تشغل الرحلة مكانًا متميزًا في مختلف الثقافات، وبالأخص في الحضارة الإسلامية، فتعددت وجهاتها من المشرق الإسلامي، إلى المغرب الإسلامي، ومن الغرب الإسلامي إلى الشرق الإسلامي، كما تنوعت أسبابها ومقاصدها العلمية والدينية، لكن أن يسافر عالم رياضيات أوروبي من غرب مسيحي إلى مغرب إسلامي في حدود القرن الثاني عشر للميلاد يعتبر حدثًا في عصرنا الحالي، وموضوع بحث تاريخي وعلمي يدفعنا للوقوف على حيثياته والتأمل في تداعياته.

ليوناردو فيبوناتتشي هو عالم رياضيات إيطالي يعد من أبرز علماء العصور الوسطى في أوروبا، ولد بمدينة بيزا الإيطالية عام 1175 للميلاد، كان والده جيليلمو فيبوناتتشي تاجر معروف في الأوساط البورجوازية الإيطالية، اهتم بتعليم ابنه وتثقيفه، فأرسله لطلب العلم من مدينة بجاية في الجزائر في حدود القرن الثاني عشر للميلاد.

كانت بجاية في هذا القرن تشهد ازدهارًا علميًا ونشاطًا فكريًا في مختلف المجالات، ولقد برز في هذه الحقبة علماء وفقهاء ومتصوفة في علوم الدين والدنيا، كما كانت حاضرة علم ومستقر لعلماء الأندلس، فيقول الشريف التلمساني في وصفه لمدينة بجاية: دخلت بجاية فوجدت العلم ينبع من صدور رجالها كالماء الذي ينبع من حيطانها، وقد سمعت أن في بجاية 500 صبية يحفظن المدونة، وأما اللاتي يحفظن ابن الحاجب فلا يحصي عددهن إلا الله تعالى.

ظلت الحياة العلمية في بجاية زاخرة بعلماء الدين والفقه الذين تمكنوا من علوم الدنيا المختلفة مثل الرياضيات، وحسب المعلومات القليلة المتوفرة لدينا فإن ليوناردو فيبوناتتشي درس علم الرياضيات على يد الشيخ أبو مدين شعيب التلمساني، وهو فقيه ومتصوف وشاعر أندلسي، يعد أحد مؤسسي مدارس التصوف في المغرب والأندلس، تعلم في إشبيلية وفاس وقضى بقية حياته في بجاية، كما أن ليوناردو فيبوناتتشي أخذ علم الرياضيات عند الفقيه الأندلسي عبد الحق الإشبيلي الذي سكن بجاية ونشر بها علمه واشتهر بها اسمه، كما ولى الخطابة بجامع بجاية، ولعل السبب الوجيه الذي جعل والد ليوناردو يتخذ قرار إرسال ابنه إلى مدينة بجاية لطلب العلم هو كونه مشرفًا على أسواق بيزا في الجزائر وتونس.

والإنجاز العلمي الذي اشتهر به ليوناردو فيبوناتتشي هو جلبه للأرقام العربية المستعملة آنذاك والعلامات الجبرية، وقد نشر كتابه المعروف بعنوان ليبرا أباتشي في الرياضيات وبالتحديد في الحسابيات، قدم في الجزء الأول من الكتاب نظام العد العربي بما في ذلك طرق التحويل من نظام تمثيل أعداد إلى آخر، كما احتوى الجزء الأول منه أيضًا على القسمة المتكررة من أجل تحديد أولية عدد من عدمه، أما في الجزء الثاني فقط أعطى أمثلة عن حساب قيم الأموال من عملة إلى أخرى وطرق لحساب الربح والفائدة.

ازدهرت الحياة العلمية في بجاية خلال القرن الثاني عشر للميلاد، إذ شهدت المنطقة إبداعا حضاريا بفضل وحدة العقيدة واللغة في إطار الدين الإسلامي، وانتشرت حلقات العلم والمجالس في مختلف العلوم، وبفضل قدوم مشاهير علماء الأندلس ارتفع المستوى العلمي في الأوساط العامة، حتى توافد إليها علماء من الشرق الإسلامي ومن الغرب المسيحي لطلب العلم ونسج علاقات فكرية وثقافية عابرة للحضارات والقوميات، فاستقطبت المدينة مختلف الروافد الثقافية والتي استقرت بها بصفة دائمة، وتميزت االإسهامات الفكرية خلال هذه الفترة بالتنوع في تراثها الذي لا يقل قيمة عن نظيراتها من حواضر العلم والعلوم في المشرق الإسلامي كالشام وبغداد وعن مراكز العلم في الأندلس، وتلمسان، وفاس، وتونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد