«هل جربت مرة أن تقع في غرام فتاة ولدت من رحم خيال كاتب أو كاتبة؟»

لا تستغرب كثيرًا من السؤال، ولا تسخر منه ومني، وإياك أن تصمني بالجنون حتى لا تُبتلى بما ابتليت به، ووفر على نفسك أي تأنيب ليّ، وبدلًا من التقريع والاستهزاء بالسؤال أرجوك أن تتحملني ولو لدقائق وتأخذني على قدر عقلي، وقتها أنا متأكد من أن الفضول سيستولى عليك، وسيدفعك إلى توجيه أسئلة لي من هذه النوعية: كيف حدث لك هذا؟ ومن هي هذه الفتاة؟ ومن رحم أي خيال ولدت؟ ومتى تعرفت إليها؟ وهل هي (تستاهل) أن تقع في غرامها على هذا أم (أن البعيد مابيشوفش)؟

الحقيقة أنا لا أضمن أنك عندك فسحة من الوقت حتى تشاطرني الجنون، ولكن بما أنك تورطت في قراءة هذه السطور، سأفترض أنك تريد أن تشاركني إياه وأنك ستوجه إليّ هذه الأسئلة، وعلى هذا الأساس سأحكي لك ما تعرضت له.

(بُص) يا سيدي، هذه الفتاة تعرفت إليها عن طريق الروائية لطيفة الزيات، حين قرأت روايتها البديعة «الباب المفتوح» التي تركت في وجداني أثرًا عظيم، ليس لأني قرأتها في سن مبكر فحسب، ولكن لأن بطلة الرواية (ليلى) كانت صاحبة شخصية استثنائية منذ نعومة أظافرها، وتميزها هذا لم يكن راجعًا إلى تفوقها الدراسي، ولا إلى دأبها على قول (حاضر، ونعم) لأفراد الوسط المحيط بها، بل كان راجعًا إلى عزوفها عن التعقل بعقلية القطيع، ومقاومتها المستمرة للتطبع بطباع أفراد مُجتمعها، وعلى الرغم من أن تمردها هذا كان مصدرًا من مصادر جاذبيتها من ناحية؛ فإنه كان هو ما يجلب إليها اللعنات من جميع أفراد المجتمع المحيط بها من ناحية أخرى، اللهم إلا أخاها الذي كان هو الآخر من المغضوب عليهم.

لم يكن تمرد ليلى هو مصدر جاذبيتها الوحيد، لأنها كانت تتمتع بحس وطني قوي، كان يحثها دائمًا على الانضمام وتأليب زميلاتها على المشاركة في التظاهرات الشعبية المنددة بالاحتلال الإنجليزي، حتى ولو كان هذا سيجلب لها الصفعات من والدها، والتوبيخ من والدتها باعتبارها الفتاة الفاجرة المارقة على تقاليد الأسرة المصرية بدون ضابط أو رابط أو حاكم يشكمها، بالإضافة إلى تمتعها بإنسانية مُبهرة كانت منبع إحساسها المستمر بالآخرين إحساسًا حقيقيًّا، وليس إحساسًا مُفتعلًا، وتضامنها المستمر مع الذين يبذلون التضحيات لتلبية مقتضيات رسالتهم التي يعتقدون أنها مناط وجودهم في الحياة.

وعلى صعيد آخر؛ كانت ليلى من الذين يؤمنون بالحب أشد الإيمان، وإيمانها هذا هو ما أوقعها في غرام ابن خالتها عصام، الذي خذلها بخيانته لها، فكانت خيانته لها نقطة تحول في حياة ليلى، التي تحولت من ليلى المُتمردة الثائرة إلى ليلى المُهادنة الهادئة، ولكن مُهادنتها هذه لم تستمر طويلًا، خاصةً أن نزعتها الإنسانية وحسها الوطني القوي كانا أقوى من صدمتها في حبيبها عصام، فسرعان ما انتفضت مرة أخرى مُتضامنة مع أهالي بورسعيد الذين كانوا تحت قصف العدوان الثلاثي حينذاك، مُنتصرة بانتفاضتها هذه لنزعتها الإنسانية، دون أن تعبأ بعاقبة ثورتها هذه من الناحية المادية، أو تكترث بنظرة أفراد المجتمع إليها.

قبل أن تدلي بـ(هبدك)، أرجوك بأن لا تسلك مسلك أصدقائي حين حكيت لهم عن ليلى، وتقول لي: إن الفتيات اللاتي مثل ليلى مكانهن الحواديت فقط، أو توصيني ساخرًا بأني إذا وجدت فتاة مثل ليلى أحاول أن (أشوف لك سكة) لأختها، وأرجوك أن تحفظ أدبك ولا يستبد العشم بك، وتقول لي على طريق والدة الفنان محمد هنيدي (فوزي) في فيلم «عندليب الدقي»(فوق لنفسك بقى… فوق يا موهوم يابن الموهومة)، ولكن أتمنى أن تحتفظ بدماثة خُلقك المعروفة عنك فتقل ليّ (ربنا يوعدك ويوعدنا معاك بفتاة من الفتيات اللاتي لا تحترفن فن الكذب واللوع ولا تكون ممن قال عنهن المولى عز وجل «إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ» لكي أرد عليك وقتها وأنا رافع كف الضراعة إلى الله (آمين يا رب).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد