كنا تكلمنا في المقالات السابقة عن: لماذا نحرم زواج بنات المسلمين من أهل الكتاب؟ وكذلك وضحنا المحرمات على الرجال من المسلمات. وفي نفس السياق وضح لي متابع أنني لم أذكر ما يلي: المحرمات باللعان، والمطلقة ثلاثًا.

نعم، هذا لأن الحالتين السابقتين هما من الطلاق، وهذا يعنى الزواج والدخول بالمرأة قد وقع، وكنت أتكلم عن التحريم قبل الدخول. وما مصادر التحريم التي أخذت منها وفرقت بها بين هذا وذاك؟

إنها الشريعة!

وما دخل الشريعة بما كنا نقول؟ هذا التباس في الأمر، وقصور في المضمون، لقد تلخصت الشريعة في ذهن الناس بمعنى الحدود والعقوبات فقط، فيجب أن نعرض لها بالتفصيل قبل أن نخوض غمار موضوعنا القادم الصادم: الطلاق.

الشريعة في اللغة

تطلق على أمرين: الطريق المستقيم، ومنه قول الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

ومورد الماء الجاري الذى يقصده الخلق للشرب. وبهذا يكون مصدر إلهامنا مورد ماء (يروينا) على طريق مستقيم.

الشريعة في الإصلاح «يعنى المدلول للفظ شريعة».

هي مجموعة الأحكام التي وضَحَها وسار على دربها نبي من الأنبياء.

الأحكام: إما تخص الاعتقاد والمعرفة بالإله والغيبيات. أو أحكام عملية يعملون بها، ويتصفون بها، فيسعدون في الدنيا والآخرة.

بِإضافة لفظ الإسلام إلى الشريعة فإننا نقصد الشريعة الإسلاميّة: ما نَزل به الوَحي على محمد – صلى الله عليه وسلم – من الأحكام التي تُصلِح أحوال الناس في الدنيا والآخرة، سواءً في ذلك الأحكام العقائديّة، أو الأحكام العمليّة، أو الأخلاق، فعليه تنقسم أحكام الشريعة الإسلامية إلى:

الأحكام الاعتقادية:

هي الأحكام المُتعلّقة بذات الله عزّ وجلّ وأسمائه وصفاته، ويُطلق عليها الإلهيات، وكذلك الأحكام المُتعلّقة بالإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ويُطلق عليها النبوّات، والأحكام المُتعلّقة بالإيمان بالملائكة، وبالكتب السماويّة، وباليوم الآخر، والحساب والبعث، والجنّة والنار، إلى غير ذلك من الأمور الغيبيّة.

الأحكام الخُلقية:

بند من الأحكام العملية.

هي الأحكام التي تتعلّق بتهذيب النفس وتزكيتها، والتي يتوجّب على الإنسان التحلّي بها مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، والعفو، والصبر، والتواضع، إلى غَير ذلك من الأخلاق والفَضائل، وأن يبتعد عن الرّذائل مثل: الكذب، والخيانة، والتكبّر.

الأحكام العمليّة أو ما يُسمّى بعلم الفقه

هي الأحكامُ العَمليّةُ التي تُنظّم علاقة الإنسان بِربّه مثل: العبادات، والأحكام التي تُنظّم علاقة الإنسان بغيره من الأفراد والجماعات، والأحكام التي تُنظّم عَلاقة الدولة بِغيرها من الدول.

الفرق بين الشريعة والفقه

هناك مجموعة من الفروق بين الشريعة والفقه تتمثّل بالآتي: لفظ الشريعة أعمّ وأشمل من لفظ الفقه؛ فالشريعة تشمل جميع الأحكام التي هي: الأحكام العقائديّة، والأحكام الأخلاقيّة، والأحكام العمليّة، أمّا لفظ الفقه فهو يَشمل الأحكام العمليّة فقط.

تُعدّ الشريعة هي الأحكام التي أنزلها الله سبحانه عزّ وجلّ على رسوله محمّد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم أو في السنّة النبوية؛ أي إنّ الشريعة الإسلامية قائمةٌ على الوحي فلا مَجال للرّأي فيها، أمّا الفقه فأحكامه تنقسم لقسمين:

أحكام مستفادة من النص دون بحث مثل: قول الله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) فالآيةواضحةٌ وصريحةٌ في المُحرّمات من النساء فلا يحتاج إلى بحثٍ واجتهادٍ في مَعرفتهن.

أحكام مستنبطه من النص

يَستنبطها ويَستخرجها الباحث من خلال استقرائِه للنّصوص الشرعية، وهذا القسم من الأحكام أكثر من القسم الأوّل، وذلك بحُكم كَثرة الحوادِث والمُستجدّات. كالوصية الواجبة ليرث الحفيد يتيم الأب في جده على سبيل المثال.

وللشريعة الإسلامية خصائص تفردت بها

1/ الوسطية والعدل.

2/ معصومة: لأنها إلهيه ربانية من الله عز وجل صاحب السلطان، الذى له حق التشريع منزهًا عن الهوى والميل، فهذا هو ضمان العدالة، وتأكد العدل لأنها مستقرة وكاملة.

3/عالمية: لأنها من الله عز وجل فقد جاءت للناس كافة بكل أجناسهم وبكل أطيافهم.

4/ شاملة لكل شئون الحياة: حيث إنها تتعايش الإنسان جنينًا، وطفلًا، وشابًا، وشيخًا، وتكرمه ميتًا.

5/ حاكمة على كل تصرف من تصرفات الإنسان في هذه المراحل كلها، بالوجوب، أو الحرمة، أو الكراهة، أو الندب، أو الإباحة، وفي كل مجالات الحياة من عملية، وعقائدية، وأخلاقية.

6/ واقعية: حيث إنها راعت كل جوانب الإنسان البدنية، والروحية الفردية، والجماعية، كما أنها راعت التدرج في مجال التربية. (التدرج هذا قد يوحى بالمرونة؛ فيسع كل الأمم والأماكن).

ملحوظة في غاية الخطورة لا بد أن ندركها، المرونة والتدرج شيء، والتطور شيء آخر؛ لأن التطور فكرة مرفوضة بالكلية من الأساس.

7/ الجزاء في الشريعة الإسلامية في الحياة الدنيا، والحياة الآخرة.. حيث إن الجزاء من جنس العمل.

8/ السماحة واليسر: وهذا أجمل ما في الشريعة فكل أوامرها في المستطاع من حيث التكليف، فتجد كل الفرائض في الوسع والطاقة، إلحاق الرخص بالفرائض، انحصار المحرمات، إباحة المحظورات عند الضرورات.

ومما سبق يتضح لكل عاقل أن الشريعة صالحة على الدوام.. كيف وجوهر الإنسان هو التغير واساس الشريعة هو الثبات؟

على هذا نلتقي في الأسبوع القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد