بموجب مرسوم الانتخابات الذي أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم 15 يناير (كانون الثاني) 2021 ستجرى الانتخابات التشريعية بتاريخ 22 يونيو (حزيران) 2021، والانتخابات الرئاسية في 31 مارس (أذار) 2021، وستكون نتيجة الانتخابات التشريعية المرحلة الاولى في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، على أن يستكمل في 31 أغسطس (آب) 2021 وفق النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والتفاهمات الوطنية، بحيث تجرى انتخابات المجلس الوطني حيثما أمكن.

وما أن تم الإعلان عن مرسوم الانتخابات حتى بدأت أصوات الكثيرين في حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» تتعالى لخوض الانتخابات، سواء أكانت التشريعية أو حتى الرئاسية، ولكن موقف حركة فتح بخصوص الانتخابات والتصريحات تفيد بأن الحركة ستخوض هذه المعركة «بقائمة موحدة»، وكذلك قررت منع كوادرها من الصف الأول الجمع ما بين عضوية اللجنة المركزية والمجلس التشريعي دون تقديم استقالاتهم من مواقعهم التنظيمية فيها.

يبدو أن قرار الحركة بالالتزام بقائمة موحدة أثار حفيظة أعضاء في اللجنة المركزية وكذلك أشخاص كانوا بارزين من السابق في الحركة وتم تنحيتهم أو تهميشهم إن صح التعبير في فترة ولاية الرئيس محمود عباس، وبما أن مرسوم الانتخابات قد صدر، ويبدو أنه لا يمكن الرجوع عنه، أو على الأقل لا يمكن التراجع عن الانتخابات التشريعية؛ بدا الكثيرون ما بين ثائر على الحركة، وما بين من يرى نفسه قد ظلم، وهذه هي الفرصة المناسبة لاستعادة مكانته التي كانت أو يستحقها.

شرذمة فتح في صالحها

بالرغم من عدم تخطيط حركة «فتح» لفكرة شرذمتها؛ ستكون الشرذمة في هذه المرة لصالحها، كيف!

تختلف الانتخابات التشريعية التي ستجرى يوم 22 يناير 2021 عن التي جرت في يناير من عام 2006، والتي منيت فيها حركة فتح هزيمة كبيرة من حركة حماس التي حصلت على 76 مقعد مقابل 43 مقعد لفتح، وكان السبب المركزي فيها هو تشرذم حركة فتح والنظام الانتخابي الذي كان يقسم الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة إلى 16 دائرة انتخابية. وبموجب القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وحسب المادة الرابعة منه في الفقرة الأولى «يتم انتخاب أعضاء المجلس في انتخابات عامة حرة ومباشرة بطريق الاقتراع السري على أساس التمثيل النسبي الكامل «القوائم» باعتبار الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة.

وعبارة دائرة انتخابية واحدة تعني أن القائمة الواحدة التي تحصل على صوت من رفح وصوت من جنين سيكون توزيع المقاعد عليها بشكل نسبي، بحيث إن هذا النظام سيعطي الأسماء الأولى في القائمة عضوية المجلس التشريعي بتراتبية الأسماء ونسبة حصول القائمة على الأصوات الصحيحة في نتيجة الانتخابات.

ولكن كيف ستكون الشرذمة في حركة فتح هذه المرة في صالحها، بالرغم من أنه كان سببًا مركزيًا في هزيمتها عام 2006!

في الحقيقة إن القارئ لمشهد الانتخابات الفلسطينية قد يعتبرها لعبة سياسية أن تتم بهذا الشكل، خاصة فيما يحصل داخل حركة فتح ووجود انقسام كبير بين أعضائها، خاصة من يسمون بقيادة «الصف الاأول»، قد يرى فيه الكثير بأن هذه الأطراف لا تجمعهم حركة واحدة، بالرغم من أن حركة فتح تقوم على «التعددية، وتقبل الآخر» .

حركة فتح لها جمهورها ولها كوادرها، وفيها أيضًا فئات أخرى تم تنحيتها من المشهد السياسي، هذه الفئات لديها أيضًا شعبية وجمهور كبير من الفلسطينيين، والمشاهد لحركة فتح يجد فيها الكثير من أعضائها ومناصريها منقسمين بين تيارات وأحلاف داخلية تشكل تكتلات تستحوذ على نسب تساعد في حصولها على مقاعد في المجلس التشريعي.

هذه التكتلات في حال خوضها للانتخابات التشريعية خارج ما يسمى «القائمة الموحدة» لحركة فتح سيعطي حركة فتح نسبة أكبر من التي يمكن أن تحصل عليها فيما لو تم الالتزام بالقائمة الموحدة للأسباب الآتية:

أولًا: حركة فتح لديها مؤيدوها ومناصروها ومن هم أعضاء على اختلاف تسمياتهم ومناصبهم ولديهم جمهور عريض من أبناء الشعب الفلسطيني، وخوض الحركة للانتخابات «بقائمة موحدة» سيعطيها وزنًا انتخابيًا لا بأس به، بحيث كل عضو في فتح، سواء أكان كادر أو من أصحاب القرار فيها لم يتفق مع خيارات الحركة أو لديه تحفظات قديمة أو مستجدة سيكون ضد هذه القائمة وإن لم يظهر ذلك في العلن، وبأقل تقدير سيضعف من وزن حركة فتح الذي تمثله في الواقع «ويمكن قياس انتخابات 2006 على ذلك باستثناء تعديل النظام الانتخابي لدائرة واحدة» .

ثانيًا: خوض رموز حركة فتح للانتخابات التشريعية ومِن مَن هم أصحاب الأيادي النظيفة وأصحاب تاريخ سياسي ونضالي، «برأيي» لن يؤدي إلا لحصول فتح على أكبر من وزنها الطبيعي فيما لو أنها خاضت الانتخابات بقائمة واحدة؛ فعندما تشمل هذه الأسماء المستقلين، والأكاديميين، والمقبولين، والذين يعبرون عن الشارع، تكون فتح قد استقطبت جزءًا كبيرًا من الشارع الذي لن ينتخبها!

والأمثلة عديدة سأطرح منها الجزء الذي بدأ يرى النور:

1 التكتل الذي سوف يقوده الدكتور ناصر القدوة وهو عضو لجنة مركزية في حركة «فتح»، ولكن يبدو أن دوره هش وضعيف جدًا في اللجنة المركزية «بعد استلامه عام 2005 – 2006 وزيرًا للخارجية لم يتسلم أي موقع مؤثر في مؤسسات السلطة الفلسطينية»، الأمر الذي أدى إلى إعلانه عن رغبته في خوض الانتخابات بشكل مستقل تحت اسم «الملتقى الوطني الديمقراطي»، والدكتور ناصر هو ابن أخت الرئيس الراحل ياسر عرفات، ويلقى قبولًا واسعًا من فئة المثقفين والأكاديميين، والكثير من غير حركة فتح يرغب وقد يسخر نفسه للعمل ضمن فريق يقوده.

2- الكتلة التي يلمح لها نبيل عمرو وهو سياسي وكاتب فلسطيني معروف، وكان له دور كبير في منظمة التحرير وحركة فتح والجهاز الإعلامي والثقافي في السلطة، ومنذ وفاة أبي عمار وهو خارج الدائرة، وباختصار ودون تجميل للكلمات تم نبذه وإقصاؤه خارج مركز القرار، أو حتى الدائرة المقربة منه، والتسريبات تشير إلى أن الكتلة التي قد يتزعمها قد تضم د. سلام فياض رئيس الوزراء السابق (2007 – 2013) وهو ايضا اقتصادي فلسطيني شغل مراكز هامة ودولية، كدوره المهم في البنك الدولي (مساعد المدير التنفيذي للبنك الدولي في واشنطن)، وهذه الكتلة لها نصيب مهم من الشارع.

3- كتلة مروان البرغوثي في حال لم يتم الموافقة على شروطه التي لم يعلن عنها في اجتماعه مع عضو مركزية فتح حسين الشيخ، وإذا ما شكل البرغوثي قائمة مستقلة عن ما تسمى بقائمة فتح الاولى التابعة لسلطة الرئيس محمود عباس ومركزية فتح، فهذا سيجعل من هذه القائمة على رأس المعركة الانتخابية، باختصار قائمة يترأسها مروان البرغوثي الأسير الذي ضحى ويقبع خلف القضبان، سوف تكون من أكبر الكتل الانتخابية المتنافسة، وهذا رأي الشارع باعتقادي وشعبنا لديه الكثير من العاطفة، ولديه الكثير من الاستياء من الفساد الذي ينسب لإدارة السلطة الحالية، سواء كانت سببًا فيه أو لا، فمن الطبيعي أن يكون المسؤول مسؤولًا!

4 – القائمة الاكثر جدلًا قائمة محمد دحلان والتي لم تتضح صورتها أو بنيتها حتى الان، وهذه القائمة لها بعض الميزات، مثلًا هي التي حملت جزء من الموظفين والكثير من الاسر في قطاع غزة، وهذا عند الانتخابات يكون له دور مركزي في الاختيار وقطاع غرة له ما يقارب 40% من مقاعد المجلس التشريعي، ولا يمكن تقدير حجم المساعدات التي تقدم للأسر أو حتى حجم التغطية السابقة للموظفين أو الكادر الفتحاوي التابع لدحلان، ولكن يبدو أن له ثقلًا كبيرًا، وبالتالي له وزنه الانتخابي.

5- حركة فتح او كتلة حركة فتح الموحدة التي ستشكل من المقبولين في الشارع الفلسطيني حسب تصريحات أعضاء المركزية تحديدًا «أبو جهاد» محمود العالول نائب رئيس حركة فتح لها قاعدتها وكوادرها التي تعمل فيها ولديها موظفين ولديها مؤسسات، وسيكون لها نصيبه، وإن لم يكن حجمها الطبيعي بسبب التقسيمة التي وضحت أعلاه.

هذه التقسيمة لم تتم بخطة، ولكنها تعبر عن الاختلاف الحقيقي بين أفراد المجتمع الفلسطيني، وصحيح أن التكتلات مختلفة، ولكن الناظر لها بعين أخرى يجد أن المستفيد الأكبر لها هو حركة فتح، وبمعنى آخر قياداتها الذين تم إقصاؤهم، والذين لم يتم إقصاؤهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد