تعد الرائعة البائسة، تلك الرواية المسماة على أشخاصها «البؤساء»، من أعظم أعمال القرن التاسع عشر، ولأحد أبرز مبدعيها: فيكتور هيجو. الذي تمخض، منه، كم هائل من الإبداعات الأخرى، كأحدب نوتردام وغيرها. تجيء الرواية، بحجمها الكبير، مؤرخة لفترة بائسة من تاريخ فرنسا. تبدأ في عهد نابليون، وتنتهي في عهد لويس فيليب الأول. أي أنها، بعبارة أخرى، عاصرت سقوط نابليون في واترلو، وعودة آل بوربون بعد طردهم، جراء الثورة الفرنسية، إلى الحكم. وتمر الحكاية خلال موت لويس الثامن عشر، وثورة 1830 الفرنسية، وتمرد 1833 شديد الخراب. إذًا هل الرواية تحكي حكايةً سياسيةً؟ نعم، ولكن بشكل موغلٍ في الاختلاف؛ فهي لا تذكر قصص الملوك وحروبهم، بل لا تذكرهم إلا في مواضع نادرة. لكنها تسلط الضوءَ، بعمقٍ بالغٍ، على مرآة السياسة الحقيقة: المجتمع. قرارات الملوك والوزراء تغير الحال؛ فالطفل تغتصب طفولته من غياب العلم، والأم ترمل من الحرب، والرجل يجوع من الفساد. وصناع القرار في البيوت يهنؤون… وتنطلق، القصة، مع جان فالجان، مثيرةً أسئلة فلسفيةً كثيرةً. تبدأ من القانون الثابت وشرعيتهِ، وتمر بالشر وإرادته، وتشير إلى لعنة الشباب، حتى تطرح – بوضوحٍ- معضلة العفو. ولعل، هذا التحليل، سيفيد بتسليط الضوء على كل هذا.

نسبية القانون

تعد القوانين وسيلة لضبط الحياة، وغايتها كبح جماح الشر الإنساني، وتنظيم العلاقات بين البشر. ويوضع القانون، بطبيعة الحال، من قبل المؤسسة السياسية على هيئة بنودٍ ثابتةٍ، لا تقبل التغيير بأي حالٍ. ومن هنا تنبع الإشكالية، فهل حقًّا القوانين ثابتةٌ لا تتبدل؟

تخيل أنك فقيرٌ من الفقراء، تعول أسرة مكونة من أختٍ وسبعة أطفالٍ. وتعيش في فقرٍ مدقعٍ، ولا تملك قرشًا. الآن، أحد الأطفال سيموت جوعًا، وسيمر الجوع قاتلًا البقيةً، ثم سيتفك بأختك الأرملة. وأنت ما ذنبك في فقرك؟ لا تملك خيارًا في ذلك، ولا عمل متاح لشخص مثلك، بطبقتك الاجتماعية الحقيرة. إذًا، مدفوعًا برغبة البقاء وحق التكافل الاجتماعي؛ ستسرق «خبزةً» من الخباز. وإلم تفعل ستموت، هذا ما جرى لجان فالجان. ولكن ما إن سرق؛ قُبض عليه، كلصٍ من اللصوصِ؛ وأودع السجن لمدة أربع سنواتٍ. هل يعد جان فالجان، بعد سرقته، مجرمًا؟

وأنت، لو كنت جائعًا لحد الموت، وسرقت خبزةً لتأكل؛ فهل تعد مجرمًا؟

حسنًا حتى نُحدث، من الناحية الأخلاقية، جرمًا نحتاج عدة أمورٍ: حرية الإرادة، الرغبة في الضرر، وجود سبيلٍ غير سبيل الجرم. وجان فالجان لم يمّلك أيًّا منها؛ فإرادته لم تكُ حرةً بل دُفعت من الواقع البائس والجوع القاتلِ. ونعلم، على سبيل التأكيد، أنه لا ينوي ضررًا؛ فأي ضررٍ في أخذ قطعةٍ من الخبزِ؟ وهل توفر، حقًّا، لجان سبيل غير السرقةِ؟ لا؛ فولادته فقيرًا خسيسًا، في مجتمعٍ طبقي، جعلت من حيلولة السرقة أمرًا مستحيلًا. «ولماذا لا يعمل؟» ربما تسأل، حسنًا أي وظيفة يمكنها إعالة عشرة أفرادٍ في ذلك الزمان؟ ومن خلال ذلك، يتبين لنا، أن جان لم ينوِ الجرمَ؛ إذًا فهو ليس بمجرمٍ. ولا يحق، تبعًا لذلك، سجنه.

ولكن، هنا الإشكال، القانون لا يراعي نسبية الحالِ؛ فهو موضوع من «المؤسسة» القانونية، وتلك صفتها الثبات. نعم، سرق جان، لكنه ليس مجرمًا، والقانون – للأسف- لا يدرك ذلك. ولعل القاعدةَ الإسلاميةَ الحكيمة جدًّا تحل هذا، فالضرورات تبيح المحظورات. وهي قاعدة في أحكام الشريعة والقانون، ومن ذلك كان إلغاء الخليفة عمر بن الخطاب لحد السرقة في عام الرمادة[1]. فنسبية الحال، في تلك الفترة، حالت عن تطبيق القانون. وهذا التأرجح، بين الثبات والنسبية، لم يكُ معروفًا في فرنسا، لسوء حظ جان. وبما أن سجنه ليس مبنيًا على حقٍّ أخلاقي، فلديه حقٌّ في الخروج من السجن. ولكن السجن ليس استراحةً، للأسف، ومن هنا هرب جان من السجن. وهروبه لا يعد، بناءً على بطلان جريمته، جرمًا. بل هو حقٌ أخلاقي لا بد من فعلهِ. ولكن القانون، الأخرق، لا يدرك ذلك؛ فحُبس جان مرة أخرى؛ فصارت سنوات سجنه ثمانيةً. وفر، بناءً على حقه، مرة أخرى. لكنهم أمسكوا به… وهلم جرًا، حتى ضُعِفَ حكمه ليصل إلى تسع عشرة سنةً؛ لأنه سرق خبزةً، وتنفس الحرية لساعتين فقط. والمشكلة، من أساسها، تنبع من القانون البائس.

معضلة العفو

بعد أن مضت، ببؤس بالغٍ، السنوات التي عاقر فيها جان السجن، حان ميعاد خروجه. فكيف سيقابله المجتمع؟ سيجعل من ذنبه، الذي – كما أوضحنا- لم يرتكبه، عارًا لا سبيل للفكاكِ منه. سيمضي جان؛ ليبحث عن مسكنٍ بعد سجنه. يصل، بعد طول سيرٍ، إلى مدينة ما. ويذهب، امتثالًا لأمر القانون، إلى مبنى العمدة ليريهم جوازه. الذي يحمل بدوره حقيقة أنه قد سُجنَ سابقًا. ومن هنا تبدأ اللعنة. يبحث، الحرُ الجديدُ، عن مسكنٍ؛ فيجد فندقًا فيدخل؛ طالبًا غرفة للنوم. لكن صاحب الفندق، بعد علمه «بجريمة» جان وخروجه، من العمدة الذي نشر الخبر؛ يطرده. فيقول له: «ارحل..  لا مكان لك هنا». حسنًا، الفندقي لا يريد أن ينّجس الغرفَ بهذا «السجين». سيهيم المجرم باحثًا عن مسكن، وسيطرده صاحب الحانة، ومالك منزلٍ، وحينها سيرى كلبًا في كوخٍ؛ وسيقول: «أنا لست حتى كلبًا». أَحسَ بحقارةٍ بالغةٍ، لحدٍّ ما عاد يظن، هو، عن نفسه أنه «إنسان».

ولماذا حقًّا يحتقر الناقصون ناقصًا كأنهم كاملون؟

الاحتقار يعني كره الشيءِ وتقبيحه، وجعله منافيًا لقيمنا. ونسعى، من خلاله، لغاية واحدةٍ: نفي الصفة الحقيرة عن أنفسنا. فالبشر يحتقرون لنقصهم؛ طلبًا للكمالِ. فالخرقى يتمتعون من بؤس الآخرين؛ إذ يخبرهم أنهم ليسوا في أسفل القاع. حينما ندعو شخصًا بالغبي؛ ننفي الغباءَ عنا ونثبّت، بشكل بديهي، صفة الذكاء لنا. حينما نفضح شخصًا لأنه زنا؛ نفعل ذلك لنخبر الناس أننا لسنا زناةً مثله. حينما يلعن الناس جان؛ يحصلون على تقديرهم الخسيس لذواتهم. فهو مجرمٌ وهم الشرفاء، وما هو بمجرمٍ، وما هم بالشرفاءِ. ولكنها حياة الطبقية، التي تقيّم الناس لا لكونهم «بشرًا» بل لأنهم «بشرٌ» من نوعٍ خاص. فالإنسان هو الذي يملك مالاً، ومنزلاً، وخادمًا، وغيره ليسوا حتى كلابًا. ولو كانوا؛ لحصلوا على مبيتٍ. لكن الكلاب أرقى من هؤلاء البائسين. وتستمر، معضلة العفو، مع جان حتى يصدق ذنبه؛ فيصير مذنبًا حقيرًا في عين نفسهِ.

معضلة الشرِ

بعد بحث طويل سيجد، جان، بيتًا يلجأ إليه. قسٌ من قساوسة المدينة سيدخله إلى منزله، ويطعمه عشاءً، ويعطيه دفئًا وفراشًا. جان سينصدم من ذلك؛ فيقول: «أنت شفوق يا سيدي القس. أنت لا تحتقرني!» حسنًا، لماذا إذًا لم يحتقر القس جان، كسائر الناس؟ لأنه لا يرغب بنفي صفة النقص عن نفسه؛ ليدعي الكمال. فالتدين، في أساسه، إيمان بالنقص البشري، وطلبٌ للكمال الإلهي. وقسنا الرحوم يؤمن بخطاياه عكس الآخرين؛ وهذا ما جعله محسنًا. لكن جان سيرتكب خطيئة، بعد أن ينام القس، يخرج جان إلى المطبخ؛ ليسرق أوان فضيةٍ رآها سابقًا. بعدها سيفر، من منزل القس، مسرعًا. وهذه تعد جريمةً حقيقيةً؛ لتوفر الإرادة الحرة، ووجود سبيل آخر. لكن ما الذي حداه[2] لذلك؟ التحقيرُ، ذلك الفعل الذي جعل منه، يقتنع أنه ذاتَه، حقيرٌ. ولماذا يحسن؟ ما دام الكل يعامله كمجرمٍ؟ لو أن المجتمع لم ينفه؛ لما سرق شيئًا.

ولعلنا، هنا وفي سائر الرواية، نتساءل: لماذا الشر موجود في العالمِ؟

سنصادف، أثناء القراءة، شرورًا كثيرةً: أطفال يذوقون البؤس بلا ذنبٍ، رجالٌ يعانون الفقر دون حلٍّ، أمهات يرين المرض يفتك بأبنائهن ولا يملكن علاجًا، لماذا؟ ما ذنب الطفل لئلا يضحك، وما قيمة الطفولة بلا ضحكٍ؟ ما ذنب هؤلاء الناس؟ ومن ذا الذي تسبب بهذا؟ «لماذا لا يتدخل الله، ما دام خيرًا ولا يرضى الشرَ، أم أنه غير موجودٍ؟» هذه معضلة الشر الفلسفية، التي عاقرت الفلسفةَ طويلاً.

سبب الشر[3]

لعل هذا المبحث الفلسفي من أشهر المباحث في تاريخ الفلسفة، وأبرزها على الإطلاق. ويظهر، على ما يبدو، مرارًا بلا توقفٍ. حسنًا، من الذي يسبب الشر في العالم؟ الإرادة الحرّة. الإجابة غريبة بعض الشيء، ولكن تأمل: لو تدخل الإله في الحياة، فارضًا الخير على البشر، هل سيكون عادلاً من الناحية الأخلاقية؟ لا؛ فما نفع العيش بلا حرية؟ وكل الشرور، في عالمنا البائس، تنبع من إرادة الإنسان الحرة. ونحن المسؤلون عنها. الطفل الصغير الميّت جوعًا، الأرملة الغارقة حزنًا، الفقر المخيم في الأفقِ، نحن سبب ذلك. سرق جان، هذه المرة، وأحدث شرًّا، لأنه حرُ الإرادة، وتقوم الحروب – التي ترمل النساء، وتقتل الشباب، وتنشر الفقر- من حرية القرار السياسي، المستأثر به من قبل الساسة. ولكن، علينا ألا نجازف في جعل الإرادة شرًّا محضًا، هي ثنائية العطاء: شر وخير. والإنسان يختار بينهما. ونحن، لنحاول الفرارَ من الشعورِ بالذنب، نلقي مشاكل الحياة على الله، ونجعله – هو والدين- سببًا لفساد العالم. ونتناسى أن البشر، من المنظور الديني، مستخلفون في الأرض.

إرادة الخير

بعد سرقة جان للأواني الفضية؛ ستمسك به الشرطةُ. وتجره، بكل قسوةٍ وإهانةٍ، إلى القس. أخبرهم جان، كاذبًا، أن القس منحه الفضةَ، وستحمله الشرطة للقس؛ للتحقق من ذلك. يدخل البائس، ثم يُلقى طريحًا أمام الراهب الكبير، وحينها يقول القس: «ألم يقل لكم، الرجل، أنه نام عندي البارحةَ؛ فأعطيته الأواني؟ ثم تجلبونه إلى هنا؟ هذه إهانة!» قالها بحنانٍ بالغٍ، أصاب جان بصدمة من البشر؛ فأنكرت نفسُه نفسَه. ألقته الشرطة وخرجوا، بعدها اقترب الراهب للفتى وهمس، بدفء أبٍ لم يعرفه جان، قطُ، في حياته: «هذان شمعدانان، من الفضةِ، نسيت أن تأخذهما مني بالأمس. مع أني منحتهما لك». وأتبع قوله: «لا تنس، لا تنس أبدًا، أنك وعدتني أن تجعل، من نفسك، رجلاً صالحًا، مستعينًا بهذه الأواني». لم يَعِد جان القس بشيءٍ، ولكنه – حرفيًّا- غيّر حياته بقولهِ هذا.

التحول:

سيخرج جان من عند القس منكبًا على وجهه، وحائرًا في أمره. في الوقت الذي اعتقد عن نفسه أنه حقير، جاء الأسقف لينفي ذلك عنه. خلال حيرته الغامرةِ، سيمر طفلٌ اسمه «الأمير جيونيور» مغنيًا. وسيلقي أثناء غنائه قطعة نقدية. ستسقط القطعة وتتدحرج مستقرةً أسفل قدم جان، دون علمهِ. سيطلب الطفل منه أن يبتعد، لكن جان لا يعرف شيئًا عن قطعته؛ فيغضب منه ويطرده بعيدًا عنه. بعد رحيل الصغير يتحرك جان؛ فيرى القطعة النقدية؛ فيفهم سر صراخ الأمير الصغير. حينها، ستظلم الدنيا في عينهِ؛ لظنه أنه سرق وارتكب جريمةً، سيركض في كل مكان؛ ليبحث عن الطفل. لكن بلا أثر. سرق، وأخذت وصية القس تنخر ضمير جان؛ فبكى، كطفلٍ صغيرٍ. لكن، أحقًّا سرق جان؟ سائر أحداث الرواية، واعتقاده عن نفسه، تشير لسرقته القطعة النقدية. وهذه، برأيي، خدعةٌ لطيفةٌ من الكاتب. لا لم يسرق جان، وهذا – كما يتضح للقارئ- لا يحتاج لبرهنةٍ؛ فهو لم يعلم – أصلاً- عن القطعة النقدية. لكن ما المهم في هذه السرقة؟ القانون البائس، هو المهم. ينص، القانون المؤسسي الجامد، على أن السجين الذي يسرق بعد خروجه؛ يعاد إلى السجن، مع عقوبة السجن المؤبد. وجان، وسائر السلطات، يؤمنون أنه سرق مرة أخرى. كيف من الممكن أن يقتنع بذلك عن نفسه؟! مدفوعًا من إحساسه بالحقارةِ الذاتيةِ، وظنه – الذي ترسّخ جراءَ معاملة المجتمع- أنه مجرم شريرٌ؛ سيؤمن بسرقته مرةً أخرى، مع أنه لم يسرق في المرتين.

بعد السرقة، المزعومة، سيتخذ عهدًا على أن يكون خيرًا، وحينها سيحيك له القدرُ سبيلاً عجائبيًّا للخيرِ. يخرج السارق تائهًا بين المدنِ، لا يدري أين يمضي، ولا يعرف لمبيته محلاً. قدماه، مدفوعتان من القدر، تدخلان إلى مدينة «مونتري سور مير». ويندلع، في مبنى العمدةِ، حريقٌ ضخمٌ، في الساعة التي دخل بها. يتجلى خير جان؛ فيدخل لمبنى العمدة وينقذ طفلين اثنين، من موتٍ محتمٍ. وبعد إنقاذه لهما يتضح أنهما ولدا العمدة؛ فتمتنع الشرطة والناس من سؤال جان عن جوازه؛ تكريمًا له على فعلته المشرفة. لعدم سؤالهم عن جوازه سيتخذ رفيقنا هويةً جديدةً، وسيكون اسمه فيها «مادلين». رجلٌ جديد، تاريخ جديد، حياة جديدة. لا ماضي يطارده الآن. وسينتج، عن ذلك، عظمة الإنسانية، إذا ما سعت للخير. كانت المدينة التي دخلها جان تمارس تقليد الزجاج الإنجليزي الملون، والخرز الألماني الأسود. وتجارتهم لا تدر دخلاً؛ جراء تكلفة الإنتاج الضخمة، التي تقلل – بدورها- من نسبة الربح، وثمن الأيدي العاملة. سيغير مادلين هذه التجارة: سيستبدل نوع الصمغ في الزجاج، وسيغير طريقة صنع الأساور من تلحيمها إلى لفها، بكل بساطة، على بعضها. هذان التغييران البسيطان سيحدثان أربعة أمورٍ: تقليل تكلفة الإنتاج، زيادة مقدار الربح، رفع أجور العاملين، جعل «مادلين» ثريًا إلى حد الجنون!

بتراكم ثورتهِ سيبني مصنعين، ومدرستين، ويسينثرُ أمواله – بسخاءٍ بالغٍ- على الفقراء والمساكين. المصانع تهب الفقراء العملَ، والمدارس تعطي الأطفال المعرفةَ، والصدقات تسد الحاجة عن المحتاجِ… ولن يعيش فقير، بعد مسيو مادلين، دون عملٍ. للعمل لديه شرط واحدٌ: الأمانة. ومن خيراته؛ ستقل الجريمة، سينتهي الفقرُ، العوائل تزداد ثراءً، المعرفة تشق طريقها بين الأطفالِ. وتكريمًا لجهوده؛ ستجعله الحكومةُ «عمدة»، وسينادى المجرم الهارب البائس الذي لم يجد، سابقًا، بيتًا يؤيه بسيدي «العمدة مادلين». لكن لماذا، بكل صدقٍ، يقوم جان بكل هذا الخير؟

لماذا نفعل الخير[4]؟

سؤالٌ صعبٌ، أعترف بذلك. تذكّر الآن عملاً خيرًا فعلته، بماذا شعرت؟ لعلك، قبل فعلك للخير، آمنت بوجود الخير فيك، أي أنك آمنت بأنك خيرٌ. ولربما، نويت بفعلتك للخير تكفيرَ ذنبٍ فعلته. حسنًا، كلنا نحتاج لتكفير الذنوب، والخير يعطينا ذلك الإحساس بالنقاء بعد شعور الاستحقار الذاتي. لكن، دعنا لا ننسى أمرًا مهمًا، الخيرُ يمنحنا شعورًا جميلاً. ولإحساس به من الفطرة البشرية.

مسيو مادلين، أو السيد العمدة، آمن بأنه خيرٌ، بعد أن كان حقيرًا مقتنعًا بحقارته، من معاملة القس، ووعده الذي لا ينسى. كذلك عزز إنقاذه للطفلين من هذا الإحساس؛ فرسم لنفسه صورة خيرةً. وهذه الصورة، التي نرسمها عن ذواتنا، هي التي توجهنا للخير وتمنعنا عن نزوات الشر. وكان لفعله للخير دافعٌ آخر: التكفير عن ذنوبه. علينا ألا ننسى: العمدة مجرمٌ في عين نفسهِ، وهذا الاعتقاد تزحزح جراء كل الخير الذي قام به، لكنه لم يُمح. ومادلين يشعر بواجبٍ تجاه الفقراء؛ فهو لا يريد أن يلاقوا مصيره، حتى أنه كان يوزع الخبز، مجانًا، عليهم. وبالتأكيد، كان يشعر بشعورٍ جميلٍ عندما يمنح البائسين أملاً في الحياة.

تقلبات الدهر على مسيو مادلين

سنكتفي، هنا، بالإشارة إلى شخصية جافير. هو مفتش من الشرطة، ويعد رمزًا لمعضلة العفو، ولإشكالية نسبية القانون. لعل المجال لا يكفي لسرد بقية الحكاية، لكن أوجزها بالتالي: هَمُ جافير، الوحيد، أن يلقي بالقبض على «جان فالجان»؛ فهو مجرمٌ خطير. كان يعمل في مدينة العمدة مادلين، ودائمًا ما شك بالعمدةِ. لكنه لم يملّك دليلاً قاطعًا. في أحد الأيام يدخل إلى العمدة مبتهجًا؛ ليخبره أنهم وجدوا جان فالجان. وقد سرق، في مدينة أخرى حبة تفاحٍ، وبالإضافة إلى القطعة النقدية؛ سيسجن تحت الحكم المؤبد. وتوهم جافير، مع السلطة القضائية، أنهم وجدوا جان، وبسبب ذلك؛ سيسجنون رجلاً بريئًا بلا ذنب مدى الحياة.

معضلة أخلاقية

«هل أعترف؛ فينتهي كل شيء؟ أم أكذب فأخسر الفضيلةَ، وأكسب كل شيء؟»

لعله، من الواجب علينا، أن نتساءل عن السعادة هنا، فما هي؟ لو خسر العمدة الفضيلة مقابل الجاه والسلطان، ألن يكون سعيدًا؟ أم أن السعادة، حقًّا، لا علاقة لها بالمال؟

لا تصالح، ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جهورتين مكانهما، هل ترى؟

هي أشياء لا تشترى…

قصيدة أمل دُنقل، في الأعلى، تساعدنا قليلاً. كتبها لأنور السادات قبل معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، ولعلها تجعل العيون رمزًا للبصيرة، والجواهر رمزًا للمالِ. المال لا يشتري البصيرة، بل هي – بناء على آخر شطرٍ- من الأشياء التي لا تشترى. الفضيلة، الأخلاق، السعادة، البصيرة، الحكمة… كلها لا تشترى بالمال؛ لأنها تنبع من الذات لا من العالم، والمرء يعجز عن خداع ذاته أو رشوتها. بناءً على ذلك، سيتخلى العمدة عن كل شيء وسيعترف؛ مفضلاً الفضيلة على الجاهِ.

معضلة العفو، مرة أخرى:

بعد اعترافه؛ لينقذ الرجلَ البريء، سينسى الناس –بشكلٍ قذرٍ – كل عملٍ فاضلٍ قام به. ولن يكون إلا مجرمًا في عيونهم. يُجر إلى السجن، ببؤس بالغٍ، مع تهمة الحكم المؤبد. وسينتهي المصنعان، وستُقفلُ المدرستان، والجوع والفقر سيعودان. لماذا؟ لأن البشر يحتاجون لناقصٍ؛ ليذكرهم بكمالهم المزعوم؛ ولأن العرف بائسٌ، والقانون أكثر بؤسًا.

لن تنتهي الحكاية هنا؛ فجان وعد امرأة ما أن يستعيد لها ابنتها. ونجح، قبل سجنه، بوضع مالهِ بمكان آمنٍ.

لعنةُ الشبابِ

ما معنى أن تكونَ شابًا؟ أنت، أيها الشابُ، كائن حديثٌ، جديدٌ متقدَ العقلِ. أفكارك غالبًا سابقة للعصر، ونفسك – على عكس الكهّل[5]– تواقةٌ للمزيد ولا ترضى بالقليل، وتسعى دائمًا للتغيير، وتكره الجمود والثبات. لكن ماذا عن المجتمع؟ تقوده، من خلال السلطة السياسية والقضائية والتشريعية، مجموعة من الكهّل. هم، بطبعهم الذي حاكه الزمن، يكرهون التغيير، يحبون الجمودَ والثبات. هذا سينعكس على القوانين، التي يشرعها هؤلاء الجامدون، فهي قوانين ثابتةٌ جامدةٌ لا تسعى إلا لأمرٍ واحدٍ: ثبات الحال. وستكون دعواهم: اللهم نسألك ألا تغير حالنا!

إذًا، هنلك تضاد كبير بين الاثنين: الشاب الذي يسعى، والكهّل الذي يثبط. ماذا سيولد هذا؟ خمسة أحرفٍ: إحباط. ومن هنا تنبع لعنة الشباب. أن تكون ملعونًا؛ لأنك تسعى لقلب الأحوالِ.

مجموعة الأبجدية

ستنفصل أحداث الرواية قليلاً، وستبتعد بنا عن جان فالجان؛ لتعود به في نهاية المطاف. أبطالنا، في هذه الفترةِ، هم مجموعة من الشباب. يعملون في جمعية سرية؛ لتغيير الأحوال الاجتماعية. لماذا يسعون لذلك؟ لأن الحال في فترة 1815-1832 خانقٌ للشباب.

تخيل معي: الحكامُ الذين طردُوا من الحكم عام 1789، عادوا؛ بعد سقوط نابليون (1815). بعودتهم عاد الحكم الملكي المطلق، دون دستورٍ، على يد عائلة آل بوربون، تحت حكم لويس الثامن عشر، أي أن الحال ازداد سوءً. سيموت لويس في عام 1824. سيخلف بعد لويس شارل العاشر، وهذا سيزيد الوضعَ قبحًا. لكن، ردًّا على التقلبات البائسة، يهرع الناس إلى ثورة لطرد آل بوربون من الحكم، وذلك في عام 1830. من الثورة، ستتحول فرنسا إلى مملكة دستورية، وملكها الجديد هو لويس فيليب الأول.

ماذا يعني كل هذا؟ بغض النظر عن التواريخ الكثيرة، لكن ماذا علينا أن نلاحظ؟ لاحظ الثورات المتكررة، وربما يثيرك أن تعلم: لويس فيليب الأول، الحاكم الجديد، تنازل عن الحكم جراء ثورة أخرى في عام 1848. هذه الثورات، دليل قاطع، على الإحباط المتزايد من الوضع القائم.

تمرد عام 1832

مجموعة أصدقاء الأبجدية، رمز الشباب في الرواية. هم عشر شخصيات، همها الشاغل: التقدم. الحال السياسي البائس يزيد من إحباطهم. لعنة الشباب، في سعيهم للتقدم في مجتمعٍ ثابت؛ تزيد من الإحباط إحباطًا. وهذا الإحباط، لن يجد طريقًا سلميًّا للتغير، فماذا سيفعل؟ سيفضي بالشباب إلى القيام بتمردٍ مسلح، ضد الحكومة الجامدة. التمرد لن يغير شيئًا، ولكنها وسيلةٌ سريعة وشريفة للموت. وللتخلص من هذا الإحباطِ القاتلِ. الشباب العشرة سيموتون؛ بسبب الإحباط الذي تنامى من الوضع السياسي الاجتماعي الخانق. وعلى عشرة عقولٍ شابةٍ، قُتلت من العرف الاجتماعي والقانون المؤسسي، اقرأ قدّاس التأبين.

خاتمة

ستنتهي الرواية على حدثٍ ما. ومصير جان، وسائر الشخصيات، سيصبح معروفًا. لكن الحكاية لن تنتهي، ما زالت معضلة القانون قائمةً، وإلى يومنا نحتقر الناس لذنوبهم. ونأبى، كأننا الملائكة الطاهرون، أن نعفوَ عنهم. الشر إرادته تملأ الأفق، عبر الحروب والدمار، وتجويع الأطفال وترميل النساء. الشباب ملعونون من القوانين الثابتةٍ، والقرارات الجامدةٍ. وكما قال فيكتور هيجو، في افتتاحه للرواية: «ما دام هنالك بؤسٌ يأتي من القانون والعرف؛ فكتاب مثل هذا سيكون مهمًا».

إلى جان فالجان

عشت بائسًا، واغتنيت كبائسٍ، ومتَ؛ فدفنت في زاويةٍ لا تُعرفُ. اقتنعت، للأسف، أنك مستحقٌ لبؤسكَ. وما أنت كذلك. وهذه الحروف الألفان وتسعمائة وتنيف رثاءٌ لك. على روحك، الفاضلة، السلام.

————————————-

[1] لم تك إلغاءً، إنما هو اتمثال لأمر الله في القرآن، الآية: «فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم» المائدة.

[2] دفعه

[3] للاستزادة؛ راجع: أوغسطين، جاريث ب. ماثيوز، ترجمة أيمن فؤاد زهري، صفحة: 185

[4] لعل المنهجية الفلسفية تحتم الدخول في التساؤل التالي: هل الإنسان خيّر بطبعه؟ وهذا سيفضي بنا إلى تفصيلٍ لا مجال له هنا. لكن أوجز الرأي بالتالي: الإنسان لا يملك أصلاً خيرًا أو شريرًا، يملك أصل الاختيار؛ فهو يختار أصله سواء أكان خيرًا أم شرًّا.

[5] كهّل جمع كاهل، وتعني الرجل كبير السن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد