ذاعت شهرة ليف تولستوي، عربيًا وعالميًا، كروائي؛ فقد جعلت منه روايتيه «آنا كرانينا» و«الحرب والسِّلم» اللتين تُعدّان من أشهر الروايات في التاريخ على قائمة أهم الروائيين. لكن الاهتمام الزائد بإنتاجه الأدبي كان سلاحًا ذو حدّين، فبخلاف التصنيفات والشهرة أتى هذا على حساب أعماله الفكرية الأخرى التي في جوهرها أكثر أصالة من كل ما كتب.

مرحلة الشك

نشأ تولستوي وترعرع على مبادئ الكنيسة الأرثوذكسية، لكنه اكتشف عدم إيمانه عندما شرع بقراءة كتب الفلسفة في الخامسة عشر من عمره، فانقطع عن الصلاة ولم يعد يحافظ على صيامات الكنيسة وأقلع عن حضور الاحتفلات الكنسية عند بلوغه السادسة عشر، زالت آثار الإيمان من قلبه وما عاد يؤمن بمعتقدات صباه، فيقول موضحًا السبب:

«قد آمنت بإله، أو بالأحرى لم أنكر وجود إله ولكن لم أقدر أن أوضح شيئًا عن هذا الإله الذي لم أنكر وجوده. إنني لم أنكر المسيح ولم أجحد تعاليمه، ولكن الحقيقة التي تدور عليها هذه التعاليم لم أعرف عنها شيئًا».

أصبح غرض تولستوي من وقتها هو بلوغ الكمال الفكري فقرأ في شتّى المعارف الحياتية، لكنه لم يفعل هذا بغية الكمال أمام نفسه أو أمام الله، بل ليبلغ الكمال أمام الناس، وكان هذا هو السبب الأول الذي جعل تولستوي ينخرط في الكتابة الأدبية، فيعترف أن مرحلة شبابه حتى زواجه كانت مرحلة السعي وراء الشهرة، فانخرط في مجالس الأدباء الشباب كلٌ يتفاخر بنفسه ويحاول بلوغ القدر الأكبر من الثقافة للتباهي.

بعد وقت من زواجه دبت نيران الشك وبلوغ المعرفة الحقيقية في قلب تولستوي مرة أخرى، وفي هذه الفترة قرأ وتوصل إلى أن الحياة ليست سوى شر مطلق، وأن الناس أربعة أنواع في طريقة تعاملهم مما أدركوا، منهم من يستمر ولا يشغل عقله بشيء، ومنهم من يستمر في الحياة فيأخذ الصالح منها دون التفكير في المستقبل، ومنهم من يدركون شر الحياة وعدم جدواها فينتحرون، وهم الفئة الأقوى في نظره في هذا الوقت، والفئة الرابعة هي أن نقبل الحياة وألّا نأخذها على محمل الجد، وندرك أن الحياة تسخر وتضحك من الإنسان وعليه أن يتعامل معها بنفس المبدأ، وقال تولستوي أنه أقرب المبادئ لقلبه. يقول بعد خلاصة تفكيره في هذه الفترة:

المعرفة التي يقدمها العقل تنكر الحياة، والمعرفة التي يمنحها الإيمان تنكر العقل

وانتهى المطاف بتولستوي يائسًا من بلوغ أي معرفة اعتمادًا على العلم والفلسفة، ورأى أن هذه الوسائل لم تزده إلا حيرة ويأسًا، يقول في اعترافه:

«على هذا المنوال ضلّت بي السبيل في المعرفة البشرية، فلم أجد لي ملجأ، لا في نور العلوم الرياضية والطبيعية، التي كانت سبلها مفتوحة أمامي، ولا في ظلمة الفلسفة، التي كانت تقودني كل خطوة فيها من السيئ إلى الأسوأ، ومن المظلم إلى الأكثر ظلامًا»

مرحلة اليقين والبرجماتية الدينية

لم يكن هناك مفر من أن ينتقل تولستوي لمرحلة أخرى، مرحلة يخرج منها من هوة اليأس التي شملته ليظل على قيد الحياة، فتوصل تولستوي بعد فترة ضل فيها السبيل ولم يجد غايته في العلم ولا الفلسفة إلى اقتناع مفاده أن:

«الإنسان ضعيف، كائن بائس طالما لا يشع بقلبه نور الله. ولكن عندما يشع هذا الضوء في داخله بتأثير الدين، يصبح أقوى مخلوقات الكون، ولا يمكن أن يحدث هذا بطريقة أخرى؛ لأن القوة التي تسري في قلبه في هذا الوقت ليست قواه، وإنما قوة الله»

أما عن الدافع الذي رمى بتولستوي في مرحلة اليقين أرى أنه تعبه من المنطقة الرمادية، جحيم الشك، ويأس عدم الوصول للحقيقة، فارتمى إلى أحضان الإيمان لأنه وجد فيه راحته، ولأن التفكير الآخر إن استمر عليه كان سيقوده للانتحار كما قال في اعترافه:

«كان الإيمان في ذلك العهد ضروريًا جدًا لحياتي، حتى أنني أبعدت عن فكري كل أثر للشك أو الاعتراض على عقائد الكنيسة»

في نظري أن تولستوي أول من طبق البرجماتية الدينية قبل أن يذكر بيرس كلمة برجماتية وقبل أن يكتب وليم جيمس كتابه عن البرجماتية، لكن برجماتية تولستوي كانت من الصميم دون أن يذكر هو هذا بشكل مباشر، كان إيمانه في البداية ليس سوى هربًا واستجداءً للراحة، فما ذكره وليم جيمس في تعريفه للبرجماتية الدينية يمكن رؤيته في السبيل الذي اختاره تولستوي لنفسه في بداية إيمانه، فيقول:

«إن أبحاثي كانت مقتصرة على ماهية الحياة ولم تتعداها إلى المسائل الإلهية والتاريخية، ولذلك كان لا فرق عندي سواء كان المسيح إلهًا أم إنسانًا، وكذلك لم أهتم بمسألة انبثاق الروح القدس ولا بمن كتب الأناجيل، وهل الأمثال الواردة فيهم منسوبة للمسيح حقيقة أو لا، وإنما كان يهمني ذلك النور الذي أنار البشرية مدة 1800 سنة كما ينيرها وينيرني الآن»

وفي تطور فكر تولستوي وتعمق إيمانه نجده يبدأ في عقلنة إيمانه وتدينه بإزاحة كل معتقد يتنافى مع العقل، فهو لا يؤمن بالتثليث ولا أكل لحم الإله وشرب دمه وما شابهها من طقوس وتعاليم. وقد أكمل قواعد برجماتيته وطبقها على نظرته للدين، فلم ينظر تولستوي للإنجيل كوحي إلهي، بل كجوهر ينير للبشرية طريقها ويجعلنا قادرين على فهم الحياة، فيقول:

«وليعلم القارئ أن الأناجيل التي بين أيدينا الآن ما هي إلا ثمرة أنضجها الزمان بواسطة الإملاء واشتغال عقول ألوف البشر بها وتلاعب أيدي الكثيرين، وليست هي وحي من الروح القدس أوحاه للإنجيليين كما تعتقد الكنيسة»

وقد وضع تولستوي إنجيله وديانته الخاصة معتمدًا على تسليط الضوء على ركائز الإيمان والحكم المهمة في الإنجيل، وإنجيله هو عبارة عن فصول، كل فصل يأخذ فيه فقرة من صلاة: «أبانا الذي في السماوات. ليتقدس اسمك…» إلى آخر الصلاة، فيأخذ كل فقرة ويضعها كعنوان للفصل، ويوضح ماهية وغرض هذه الجملة باستشهاده بآيات من الأناجيل الأربعة.

مثال هذا عندما يتناول جملة «أبانا الذي في السماوات» وما تعنيها، فيقول أنه ليس المسيح فقط ابن الله، بل كل المسيحيين أبناء الله، وأن تسمية المسيح لنفسه بأنه ابن الله جاء من جهة التعميم كما كان يسمي تلامذته وسائر الناس أبناء الله، واستدل على هذا بالكثير من الأمثلة، منها قول المسيح وهو يخاطب الشعب: 

«فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم» لوقا ص3 عدد 36

وفي متى ص5 عدد 48 «فكونوا أنتم كاملين كما أباكم الذي في السموات هو كامل».

ويكمل تولستوي:

«وقد جاء في إنجيل لوقا بأعظم صراحة أن كل إنسان هو ابن الله، وأن يسوع ليس مختصًا بتلك التسمية، بل هو أيضًا ابن الله كجميع الناس الذين خلقهم دون تمييز ولا حصر»

ويقول: «يسوع المسيح كان ابنًا لأب مجهول، وإذ لم يعرف من هو والده دعا نفسه ابن الله منذ صباه»

ثم ينتقل لنفس الشيء مع باقي ألفاظ الصلاة.

بين تولستوي والفلاسفة

يرى تولستوي أن بعض الفلاسفة حاولوا الإجابة عن السؤال الصحيح، وهو: ماذا عليّ أن أفعل؟

من هؤلاء الفلاسفة إسبينوزا وكانط وروسو بالأخص، والناظر لخطوات تولستوي انتهاءً بكرهه للفلاسفة وآرائه عن الإله يرى أنه تأثر بروسو أكثر من أي فيلسوف. كما يرى تولستوي أن أول انحدار للفلسفة أتى مع هيجل والمثالية المطلقة، أما الخطوة الثانية في الانحدار كانت عندما توجه الفكر الإنساني للصراع من أجل البقاء، والخطوة الثالثة هي التي نعتها بالصبيانية وهي فلسفه نيتشه التي قال عنها إنها منقوصة ولا أخلاقية غير مؤسسة على أي فكرة.

لا يحتقر تولستوي أحدًا أكثر من نيتشه، فمرة يدعوه بالفيلسوف البائس، ومرة بأنه نصف مجنون، وأخرى بأنه مصاب بجنون العظمة، وضيق الأفق، وفلسفته عبارة عن هذيان لا أكثر، ويضرب مثالًا عن فلسفته قائلًا:

«يعرف الجميع أن الماء سائل، ثم يظهر فجأة أحدهم ويقول –وهو في كامل الجدية: إن الماء صلب. ولا يقصد الثلج، بل الماء نفسه»

وهو مثال غير موفق بالمرة من تولستوي، فسيولة الماء شيء محسوس. وبالنظر إلى الاثنين نجد أن تولستوي يقول في اعترافه بأنه في لحظات شكه يرى ألا شيء موجود وحقيقي إلا حياته ولا يوجد شيء وراء العقل، لكنه يعود فيقول: «ولكن من أين لي هذا الشعور الذي يعمل في قلبي ويحملني على التفتيش عن الله؟»

ويكمل بأن هذا الشعور هو الذي بدد السحابة السوداء التي ظللت حياته وبددت شعوره باليأس.

إذا نظرنا لنيتشه بالمقابل نجد أنه يحلل قول تولستوي بأن هذا الشعور مبني على الأفكار التي تم زرعها فيه منذ الصِغر، وأننا لا نتحمل فكرة الاستقلال وأن شعور العوز والاحتياج إلى شيء أعلى مننا ليجعل للحياة معنى هو ما يجعل البشر يختلقون فكرة الله ليستريحوا.

المشكلة بين الجانبين هي في جوهرها مشكلة في المفاهيم، فبالرغم من أن الجانبين متناقضين وتولستوي يرى أن نيتشه مخطئ لكنه بشكلٍ ما يؤيد كلام نيتشه، فتولستوي يجد أن الحل ليس في العلم ولا الفلسفة بل في الإيمان:

«ومع أنني ظللت أعتقد أن الإيمان بعيد عن أحكام العقل، فلم أجد بدًا من التسليم بأن الإيمان وحده منح الإنسان جوابات معزية على مسائل الحياة، ومهد أمامه العقبات الحائلة دون سعادة حياته»

فنجد هنا أن كلامه لا يتعارض مع نيتشه حين يقول إن الإنسان ما زال في الطور الذي يحتاج فيه للإيمان معزيًا له، وإن بَحْث الإنسان عن إله هو انحدار له في حد ذاته.

تولستوي والأديان

ما قبل أن يرتضي تولستوي ديانته لنفسه وحتى بعدها، ظل قارئًا في الأديان ومحترمًا للكثير من عقائدهم، وقد خص كتابًا للحديث عن النبي محمد، ويرى تولستوي أن هناك الكثير من الديانات المختلفة، ولكن هناك عقيدة واحدة حقيقية، وهي الإيمان بالله ومحبة الآخرين، ويرى أن الفارق بين الديانات يمكن في الطقوس لكن الجوهر واحد، ويرى أن الخطوة الأولى في سبيل توحيد البشر هو بعدهم عن الطقوس الظاهرية، فيقول إن الإيمان هو جوهر الدين، فالدين هو الأفعال الظاهرية. فتولستوي يسعى لتأسيس دين يدخل تحت لوائه البشر أجمعين، فكما ذكر في رسالته لمحمد عبده إن العقائد تختلف ولكن ليس هناك سوى دين واحد، هو دين الحق، دين الإنسانية.

بعد وقوفنا على فكر تولستوي ونموه وتطوره يمكننا الجزم بأنه واحد من القلائل الذين يستحقون الاحترام والنظر، اتفقنا معه أو اختلفنا، هذا لا يمنعنا من قول أنه من المفكرين الجيدين الذين حاولوا التأثير والتغيير في الفكر البشري أجمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد