الأزمة تلد الهمة ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق

الأزمة تلد الهمّة، ولا يتسع الأمر إلا إذا ذاق، مقولة تنطبق تماما على المنتخب الوطني الجزائري الذي أحرز بطولة الأمم الأفريقية. لم يكن هذا الإنجاز بالتّأكيد محظ مصادفة بقدر ما كان عملًا دؤوبًا ومضنيًا على مختلف الصعد: النّفسية والذهنية والفنية والتكتيكية والتسييرية والتنظيمية، وبخاصة من قبل نجم الإنجاز الأوّل جمال بلماضي والذي أثبت فعلًا أنه مدرب من الطراز العالي، مدرّب تتكلم عنه إنجازاته، وليس هو الذي يتكلم عنها، مدرب يدرّس لاعبيه نفسيًا قبل أن يوجّههم فنيًّا وتكتيكيًا.

لقد جاء هذا التتويج في وقت تعيش فيه الجزائر ظروفًا استثنائية، أبرزها الحراك وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن غياب رؤية واضحة للحل.

كثيرون وظّفوا هذا الإنجاز الكروي لصالح السياسة، أو ضمّنوا هذا التتويج رسائل سياسية، وقد أردت أن أنظر لهذا الإنجاز بمنظار آخر، أردت أن أضع مسار هذا الفوز في سياق شديد الأهمية، بعبارة أخرى: ما الدروس الممكن استخلاصها من هذا الإنجاز الكروي؟ بمعنى أوضح: كيف يمكن أن تستثمر الأمة الجزائرية التجربة الفذّة للمدير الفني جمال بلماضي من أجل النّهوض بالجزائر أخلاقيًا واجتماعيًا واقتصاديًّا؟

ولهذا سأسلّط الضّوء على أبرز النّقاط التي جعلت التشكيلة الوطنية تفوز ببطولة الأمم الأفريقية، وما مدى إمكانية استثمارها من أجل تغيير الوضع الجزائري الرّاهن نحو الأفضل، و البداية مع:

1-القيم الأخلاقية

وهي من أهم الأسباب التي تدفع الفرد والمجتمع على السواء إلى التقدم والازدهار والمجد، وهذا ما حصل مع لاعبي المنتخب الوطني الذين اتّصفوا بدماثة الأخلاق، وقد اتّضح ذلك جليًا من خلال تحليهم بروح المسؤولية وابتعادهم عن الغرور واحترامهم لقرارات الناخب الوطني، وغياب هذه القيم بالتّأكيد معناه الانحطاط والتخلف والضّياع. إن الأخلاق النبيلة بلا ريب تغيّر الشخص وتجعله يستشعر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه من أجل النّهوض بواقعه وواقع أمّته، فالأخلاق الفاضلة تساهم بشكل لافت في التقدّم الاقتصادي والازدهار الاجتماعي من خلال بناء جسور الثقة بين أفراد الشركة والإدارة، بين ربّ العمل والعامل، بين المسؤول والمواطن. وهذا عبر معرفة كلّ طرف ما له وما عليه، ومن خلال أداء كلّ طرف لواجباته قبل المطالبة بحقوقه. وبالتّالي تُخفّف العراقيل البيروقراطية، وتنخفض تكاليف الرقابة المؤسّساتية، ما يؤدّي بالضّرورة إلى تراجع الكلفة الاقتصادية وزيادة التنافسية التسويقية.

ومن الممكن أن نعقد مقارنة بسيطة بين اليونان وألمانيا، الدولتين العضوتين في الاتّحاد الأوروبي والمتقاربتين نسبيًا من حيث الموارد الطبيعية والبشرية لنصدم بالهوّة السحيقة بينهما في التقدّم الاقتصادي والازدهار الاجتماعي. فاليونان مهد الديمقراطية، لم يفدها هذا النظام في تحقيق النهضة الاقتصادية المرجوّة لأن مجتمعها عمومًا يفتقد لثقافة العمل، فضلًا عن سيطرة الذّهنية الاتّكالية والتي أدّت في الأخير إلى دخول نفق الديون المظلم، وقبولها حزمة الإنقاذ الأوروربية بشروط مهينة.

في المقابل نجد ألمانيا تحظى بمعدل ثقة عالية بين أفرادها، ما انعكس إيجابًا على مؤسّساتها الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي كسرت الحواجز الإدارية وأسقطت العراقيل البيروقراطية لتشهد الأمة الألمانية طفرة تنموية عقب الحرب العالمية الثانية ما زالت قائمة ومتواصلة، وقد أطلق عليها حينها المعجزة الاقتصادية الألمانية.

2-العدل والحزم

هما ميزتان تميّز بهما الناخب الوطني جمال بلماضي سواء مع الاتّحادية الجزائرية لكرة القدم عندما اشترط عدم التدخّل بتاتًا في عمله كمدرّب للتشكيلة الوطنية، أو مع اللاعبين من خلال عدم اعتراضهم على التشكيلة الأساسية التي اختارها لخوض غمار بطولة الأمم الأفريقية باستثناء لاعب أو لاعبين، وقد استبعدهما قبل بداية الدورة ليكونا عبرة لغيرهما، أمّا مع الإعلام فالرّجل يعرف فقط الكلام المباشر والصّريح الخالي من المجاملات والبروتوكولات.

وهذا يقودنا لأن نعيد ونكرّر أنّ تأسيس قضاء مستقل وقوي يصبّ في صالح كلّ الجزائريّين باختلاف مكوناتهم ومشاربهم؛ حُكّامًا ومحكومين، أرباب عمل وعاملين، مديرين وموظّفين. من أجل أن يدرك ويعي كلّ واحد منهم أن لا أحد فوق القانون، و أن سيف العدالة سيطال كلّ من توهّم أنّ نفوذه المالي أو السياسي يخوّله فعل ما يشاء.

3-الكفاءة التسييرية

كثير من لاعبي كرة القدم اللاّمعين لم يحالفهم التوفيق في مسيرتهم التدريبية، وكثير من المدرّبين المميّزين لم يمارسوا بتاتًا كرة القدم، والقلّة القليلة فقط التي استطاعت أن تجمع بين هذا وذاك. وبلماضي بلا ريب واحد من هؤلاء الذين استطاعوا تطويع فردية اللاّعبين لصالح جماعية المنتخب بفضل بلورة فكر واضح يستند إلى أنّ اسم اللاّعب ونجوميّته تبقى خارج المنتخب، وأن قيمة اللاّعب تتحدّد بناء على ما يقدّمه للتشكيلة الوطنية، وهذا بطبيعة الحال لا يتأتّى لأيّ كان، لأنّه يحتاج شخصية قويّة مصهورة بمهارات تدريبية وخبرات فنية والتي يستطيع من خلالها فرض الانضباط الأخلاقي والتكتيكي، والذي يقود في الأخير إلى خلق علاقة احترام قوية بين الناخب الوطني واللاّعبين.

وهذا يضطرّنا لنعيد أهم أسباب الأزمة الاقتصادية الجزائرية التي تعيشها في الوقت الرّاهن، والتي هي في المقام الأول أزمة تسييرية، سواء على مستوى الأفراد والجماعات، أو على مستوى المؤسسات والشركات.

فبالنسبة للأولى نجد أنها تفتقد لروح المبادرة، مستندة في ذلك على الذهنية الاتّكالية ومتجسّدة في الواقع عبر ابتذال قيمة العمل وتشويه صورة العلم.

وبالنسبة للثانية فالمشهد ليس أحسن حالًا، فسلبيات الحقبة الاشتراكية ما زالت تبعاتها حتى اليوم؛ مشاكل هيكلية وأخرى تنظيمية بالجملة، سببها غياب الرؤية وقلة الوعي التسييري، وضعف الكفاءة، وثقل الجهاز البيروقراطي الذي يضع حواجز كثيرة بين المدير والموظف، أو بين رب العمل والعامل، ما يجعل الوصول إلى المرونة الإدارية والثقافة الإبداعية صعبًا للغاية. وهذا ما يفسر غياب قطاع خاص حقيقي في الجزائر قادر على المنافسة، من خلال المساهمة في الناتج القومي الإجمالي وعبر زيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات والتي لا تزال متواضعة للغاية، و كذلك المساهمة في إنجاز المشاريع العملاقة التي تتطلب شركات ذات اندماج تنظيمي، هيكلي ومهاري هائل.

إذًا لا يمكن للأمة الجزائرية أن تتقدم  إذا لم تتعلم من أخطائها، ولم تستفد من تجارب غيرها، ولم تغيّر جزءًا كبيرًا من فكرها العليل، هذا الأخير يُعدّ من أهم أسباب ترنّح الجزائر اقتصاديًا واجتماعيًا. فتراجع الالتزام بالمنظومة الأخلاقية وانحسار تواجد الفضائل الاجتماعية، تسبب في إحداث أزمة ثقة بين أفراد المجتمع الجزائري من جهة، وبين المجتمع الجزائري والسلطة من جهة أخرى. وهذا ما تسبب في زيادة تكاليف المعيشة على المواطن البسيط وزعزعة تماسك الطبقة الوسطى ركيزة توازن النسيج الاجتماعي الجزائري. وما تسليطي الضوء على تجربة بلماضي الكروية، إلا من أجل التمعن في أسباب النجاح بغية تعلم الدرس واستخلاص العبرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات