«أنا أيها السادة، لست ممن يعتقدون أّنه بالإمكان إزالة الألم من هذا العالم، فالوجع قانون إلهّي، ولكّنني من بين الذين يعتقدون ويؤّكدون أّنه يمكننا القضاء على البؤس». فيكتور هوجو، مؤلف رواية البؤساء.

برز فى عام 2016 بعض الملامح التى توحي بوجود حالة عامة من البؤس أصابت نفوسنا؛ بحيث نشعر أننا كأشخاص أصبحنا نعيش دون هدف له معنى مثلنا مثل الحيوانات. بإمكاننا رصد حجم هذا البؤس من خلال عدة أداوت مثل ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، برامج التلفاز الأكثر مشاهدة، الأفلام السينمائية الأعلى تقييمًا، الكتب والروايات الأكثر مبيعًا.

عندما نستمع إلى كلمة «البؤس» فإننا نتخيل هذا الشخص ذا الملابس المهترئة صاحب الذقن والشعر الكثيفين المنكب على كومة قمامة يبحث فيها عن شيء له قيمة ليبيعه ويشترى بثمنه بعض الطعام، أو فى أحيانٍ أخرى ليشتري به سيجارة أو قرص مخدر، أو ذلك الطفل ذا العشرة أعوام الذي أرسله والده ليعمل صبيًا فى ورشة لإصلاح السيارات، ويبرحه ضربًا صاحب الورشة لكي يتعلم الصنعة، لكن في أحيان أخرى يرفق بطفولته ويحنو عليه ويلعنه بألفاظ نابيه فقط دون أن يضربه.

يمثل البؤس في أذهاننا الفقر المدقع والحياة القاسية شديدة الألم ضعيفة الإرادة كثيرة المصائب والابتلاءات قليلة الراحة و منعدمة الأمان، لكن قبل أن يصيب البؤس أمعاءنا الخاوية؛ الحقيقة أنه يصيب قلوبنا ونفوسنا أولاً، ثم ينتشر بدوره في باقي أنحاء الجسد متابعًا تدميره للإنسان الذي بداخلنا.

في السنوات الأخيرة أصبحنا نستمع إلى أسماء مؤشرات اقتصادية جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك، مثل مؤشر الدول الأكثر رفاهية ومؤشر الدول الأكثر بؤسًا، تقيس هذه المؤشرات معايير ثابتة وموحدة في جميع الدول مثل ما هو موجود فى مؤشر البؤس العالمي فإنه يقيس معايير مثل: معدل التضخم ومعدل البطالة، بحسب هذه المؤشرات تبقى الدولة الأقل معدلاً في التضخم والبطالة هي الدولة الأقل بؤسًا، لكن تظل هذه المعايير غير دقيقة ومحل انتقاد؛ فإذا ما قورنت بمعدلات أخرى مثل الانتحار والوفاة نتيجة أمراض نفسية كالاكتئاب ستصبح هذه المؤشرات دون قيمة، فماذا يعود بالفائدة على الدولة إذا كانت معدلات البطالة والتضخم فى انخفاض لكن معدلات الانتحار فى ارتفاع، إذن البؤس ليس متوقفـًا فقط على الوضع الاقتصادي للبلد، أي إن الفقر والجوع والبطالة ليسوا أسوأ عوامل وجود البؤس ولكن يوجد ما هو أسوأ.

من الواضح أن البؤس المنتشر حاليًا هو نوع آخر من البؤس المتعارف عليه، ليس مبنيًا على حاجة مادية نهدف إلى إشباعها مثل المأكل والشراب والملبس، وليس للاقتصاد تأثير قوي عليه، يمكننا أن نطلق عليه البؤس الإنساني.

أن تصبح إنسانًا بائسًا ليس بالضرورة أن تكون فقيرًا لا تجد لقمة العيش، إنه مرض مثل أي مرض آخر يصيب الكبير والصغير والقوي والضعيف والغني والفقير، لكن الفارق هو فى مناعة الشخص لهذا المرض ومدى قدرة تحمل آلامه.

الاكتئاب والعزلة والوحدة هم أكثر أسباب الإصابة بهذا المرض، ومثله مثل جميع الأمراض؛ له مسبباته وله أعراضه الجانبية وله أيضًا دواؤه، العلاقات الاجتماعية هي أهم عامل من عوامل حدوث المرض، الفشل في إنشاء علاقة عاطفية أو فقدان أحد المقربين أو تأثرك بإصابة أحدهم بمرض ما، كل هذا يؤدي إلي الشعور بحالة من الاكتئاب، ومن ثم تصل إلى مرحلة البؤس.

أدي تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى زيادة الفجوة بين البشر وإخوانهم البشر، وتعد هذه من الأسباب غير الظاهرة لهذا المرض، أننا أصبحنا في عالم مادي وقاس إلى حد كبير، أصبحنا في عصر ينافس كل منا الآخر للحصول على شيء أو الفوز بالبطولات بل أصبحنا ننافس أنفسنا، إنه عصر الرأسمالية بحيث صار هدف الشباب هو الشهرة والمال، حتى الأطفال لم يعودوا يطمحون أن يصبحوا سائقي قطارات أو ممرضات أو حتى صانعي ألعاب فيديو، لا يريدون سوى أن يصبحوا أغنياء فقط.

قد تعتقد أنك لست مصابًا بهذا المرض، لكن إذا ذهبت للطبيب وأنت تشكو من مرض ما فهو يطلب بعض الأشعة والتحليلات لمزيد من الاطمئنان على حالتك، الأمر نفسه سنفعله هنا، ليس عليك سوى أن توجه لنفسك بعض الأسئلة مثل: هل شعرت من قبل أنك تحتاج إلى رفيق؟ كم مره لجأت إلى شخص ثم أحبطك بصده إياك؟ هل تشعر أنه لا يوجد أحد يعرفك حق المعرفة؟ كم مرة فشلت في تكوين علاقة صداقة مستمرة؟ هل تشعر أنك تعيش حياة دون معنى أو هدف؟  لكن يظل السؤال الأهم هل تشعر أنك وحيد الآن؟

أين الدواء للشفاء من هذا المرض؟

لكي نصل إلى الدواء ليس علينا سوى أن نتجنب أسباب وجوده الأصلية، أي نحصن أنفسنا ببعض الإجراءات الوقائية، لا تذهب إلى النار بقدميك وتحرق نفسك ثم تلومها، فقط عليك الحذر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

البؤساء
عرض التعليقات
تحميل المزيد