ربما توقعت، منذ اللحظة الأولى التي لمحت فيها عيناك عنوان هذا المقال، أني أقصد رائعة الكاتب الفرنسي الشهير «فيكتور هوجو» «البؤساء»، وبالتأكيد أنت على حق، فالرواية حققت شهرة واسعه منذ نشرها عام 1862، وحتى وقتنا الحالي، وقد تم تحويلها لاحقًا إلى فيلم ومسرحية يحملان نفس الاسم.

الرواية تحكي عن «جان فالجان»، السجين الذي قضى تسعة عشر عامًا من حياته في السجن، خمسة منها لسرقته خبزًا لأخته وأطفالها الجائعين، والباقي عن محاولاته الهرب. وبعد خروجه، ألقت به الأقدار في يد أسقف طيب يدعي ميرييل، فأحسن معاملته وساعده على المضي قدمًا في حياته بنصائحه، وما قدمه إليه من مال. وفي طريقه إلى محاولة الحياة بشرف؛ يسرق نقودًا من أحد الأولاد، ثم يستيقظ ضميره، ويُعيد النقود للولد، ولكن بعد علم الشرطة بذلك، يغير جان فالجان اسمه إلى «مادلين»، وتمر الأعوام؛ ليصبح من أثرياء المدينة وأصحاب الأملاك، ونتيجة لخدماته ومساعداته للناس يُنصبه أهل البلدة عمدةً عليهم، لكن الضابط «جافيير»، والذي كان يعرفه منذ فترة سجنه، لم يقنع بأنه أصبح شخصًا أفضل، وحاول الإيقاع به؛ حتى اضطر جان فالجان إلى تسليم نفسه؛ لحماية شخص بريء؛ اتهمه الضابط بأنه جان فالجان، ثم ما لبث أن هرب من السجن، وعاش ما تبقى من حياتهِ طريدًا.

ولا شك أن الرواية عمل ضخم، يجمع فيه الكاتب بين قضايا السياسة والتاريخ والمجتمع من خلال نظرة فلسفية، وتأملات ثاقبة لما يعتمل في أعماق النفس البشرية من صراع دائم بين الخير والشر، وحب المجد وتأنيب الضمير، كما لم يغفل الكاتب الجانب الديني الماورائي، والذي تمثل في استيقاظ ضمير الإنسان وندمه وتكفيره الطوعي عن آثامه.

كما تجمع الرواية أنواعًا عديدة من الأدب، من شعر ونثر ومذكرات وتاريخ وتوثيق، كما تجمع بين المواقف الملحمية والمظاهر الخيالية، فالرواية ملحمة متكاملة أنصح المهتمين بالقراءة وخاصة بالأدب الكلاسيكي بقراءتها، أما إن كنت من غير المهتمين فلا بأس، هناك ما يكفي من البؤس والبؤساء، وهمّ ربما أكثر بؤسًا وأوفر عددًا من أبطال فيكتور هوجو نفسه، وإن كنت تشك في ذلك، فإليك دليلي، وأنت الحكم.

اجتاز «م.م» الاختبارات الأولية، والكشوفات الطبية، واحتاج إلى «كارت» من أحد أقاربه الذي يعمل في جهاز سيادي؛ لكي يحصل على الوظيفة التي سعى من أجلها في شركة تأمين، أخبروه أن راتبه سيكون 1800 جنيه، بالإضافةِ إلي بعض الحوافز، راتب جيد بالنسبة لشاب مازال في مقتبل العمر. وفي العمل نصحه مديره أنه لابد أن يبدأ بالإدخار من الآن؛ لكي يستطيع تكوين نفسه وبدء حياته، لذا وجب عليه الاشتراك في «الجمعية» مع زملائه في العمل، اقتنع بعد تحفيز الوالدين والأصدقاء، بالرغم من صعوبة الأمر، فاستقطاع ألف جنيه من راتبهِ شهريًا، ليس بالأمر اليسير، وبنصيحة أخرى، لا تخلو من خبث زملاء العمل، قرر أن يكون دوره، في الحصول عليها، الأخير.

وكقصص المسلسلات تمامًا، تمر الأيام، وبعد عام يعجب صاحبنا بزميلته في العمل، ويتقدم لخطبتها ويوافق الأهل، وبعد عام آخر، وتحديدًا منذ شهر حصل على المبلغ المنتظر الذي اجتهد عامين لتحصيله، والذي بلغ أربعًا وعشرين ألف جنيه مصري. فَرح صديقنا بأول مبلغ يكتسبه من عمل يده لم يدم طويلًا، حيث أخبره صديق أنه بهذا المبلغ يمكنه أن يشتري فقط ثلاجة!

في وطني يمكن أن تستعين بواسطة لتحصل على وظيفة، يمكنك من خلالها، إذا كانت لديك ملكة التوفير، أن تشتري ثلاجة بعد عامين، ثمن عادل!

«هـ.أ» شاب ثلاثيني جاء من الشرقية؛ ليعمل في مقهي بالإسماعيلية، يحصل من خلاله على 70 جنيهًا في اليوم، بالإضافة إلى البقشيش، أحضر الطلبات في صمت، وهمّ ليدور ويمشي، لولا همومًا أبطأت حركته فتوقف؛ ثم استدار مرة أخرى، يَعرفنا جيدًا، ثلاثة شباب محترمين في نفس سنه، وبالتأكيد سنتفهم ما يعنيه، بدأ يكيل اللعنات على الأيام ويخبرنا بمغامراته لتوفير مبلغ يساعده على الزواج من فتاة أحبها منذ أعوام، وكيف أنه أصبح لا يشتري السجائر، وإنما يكتفي بما يأتيه من زبائن القهوة، وأنه لام نفسه وهو المغترب لشرائه طعامًا جاهزًا، وحين حاول التقشف في ذلك، وأصبج يشتري التونة والبطاطس، وجد أن الأمر لم يختلف كثيرًا؛ لأن التونة سعرها ارتفع، ولأن البطاطس تحتاج إلى زيت، وهو أيضًا ارتفع سعره، ثم ما لبث أن حكى عن آخر خططته، والتي تهدف إلى محاولة توفير ثلاثمائة جنيه شهريًا أجرة التاكسي، وسيعتمد في ذلك على دراجة سيشتريها بألف وسبعمائة جنيه، لكنه استدرك قائلًا، لكني أعلم أن شيئًا ما سيحدث في هذه الدراجة، وسيدمر الخطة؛ لأنني «فقري»، واستدار مُرحبًا بأحد الزبائن، ونحن صامتون.

أتدرون، كتبت عنوان هذا المقال لأتحدث عن رائعة فيكتور هوجو «البؤساء»، لكنها أبدًا لم تثر بداخلي بؤسًا إضافيًا. لا أعتقد أن جان فالجان كان أكثر بؤسًا من «م.س»، حين بدأ في احتساب السنوات التي يحتاجها لتكوين نفسه ليفتح بيتًا، فوجدها اثنتي عشرة عامًا كحد أدنى، في حال بقاء الأسعار على حالها بالطبع.

إن أشدهم عذابًا لن يكون مثل «هـ.أ» الذي يؤمن في داخله يقينًا أنه حتى، وإن اقتنى دراجة، فإن شيئًا ما سيمرر حلقه، وأن مكروهًا ما سيصيبها ويفسد خطته؛ لأنه ببساطه تعوّد حياته هكذا، لا يمكن لشيء فيه خير أن يكتمل للنهاية، أو لأنه كما قال «فقري».

إن كان العالم يرى عبقرية في «البؤساء»، فيمكن لك أن تكون روائيًا رائعًا بين عشية وضحاها، فقط انزع عنك سماعات أذنك، واتركها لضوضاء الشوارع وحكايات الناس، لن تبحث عن الحكايات، فهي ستجد طريقها إليك، في وسائل المواصلات، وفي المصالح الحكومية، وعلى المقاهي، وفي الشوارع، وداخل البيوت. ستجدها حتى في دعاء الشخص الساجد إلى جوارك أثناء الصلاة؛ لأن البؤساء لا يملكون من أمرهم، إلا الشكوى والدعاء.

يبدو أن عدد الكلمات المسموح بها كحد أقصى لكتابة المقال قد شارفت على الانتهاء، ولازال لدي الكثير من الحكايات، أعلم أن لديكم حكايات أشد بؤسًا من حكاياتي وأكثر عددًا، لكن العبرة ليست بالعدد، وإن كان هناك فائدة واحدة من مقال بائس كهذا، فربما تكون دعوة للتفاؤل بعض الشيء؛ حتى وإن خسرتم أشياء قد تبدو هامة، فلا تتركوا ذلك الشعور يجتاحكم، لا تحكم على نفسك بالبؤس؛ لأنك لا تجد عملًا، أو لأنك تعمل طول اليوم، لا تحكم على حياتك بالبؤس؛ لأن فتاة تعجبك لا تكترث لأمرك، أو لأن رئيسك في العمل ليس لطيفًا معك، هناك أسباب للبؤس نعم، ولكنها أكبر من خسارة فريقك لثلاث نقاط في صراعه على اللقب، وأكثر بكثير من اتساخ حذائك الأبيض في زحمة المترو، لذلك حين يتملكك اليأس، استمع إلى الناس من حولك، وتذكر أن هناك حتى من هو أكثر بؤسًا من كاتب مبتدئ كسرت قدمه في نفس اليوم الذي تلف فيه حاسوبه الذي يحتوي على رسالة الماجستير الخاصة به، وذلك في أسبوع مناقشته لها، فجلس يكتب مقالًا يحدثك فيه عن «البؤساء».

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد