنفض عن البلاد هذا الخيال البيزنطي الذي استقر في قرطاجة. وفعلًا بعدها توجه المسلمون لقرطاجة حيث أخرجوا آخر جيوش المحتل البيزنطي من المنطقة إلى الأبد.

قصة الكاهنة فيها معاني جميلة، وفعلًا هي شخصية قوية يمكننا الإعجاب بها، لكن تحويلها لقصة كفاح قومية للأمازيغ هو شيء غير صحيح. الكاهنة لم تحارب لاستقلال الأمازيغ، بل حاربت ليبقى الأمازيغ تحت الاحتلال البيزنطي الذي كان على تحالف معها. بل إن معظم القبائل الأمازيغية في ذلك الوقت كانت تحارب ضمن جيوش المسلمين الذين عاملوهم بشكل حسن، وأصبحوا قادة جيوش ومناطق لأول مرة، وهو شيء حرمهم منه الرومان والجيرمان والبيزنطيين. الكاهنة ليست شريرة وليست قديسة، هي شخصية دافعت عن حكمها وحكم قبيلتها وليس عن الأمازيغ كما يردد البعض. وفي نفس الوقت لم تكن مشعوذة، ولا يهودية، ولم تكن سيئة، بل إنها عاملت الأسرى المسلمين بشكل جيد، ولم تقبل أن تستسلم خوفًا من العار حتى عندما أيقنت أنها النهاية.

المصادر

1- Martindale, John R., ed. (1992). The Prosopography of the Later Roman Empire: Volume III, AD 527–641. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-20160-8.

2- 1- مُؤنس، حُسين (1410هـ – 1990م). تاريخ المغرب وحضارته من قُبيل الفتح العربي إلى بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر (الطبعة الأولى). جدَّة – السُعوديَّة: الدَّار السُعوديَّة للنشر والتوزيع. صفحة 70.

3- Les Berbers : étude sur la conquête de l’Afrique par les Arabes, Henri Fournel, 1857. Pp 217-218

4- مُؤنس، حُسين (1366هـ – 1947م). فتح العرب للمغرب (PDF). القاهرة – مصر: مكتبة الآداب بالجماميز. صفحة 54 – 55

5- ابن الأثير الجزري، عزُّ الدين أبي الحسن عليّ بن أبي الكرم الشيباني؛ تحقيق: أبو الفداء عبدُ الله القاضي (1407هـ – 1987م)

6- إبن خلدون كتاب العبر الجزء السابع ص 12.

7- كتاب البيان المغربي في اختصار اخبار ملوك الاندلس والمغرب، احمد بن محمد العذاري، ج١ ص٦٣

8- ابن عبد الحكم، فتوح أفريقيا والأندلس ص63

9- ابن خلدون كتاب العبر ج6، ص 109

10- النويري نهاية الأرب ص 79

11- ابن عذارى، بيان المغرب ص 23

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد