لم أكن أتوقع يومًا أنني سأكتب مقالًا تحليليًا حول رواية «البؤساء»، ذلك العمل الفني الذي قرأته، بينما كان عمري لا يتجاوز 14 سنة، وكان هدية من أبي، لن أقوم بسرد الوقائع أو تلخيصها وفق تسلسل زمني محدد، لا لن أفعل هذا لأن ذلك ليس من طبيعة جودي وكرمي تجاه الأدب، ولكنني سأعري أقنعة الشخصيات وأضعها كنموذج لأفراد حقيقيين يعيشون بيننا في المجتمع.

تدور أحداث الرواية في القرن التاسع عشر، ولكن شخصياتها وأحداثها لا تزال تعرف الوجود في القرن الحالي، أي القرن 21، جان فالجان ذاك الرجل الطيب القوي ذو الأخلاق الحميدة الذي قضى 19 سنة في السجن مقابل سرقته رغيف خبز ومحاولته الفرار من السجن، وهو ما يشكل احتقار الدولة للفقراء وعدم اعتبار لرغباتهم وحاجاتهم الضرورية، فلو قامت الدولة بتخصيص جزء من الميزانية لتوفير الطعام للفقراء أو من هم تحت عتبة الجوع لما سجن جان فالجان، ولما سرق؛ لأن الإنسان لا تسمح له نفسه بالسرقة، إلا إذا كان يعاني ظروفًا صعبة، والدولة تعاقدنا معها اجتماعيًا على أساس توفير الحماية والاكتفاء الذاتي، فما بالك بإنسان لا يجد حتى رغيف خبز ليأكله، في الوقت الذي يرى بعينيه متاجر تبيع المئات منه!

جون فالجان عندما خرج من السجن خرج محطمًا نفسيًا فقيرًا جدًا، وما يزيد معاناته هو ذاك الجواز الأصفر الذي يبرهن على كونه مجرمًا سابقًا، فكيف لشخص قضى 19 سنة من حياته في السجن كعقاب له على عدم احترام القانون، وعندما يخرج يقضون على آماله في إيجاد عمل! ألا يساهمون بانتشار التشرد والجريمة؟ جان فالجان ساعده أحد القساوسة الذي يعتبر إنسانيًا بدرجة أولى حيث منحه المأوى والمشرب والمأكل بلا مقابل؛ لأن دينه يأمره بالرحمة والمساعدة وعدم الحكم على الناس بالمظاهر، وعندما حل الظلام فر جان فالجان ومعه مجموعة من الأواني الفاخرة، وذلك لمعرفته بأن المأوى لن يدوم كثيرًا؛ لأن الخير من الناس منقطع ما دام ليس لك ما تدفعه في المقابل، أمسكت به الشرطة، ولكن القس طلب منهم إخلاء سبيله مؤكدًا على أنه هو بمحض إرادته من منحه تلك الأواني.

سلم عليه القس ومنحه الشمعدانين الفاخرين، رغم أن فالجان لكمه في السابق، إلا أن القس سامحه وفهم ظروفه.

مرت الأعوام وتحول الفقير المتشرد فالجان إلى العمدة مادلين، حيث ساهمت الثروة التي جناها أثر بيعه للشمعدانين في ارتقاء مستوى عيشه لدرجة لا تصدق، في تلك الأثناء كانت الشابة فانتين تشتغل كخياطة في إحدى معامل الخياطة ونظرًا لقوة شخصيتها وكرامتها فقد رفضت محاولات مشغلها لإقامة علاقة معها على غرار باقي العاملات، فكان الطرد مصيرها، حاولت إيجاد عمل شريف، لكنها لم تجد من يساعدها أو يمد لها يد العون، فالمجتمع لا يرحم. قررت بعد تردد كبير أن تعمل كمومس لدفع فواتير الكراء، وما إلى ذلك، فلم تعد فانتين تلك الشابة الجميلة ذات الكرامة والشهامة، لا.. على العكس تحولت إلى نحيفة تعيسة الملامح ومريضة بالسل، هنا تلتقي بالعمدة مادلين أو جان فالجان الذي ستثير شفقته فتخبره بأن يعتني بابنتها التي تعيش عند عائلة في إحدى القرى القريبة وقد كانت ترسل لهم المال كمقابل لايوائها، كان اسم الطفلة كوزيت.. ثم توفيت فانتين.

أخذ فالجان على عاتقه مسؤولية أيجاد الطفلة التي كانت تعامل بقسوة شديدة معاملة السيد لعبده رغم فتوة جسمها وصغر سنها، تساوم فالجان مع صاحب النزل لكي يبيعه كوزيت فرفع هذا الأخير الثمن لما رآه من غنى في العمدة مادلين فقبل هذا الأخير وتبنى كوزيت لتكون ابنة له.

يأتي الدور على المحقق جافيير، الرجل الصارم الذي يعرف الحق ولا شيء غيره، والذي يكره فالجان حيث كان حاضرًا عندما هرب فالجان من السجن في المرة الأولى متحديًا إياه، والذي جعله يشك في كون العمدة مادلين هو نفسه فالجان هو أنه تذكر مدى قوة فالجان في حمل الأشياء عندما شاهده وهو يحمل عربة كانت فوق أحد الأشخاص، فالرجل الثري البورجوازي لا تسمح له مبادئه و لا مقامه في أن يلوث يديه وسمعته بفعل مماثل، لكنه لم يستطع إثبات ذلك، ليصل إلى علم فالجان بأن أحد الأشخاص يحاكم مكانه بتهمة سرقة قطعة نقدية من شاب صغير، فيقرر تسليم نفسه، ولكن في آخر المطاف سيكرر هروبه مع كوزيت الجميلة، ويدخل أحد دور العبادة فيبقى فيها سنوات حتى بلغت كوزيت 15 سنة، من ثم سيخرج ويستقر في إحدى المناطق مغيرًا اسمه من جديد، و هنا ستقع كوزيت في غرام شاب من المقاومة اسمه ماريوس، ورغم مخالفة فالجان له إلا أن الحبيبين قررا ألا ينفصلا أبدًا رغم كل الظروف، يعثر جافيير من جديد على جان فالجان لكن اندلاع معركة بين المقاومة والجيش ألقي فيها القبض على المحقق جافيير الذي كاد يعدم لولا تدخل فالجان. وهذا يدل على التسامح والغفران رغم الظلم والجبروت .

يقرر في الأخير المحقق جافيير إخلاء سبيل فالجان لأنه يؤمن بالحق وفي نظره فقد قام بالصواب، ولكنه قرر الانتحار.

في حين أن المشهد الأخير من الرواية يظهر لنا كوزيت وماريوس الزوجان وهما يرقبان اللحظات الأخيرة من حياة البطل جان فالجان.

رواية البؤساء تعلمنا أن الصبر قوت الضعيف، وأن الوفاء سلاح التقي، بالفن نحيا وبه نتحرر من قيود العدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد