ينتهج النظام الحاكم في مصر مسلكًا جديدًا من نوعه لم نلحظه من قبل، وذلك ليصل إلى أهدافه، ويحقق ما يرجوه. فمنذ فترة بدأت تقريبًا بحلول انقلاب 3 يوليو أصبح للمجلس العسكري هدف مهم يسعى لتحقيقه، وهو إضفاء نوع من الشرعية لدى رجلهم الجالس حاليًا على مقعد الرئيس. ونرى المجلس العسكري يبدع في تشييد سياسات جديدة لم تكن موجودة أثناء حكم المعزول مبارك، ومن هذه السياسات الحرية المحدودة التي يتيحها للسياسيين والمعارضين والإعلاميين ونواب مجلس الشعب، فالنظام يتيح لهؤلاء نطاقًا محددًا للانتقاد ولا يسمح لأحد أن يتخطاه، ويعاقب كل من يتعدى ذلك النطاق عقابًا ساحقًا كما فعل مع الإعلامي يوسف الحسيني عندما غرد خارج السرب وانتقد السلطات المصرية التي تخلت عن ملكية جزيرتي تيران وصنافير لصالح السعودية، فوجدنا بعدها بأيام معدودة مكالمة جنسية مسجلة للرجل منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو كالمذيعة عزة الحناوي التي انتقدت سياسات الجنرال السيسي ومشاريعه الوهمية، فتم عزلها من التلفزيون المصري بعدها بأيام أيضًا.

النطاق المحدود الذي يُـسمح به لهؤلاء لا يتعدى انتقادهم للإعلام أو الحكومة، فنجد السياسيين ونواب مجلس الشعب يتبارون في هذا النطاق، ويتسارعون في مهاجمة الوزراء وكشف فسادهم. ونجد مصطفى بكري (أقوى مؤيدي النظام) يكشف بالمستندات فساد وزير التموين، واختلاسه ملايين الجنيهات من ميزانية الوزارة وصفقات القمح الفاسد التي أتمّها. كما نجد الإعلاميين المعروفين بولائهم للسلطة الحاكمة ينتقدون من حين لآخر سياسات الوزراء والمسؤولين، ولكنهم يبتعدون كل البعد عن سياسات السيسي وسياسات الجيش.

هذه الحرية المحدودة تضفي بالطبع نوعًا من الشرعية لنظام المجلس العسكري، وتُـظهر للمجتمع الدولي ووكالات الأنباء العالمية والقوى الإقليمية أن الحياة السياسية والعملية الديمقراطية في مصر مستقرة، وأن الأمور عادت إلى ما كانت عليه قبل 3 يوليو.

وعند استقراء الموقف ومقارنته بمشهد ما قبل ثورة يناير نجد أن هذه السياسة مستجدة على الفكر العسكري الحاكم، فقبل يناير كان انتقاد الحكومة ممنوعًا وغير مُـرحب به، وكذلك كان انتقاد أي ركن من أركان النظام سواء كان رجال الأعمال المقربين من مبارك مثل أبوالعينين وحسين سالم، أو قيادات الحزب الوطني كجمال مبارك وأحمد عز. وأرى من وجهة نظري أن هذه السياسة الجديدة ما هي إلا مسلك جديد يسلكه النظام حتى يصل إلى حالة السيطرة الكاملة والهيمنة المطلقة التي كان عليها قبل ثورة يناير.

وأنا هنا لا أتأول على نظام السيسي وأصيبه بجهالة وأتهمه بأنه نفس نظام المخلوع مبارك، بل هذا هو الواقع والحقيقة التي تقرها الأحداث ويتم إثباتها من حين لآخر. فحتى الآن وبعد مرور 5 سنوات لم يتم محاسبة مسؤول واحد عن أحداث 28 يناير وموقعة الجمل، ولم يُـقتص لشهيد واحد من شهداء الثورة، كما سُـجن معظم شباب ورموز الثورة، وكذلك لم يُـحاسب مسؤول واحد عن فساده خلال عصر مبارك سوى بتصالحات هزلية تُـلزم بعض رموز النظام بدفع غرامات تافهة بالنسبة لثروتهم الحقيقية. كما لم يحدث أي تطهير في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة من رجال مبارك ورموز نظامه، وهذا بشهادة الفريق أحمد شفيق نفسه خلال حواره مع عبد الرحيم علي عندما أنكر على المجلس العسكري والأجهزة الأمنية عدم دعوته لمصر بعد 3 يوليو – التي خططوا لها على حد قوله -، كما أنكر عليهم عدم استخدامه كما استخدموا الكثيرين من رموز النظام المباركي. وقد صدق أحمد شفيق هنا ولم يتقول عليهم، فالمهندس إبراهيم محلب الذي استخدموه بعد الانقلاب رئيس وزراء كان متهمًا من ضمن المتهمين (أبرزهم مبارك ونجلاه) في قضية القصور الرئاسية، وكذلك المهندس شريف إسماعيل الذي خلفه في المنصب، حيث كان وكيل وزارة الخارجية لشؤون البترول والغاز إبان أزمة تصدير الغاز لإسرائيل، وكان السبب الرئيس في براءة مبارك ونجليه وحسين سالم من القضية، حيث اعتمد الحكم في حيثياته على شهادته – بصفته وكيل وزارة الخارجية لشؤون الغاز آنذاك – التي تنص على أن مبارك وحسين سالم لم يصدّروا الغاز الطبيعي بأسعار واهية لإسرائيل، بل إن السعر كان مناسبًا ويزيد عن التكلفة.

ثم ترى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي يجول العالم، ويزور العواصم ويحضر القمم والمؤتمرات ويبرم الاتفاقيات والمعاهدات التي لا تجد في نفسك شعورًا آخر غير الذل والحسرة حين تقرأ بنودها، سواء كانت اتفاقية «إعلان المبادئ» في الخرطوم التي أقر فيها السيسي بأن نهر النيل ليس نهرًا دوليًا واعترف بأحقية إثيوبيا في بناء السد، أو اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية التي فقدنا بمقتضاها ملكيتنا لتيران وصنافير، أو اتفاقية مشروع «غرب دلتا النيل» الذي سوف يستحوز بموجبها اتحاد شركات (كونسورتيوم) على 100% من الأرباح.

إذن فإن إستراتيجية النظام تتلخص في تقديم تنازلات وتساهلات لسائر القوى الإقليمية حتى يحظى بشرعية خارجية، وتقديم حريات مزيفة ومحدودة لسياسيي الدولة حتى يحظى بشرعية داخلية. وقد تدعم هذه النظرية تصريحات الإعلامي توفيق عكاشة (أحد مؤيدي النظام السابقين) عندما قال إنه اقترح على الأجهزة الأمنية الاستعانة برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حتى يثبتوا شرعيتهم أمام الولايات المتحدة الأمريكية، وأنهم بالفعل قاموا بذلك. وقد صرح توفيق عكاشة بهذا الكلام بعد الخلاف الذي نشب بينه وبين النظام الحالي وانتهى بإطاحته من البرلمان – من خلال تصيّد واضح – وإجباره على غلق قناته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد