كل شخص في هذا العالم يعيش حربًا نفسية في داخله، ولكن هذه الحرب ليست إلا مناوشات عسكرية بمسدسات مائية إذا تمت مقارنتها بتلك الحرب الداخلية التي يعيشها الملحد قبل إلحاده وبعد إلحاده وعند عودته إلى دينه مجددًا إذا عاد قبل الممات.

يظن أغلب الناس أن الملحدين هم أشخاص ذوي عقلية متخلفة، يتبعون الغرب بلا وعي أو فكر، ضعيفي الإيمان أضلهم الشيطان عن دين الحق، ولكن ما يجهله الناس هو أن الملحد هو شخص مثقف وذكي ذو شخصية قوية، وأخلاق عالية، يفكر بعمق، وصل إلى الإلحاد بعد بحث طويل في دروب العلم وتفكير عميق طرح من خلاله العديد من الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا.

لا زلت أذكر تلك الفترة من حياتي التي كنت فيها ملحدًا، أذكرها كأن كل مجرياتها كانت بالأمس لا قبل عام من الآن، كانت أصعب أيام حياتي، وأكثرها تأثيرًا على شخصيتي في الوقت الحالي، ولأنني كنت ملحدًا فأنا على علم ببعض الحروب الداخلية التي يعيشها الملحد في تلك الفترة سأذكر لكم بعضًا منها:

المعركة الأولى «معركة تقبل فكرة الإلحاد»

إن تقبل فكرة الإلحاد هي واحدة من أصعب المعارك النفسية التي يخوضها الملحد في حياته، مع أن كل ما اكتسبه يؤكد ويؤيد فكرة الإلحاد لديه، إلا أن من الصعب عليه التخلي عن موروثه الدين وتقبل أن الإلحاد هو الحق المطلق، وأن لا وجود لخالق أو حياة بعد الموت أو جنة ونار، أو ملائكة وشياطين وغيرها من الموروثات الدينة التي كانت مترسخة في عقله.

المعركة الثانية «الجهر بالإلحاد»

بعد أن يتقبل الملحد فكرة الإلحاد، يدخل في حرب أخرى، تدور أحداثها حول هل عليه أن يجهر بإلحاده ويدعو إليه، وكيفية ذلك، وما هي ردة فعل أهله وأقاربه تجاه إلحاده، وقد تأخذ الإجابة على هذه الأسئلة وقتًا طويلًا يستنزف مجهود ذهنيًا كبيرًا.

المعركة الثالثة «معركة عدم القبول»

بعد أن يجهُر الملحد بإلحاده، يواجه موجة من عدم القبول من المجتمع بما فيهم الأهل والأصدقاء، فتتغير نظرتهم إليه ومعاملتهم له وقد يصحب ذلك تغير في مشاعرهم تجاهه، وهذا يسبب له ضغطًا نفسيًّا شديدًا، ولكنه يحارب ويحارب من أجل الحصول على قبولهم أو مواصلة الحياة بدونهم.

المعركة الرابعة «معركة النفاق»

بعد صمود دام طويلًا في وجه عدم القبول، ينهار الملحد بين التارة والأخرى، ويفكر في العودة لدينه ظاهريًا وكتم إلحاده في باطنه، وذلك إما للحفاظ على نفسه من بطش المتشددين دينيًا أو مرعاة منه لمشاعر الأشخاص الذين يحبهم، وخوفًا من فقدهم، ولكنه يصمد بدافع أن من حقه اختيار عقيدته، وتستمر الحرب إلى أن يختار النفاق أو أن يواصل في إلحاده.

المعركة الخامسة «موت الأحبة»

أن صدمة موت أحد الأحبة قوية جدًا في العادة، ولكن النصوص الدينية الداعية للصبر وأمل اللقيا بهم في الحياة الثانية هي ما يساعد المتدينين على تخطي هذه الصدمة، أما بالنسبة لغير المتدينين أو الملحدين فالوضع مختلف جدًا، فالملحد يوجه معركة كبيرة جدًا في محاولة تقبل موت أحبته وأنه لن يجتمع بهم إلا في ذكرياته، ونجد هذا جليًا في إستالين فعندما ماتت زوجته، أوقف كل نشاطاته السياسية، واختفى لمدة شهرين في محاولة منه لتقبل الصدمة، ولا أظن أنه نجح في تخطيها، ولكنه خفف من تأثيرها.

المعركة السادسة «معركة العودة»

عندما يجد الملحد دليلًا قاطعًا بالنسبة له، على وجود الله، فإن حربًا نفسية جديدة تولد، وهي معركة تقبل فكرة وجود الله وأن كل تفكيره الذي أثمر إلحاده، هو مجرد تفكير خاطئ، وأنا كل ما عاشه في تلك الفترة هو مجرد وهم، فيظل عالقًا في سجن التفكير طويلًا قبل أن يقرر تقبل العودة إلى دينه من جديد.

ولا تنتهي المعارك النفسية هنا، فالملحد منذ دخوله إلى عالم الإلحاد، فقد أدخل نفسه في حرب نفسية مدى الحياة وسجن نفسه في سجن التفكير إلى الأبد، فهذه المعارك تتكرر مجددًا، فمن ألحد مرة سيلحد بعدها ألف مرة، وأن لم يلحد مجددًا فمن المؤكد أن فكرة الإلحاد تدخل في رأسه بين الحين والآخر، ولكنه يتجاهلها.

تغريدة أخيرة:
فلنحمد الله على نعمة الإسلام فهذه النعمة تُغنينا عن كل هذه المعارك، ولندع أن يهدي الله الملحدين إلى طريق الحق بعد أن ضلوا الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إلحاد, دين, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد