إن أهم ما تقوم عليه العملية الديمقراطية في أي دولة هو التمثيل الشعبي عن طريق الانتخاب ومبدأ الفصل بين السلطات وهما من آليات البناء الديمقراطي؛ بقصد ألا تتغول سلطة على الأخرى وتؤدي كل سلطة واجباتها دون تدخل أو وصاية من جهة أخرى، ولتستقيم العملية الديمقراطية فإن مبدأ الفصل بين السلطات يشمل كل ما يمكن أن يؤثر على أعمال وقرارات السلطات الأخرى، وأقصد هنا في التحديد العلاقة بين السلطة التشريعية (البرلمان) والسلطة التنفيذية (الحكومة وأجهزتها).

المتابع للحالة الأردنية يجد أن النظرة لوظيفة النائب في البرلمان الأردني تعدت المقصد الأساسي وهي الرقابة والتشريع وأنه تم تحجيم هذا الدور، فأصبح هم النائب البحث عن الامتيازات الخاصة والمصالح الشخصية، فلا ينسى الشارع الأردني كيف أن مجلسي الأعيان والنواب قد صوتوا لصالح مشروع تعديل قانون التقاعد المدني ليمنح بموجبه للنواب رواتب تقاعدية مدى الحياة في دولة تعتمد في موازناتها على المنح والمساعدات الخارجية، وقد تعدت المديونية فيها حوالي 36.95 مليار دولار مع نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي وهو ما يعادل 95.6% من الناتج المحلي الإجمالي! وقد تم رد مشروع القانون تماشيًا مع إرادة الشارع الذي كان ساخطًا على أداء البرلمان حينها.

من المضحك الذي يدعو للاستغراب أن يعرض التلفزيون الأردني وقائع جلسات مجلس النواب على قناته الرياضية! وكأن جلسات المجلس عبارة عن مباريات يشاهد المواطن الأردني من خلالها ألسنة النواب وهي تتنافس في إظهار عيوب السلطة التنفيذية لكن تخور عزيمة أيديهم عند حجب الثقة عنها، ليرى المواطن الأردني حوار النخب وهي تستخدم أيديها وأرجلها للاستدلال على صحة وجهة نظرها، ناهيك عن رياضة الرماية بالمكتات والكاسات وزجاجات الماء ومحاولة استخدام الأسلحة النارية.

كما أن الأداء الهزيل لمجلس النواب في المسائل التي تمس المواطن مباشرة كارتفاع أسعار المواد الغذائية وفرض ضرائب جديدة عليه، وعدم محاسبة الفاسدين، وغيرها من القضايا التي تدخل في صلب عمل مجلس النواب لعب دورًا في إسقاط هيبته عند المواطن الأردني، مما دعا أحد النواب ليقول اعلموا أيها الشعب أننا لا نناقش همومكم ولا احتياجاتكم ولا مطالبكم.

لصالح من يتم إسقاط هيبة مجلس النواب، وتسويقه للشارع الأردني بهذا الشكل الهزيل؟!

إن دستور المملكة الأردنية ينص على أن نظام الحكم هو نيابي ملكي وراثي، والدستور حين قدم النيابي على الملكي بمعنى أنه أقر أن الشعب شريك في الحكم عن طريق مجلس النواب.

لقد لعبت السلطة التنفيذية الدور الأبرز في إضعاف دور البرلمان وتحجيم أداء النواب منذ بداية التجربة النيابية إبان عهد الإمارة إلى الآن، من خلال حل المجالس التي تعارض الأداء الحكومي ومن خلال سن الأنظمة والقوانين المقيدة مثل قانون الصوت الواحد سيء الصيت، فقد أنشبت أظفارها في السلطة التشريعية، كما وتدخلت أجهزتها الأمنية أكثر من مرة في مجريات العملية الانتخابية بطريقة سافرة، لتنتج مجالس هزيلة ضعيفة لا يمكنها ممارسة دورها بالشكل المطلوب.

وعلى واقع المطالبة بالإصلاح إبان الربيع العربي، وفي نسخته الأردنية جاءت فكرة الحكومة النيابية وعليه تم تشكيل حكومة النسور الأولى فكانت تجربة يتيمة مع الضعف الواضح في إخراجها، بل رأينا كيف تم تشكيل حكومة الملقي قبل انتخاب مجلس النواب الحالي ليتم وأد هذه التجربة.

لقد فهمت السلطة التنفيذية أن مشاركة الشعب في الحكم تكون من خلال انتخاب برلمان تتحكم فيه بسلب إرادة النواب وإضعاف دوره في محاسبة ومراقبة أداء السلطة التنفيذية! ويفهم الشارع الأردني أن المشاركة في الحكم تكون من خلال تمكين حقيقي للشعب في اختيار نوابه وتفعيل الحياة الحزبية، وتمكين الأحزاب من عرض برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليختار الشعب من بينها، والكتلة الأكبر في البرلمان هي من تشكل الحكومة، وهذا أقرب التصورات لتكيف ما نص عليه الدستور.

إن الحالة السياسية في الأردن ليست مستعصية على الفهم، لكن تنقصها فرصة حقيقية للمشاركة في صنع القرار، والشعب الأردني على دراية كبيرة وفهم لما يدور حوله من أحداث، ويمكنه بكل ثقة أن يساهم في إثراء العملية السياسية، إن السلطة التشريعة هي أحد الأعمدة التي يقوم عليها الحكم في الأردن، والعمل على إضعافها من خلال تسلط السلطة التنفيذية عليها أو من خلال التعمد في إسقاط الهالة القدسية عنها؛ لا شك أنه سوف يؤثر في بنية مؤسسة الحكم على المدى البعيد. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد