من منا لم يقرر التغيير يومًا، أن يقطع الوصل بكل ما ينغص عليه حياته، أن يتجاوز كل سيئ وكل علاقة سامة، لكننا سرعان ما نرجع ونسقط في الحفرة نفسها، و نلدغ من الجحر نفسه، ولا نقوى على لوم أحد حيث نكون السبب.

إن تجاوز الماضي ليس بالأمر الهين كما يُدَّعى، وهجر عادة سيئة كبرت معنا وفينا قطعًا ليس بالأمر السهل، ولكن يجب أن نقاوم؛ حبًّا في السعادة ورغبة في الهناء.

بداية، يجب أن تعرف أنك الشخص المسؤول على كل ما تمر به حياتك، حتى قدرك أنت تساهم فيه بشكل غير مباشر، باتخاذ قرارات مرات تصيب ومرات تخطئ. إن مجموع الأمور السيئة التي قد تعيشها كثيرة، لن يكفي مقال لذكرها، وبما أن الشر كله يأتي من الإنسان،كما يقال، سأحاول ولي أجر المحاولة أن أشجعك على بتر كل علاقة سامة في حياتك، سأحاول أن أشجع نفسي أيضًا، أن أودع بلا عودة هذه المرة، أن نتجاوز سويًّا كل شخص لا يستحق أن يكون جزءًا من ذكرياتنا، لا تلتمس الأعذار لأحد، ستكون أنت الجاني في رواية أحدهم أعلم، وأنا مثلك، لكن على الأقل دعنا نتخلص من الجانين على أنفسنا وللآخرين الحرية في هجرنا.

غالبًا تشفع البدايات الجميلة لقبح ما يأتي بعدها، نطمع في عيشها مجددًا ومع الأشخاص أنفسهم، لكننا نسعى وراء المستحيل، يقول درويش: «لا أريد من الحب غير البداية»، ونحن لا نريد من كل العلاقات الإنسانية التي نعيشها سوى أن تستمر حلاوة البداية، ولا ينضب شلال اللهفة والشوق وكل تلك الأحاسيس الجميلة التي يفرزها الجسم، لكن لكل شيء تاريخ انتهاء، ونعاني نحن عند اقتراب موعد الفراق، فنقدم التنازلات والتضحيات والكثير من الصبر في سبيل أشخاص لا هم يقدرون ولا يستحقون.

ان الفراشات التي تحلق في بداية الصداقة وفي أول أيام العلاقات تتعب بسرعة وتقرر الذهاب، ونستمر بإيهام أنفسنا بأننا نراها، ونتشبث بالمستحيل، والمتضرر الرئيسي هنا صحتك النفسية.

يقول تشارلز بوكوڤيسكي: «لا تستمر العلاقات الإنسانية بأي طريقة. فقط أول أسبوعين يحتويان على بعض الحيوية، ثم يبدأ المشاركون في فقدان اهتمامهم. تسقط الأقنعة ويبدأ الناس الحقيقيون في الظهور: سيئو الطباع، الحمقى، المجانين، المنتقمون، الساديون، القتلة. أقصى ما يأمله المرء في علاقة هو عامان ونصف».

عندما ترى بعض السلوكيات التي توضح طبيعة الشخص الذي تربطك به تلك العلاقة، أرجوك لا تستمر في مخادعة نفسك وتمنيها، فقط لا تحاول أن تغيره أو توهم نفسك بأنه سيتغير لأجلك، ستجد نفسك الشخص الوحيد الذي يغير من نفسه ويدوس على كبريائه، إذا حاول صديقك أن يجعلك تشعر بأنك فاشل لا تصلح لشيء، وأنه دومًا على صواب ورأيك خاطئ اقطع علاقتك به، إذا حاول شريكك التحكم في تصرفاتك وفرض سيطرته اهجره، إذا رأيت أنك تعطي أكثر مما تأخذ انسحب، حينما تشعر بأنه لا يمكنك أن تكون على سجيتك، ويصبح تمرير كل ما تقوله أو تفعله محاطًا برقابة صارمة خوفًا من أن يغضب الطرف الآخر، وبالتالي هذا يؤثر في صحتك النفسية والعاطفية، انهِ العلاقة لأنك تستحق الأفضل لا الأقل، لأنك تستحق أن تعامل كما تعامل الآخرين، لأن الاعتذار لا يصلح ما كسر.

في مقال للمدونة كاميليا حسين، ترى أننا لا نتجاوز العلاقات السامة بسهولة بسبب ما أطلق عليه روبرت فايرستون أستاذ علم النفس «الرابطة الخيالية»، هاته الأخيرة توحي بوصف وهم التواصل الناشئ بين شخصين، والذي يساهم في التخفيف من مخاوفهم الفردية عبر تشكيل إحساس زائف بالارتباط. هذا النوع من الارتباط يتحول إلى حالة مسمَّمة بكُليَّتها، حيث تُستبدل الرغبة في دمج وصهر الهويات بالشعور بالحب والدعم ، وبالتالي فقدان الشعور بالاستقلال داخل العلاقة، حيث يصير كل منهما يبحث عن الأمان في هذا الاندماج الواهي، أو ممارسة أحد الطرفين لدور الأب أو الأم في العلاقة من خلال وهم توفير الحماية والرعاية. إن قدرة الأفراد في مثل هذا النوع من العلاقات على خداع ذواتهم تُمكِّنهم من الاحتفاظ بوهم القرب والحميمية، يغلقون أعينهم بذلك عن حقيقة افتقاد العلاقة للالتزام العاطفي الحقيقي والرفقة الحقيقية، ينغمسون في العلاقة مهما كانت سامة، ويجري تقبلها بكل عيوبها وكل انعكاساتها السلبية على الصحة النفسية.

لكن لا بد من الانتباه لأن بعض العلامات التي جرى ذكرها قد تظهر في جميع العلاقات الإنسانية من وقت لآخر، حتى العائلية منها، لكن هذا لا يجعل منها علاقة سامة، بل إن ما يجعل منها سامة هو الاستمرارية والثبات والكثافة والضرر الواقع. إذ أن أي علاقة صحية تتضمن بذل الجهد، والتضحية، والانضباط، والاحترام، والرغبة في تجاوز كل العقبات معًا، وليس الاتكال على طرف واحد لانقاذها. فإذا كانت العلاقة قد شهدت مناخًا صحيًّا من قبل قد يكون من الممكن إصلاحها مع بذل بعض الجهد معًا. أما اإذا كانت العلاقة سامة من البداية، ولم تشهد أي مناخ صحي فمع الأسف يجب أن أخبرك بأنه لن تكون فرصة لإنجاحها، ونسبة استمرارها بشكل لن يؤذيك ضئيلة للغاية، تعلم أن تتخلص من ثوب الضحية وتنجو، فأنت تستحق الأفضل دومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد