مرت البشرية بعدة تجارب سيئة سواء حروب أو كوارث طبيعية لكن المشكلة الحقيقة هو أن الخروج من هذه الأزمات يترك ندوبًا واضحةً تنعكس على المجتمع والاقتصاد. لعل أصدق مثال عند انتشار الإنفلونزا الإسبانية نهاية الحرب العالمية الأولى بين الجنود. فالمصيبة ليست بتفشي المرض، بل بانشغال قادة الدول عن الوباء دون إيلائه أي أهمية أمام عملية بناء السلام في أوروبا بعد الحرب العالمية. والأمر الذي لم تتعلمه العجرفة الرأسمالية رغم تكرر المشهد. فسيناريو وباء الإنفلونزا الإسبانية يتشابه كثيرًا مع ما يحدث الآن، لو اختلفت بعض القواعد لكن أسلوب مكافحة المرض نفسه (الحجر الصحي) في ظل غياب اللقاح.

سندخل قليلًا في سرد قصة انتشار وباء الإنفلونزا لنرى مدى التشابه الكبير بين الماضي و الحاضر. في عام 1918 خرج الحلفاء من الحرب العالمية الأولى منتصرين، لكن نشوة النصر كانت لها تبعات أخرى أقسى من مرارة الحرب نفسها، وهي الإنفلونزا الإسبانية التي تفشت بين الجنود الأوروبيين مع نهاية الحرب. الذي لم تعره الدول الأوروبية آنذاك حقه؛ لصرامة الرقابة على الصحف و المجلات ومنعهم من نشر أي خبر لكي لا يحبط عزيمة الجنود على الجبهات. حتى مع خروج الأمر عن السيطرة فقد كان الوباء شيئًا ثانويًّا لأن مانشيتات النصر احتلت الصفحات الأولى للمجلات عند نهاية الحرب. أما على الصعيد السياسي والمالي فالأولوية لإعادة إعمار ما خلفته الحرب. ومن الأمثلة على ذلك، رغم معرفة بريطانيا بتفشي الوباء بين سكانها لم تستخدم إجراءات الحجر؛ لأنه بنظرها كانت إعادة تسليح الجيش والعمل في المصانع لدفع الحركة الاقتصادية أولوية كبرى، أما باقي الدول فلم يختلف الأمر كثيرًا حتى تحول الوباء لفاجعة راح ضحيتها ما لا يقل عن 50 مليون قتيل حول العالم. حسب مقال نشر على موقع ncbi.

لنعود للواقع سنجد أن الأمر لم يختلف كثيرًا؛ فالدول الموبوءة بالكورونا لم تتخذ إجراءات صارمة بحق مكافحة الفيروس، صحيح أن الصين أول دولة تعافت من الفيروس، لكن حسب الرواية الأمريكية فإنها تأخرت كثيرًا بإجراءات الحجر، مما أدى لانتشار الفيروس بهذا الشكل، كما أن التقارير الاستخباراتية الأمريكية تشكك بعدد الإصابات والقتلى التي صرحت عنها الصين نتيجة الفيروس، مدعين أن الأرقام كارثية جدًّا، وكان من الممكن احتواء الفيروس لو أن الصين تمتعت بالشفافية.

أما إيطاليا، وبحسب تحقيق نشرته «فوكس نيوز» أن أجهزة الاستخبارات الإيطالية حذرت السلطات من تحول الكورونا لوباء يهدد الأمن القومي. لكن الحكومة الإيطالية لم تتخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، واضعةً مصالحها الاقتصادية أولوية عن صحة السكان من خلال تصريحات المسؤولين التي تقلل من خطر الوباء، حتى إجراءات الحجر في بدايتها لم تكن صارمة، وقد علل المسؤولون بأنهم لا يريدون أن يؤثروا في العجلة الاقتصادية والحياة الخاصة للأفراد!

أيضًا أكبر اقتصاديات العالم أمريكا التي تحتل المركز الأول بالإصابات، فلم يعير دونالد ترامب الأمر أي أهمية، معتبرًا أن الوباء مجرد وهم وليس من الضروري تعريض الاقتصاد الأمريكي لخطر الانهيار، هو الأمر الذي أدى لإصابة أكثر من مليون ونصف مواطن أمريكي بالوباء، ناهيك عن تعريض القطاع الصحي للانهيار لعدم اتخاذ إجراءات مسبقة للحد من الفيروس ذلك يعود لعدة أسباب أهمها: أن الإغلاق الكامل لجميع نشاطات الحياة الاقتصادية والاجتماعية سيتسبب بكارثة اقتصادية كبيرة تهدد الاقتصاد الأمريكي بالانهيار على المدى الطويل، عدا عن تزعزع مكانتها الاقتصادية أمام التنين الصيني؛ لأن المعركة الآن هي سباق للتخلص من الفيروس. فصاحب المركز الأول سيربح الوقت بمعنى آخر مزيد من الإنتاج ثم التصدير للأسواق الخارجية لسد عجز باقي الدول التي ما تزال تحت تأثير الحجر الصحي. لكن هنالك مشكلة إضافية، وهي أن الفيروس المستجد قد يقضي على حياة ترامب السياسية؛ لأنه سيضع حدًّا لإنجازاته بتوقف عجلة الاقتصاد والتقاعس في مكافحة الوباء، وهو ما يهدد حملته الانتخابية القادمة.

الذي ترجم على أرض الواقع بتخبط الإدارة الأمريكية، فسابقًا كانت تصريحات ترامب أن الأمر لا يتعدى مجرد تضخيم إعلامي، لكن الآن تحاول إدارة ترامب جاهدة إيجاد كبش فداء. فتارةً يتهم الصين بعدم إعطاء معلومات صحيحة حول الفيروس، وتارةً يحمل القادة الأوروبيين مسؤولية الانتشار بذريعة عدم إغلاقهم الحدود أمام مواطنيهم المصابين بالفيروس. حتى كان آخرها توقف تمويل منظمة الصحة العالمية في ظل انتشار الوباء الذي بدوره سيؤدي لكوارث؛ لأن الولايات المتحدة تساهم بـ450 مليون دولار سنويًّا أي 15% من مجمل دعم الولايات المتحدة للمنظمة حسب موقع «بي بي سي».

يحاول ترامب وبعض القادة الأوروبيين كأمثال بوريس جونسون، التعامل مع الموضوع كأنه زوبعة في فنجان أو سحابة عابرة. لكن الوقائع على الأرض تشير إلى عكس ذلك؛ فالمستشفيات الأمريكية تتعامل بأسلوب القطاع الطبي الإيطالي نفسه، الذي يعتمد حاليًا على طب الحروب، حول أولوية العلاج للأشخاص في متوسط العمر، مقابل إهمال متعمد للأشخاص الأقل كفاءة، كأصحاب الأمراض العقلية مثل الزهايمر والتخلف العقلي الشديد.

كل ما سبق كان من الممكن تلافيه لو وضعت تلك الدول مصلحة مواطنيها نصب عينيها. فبالرغم من التقدم الطبي والعلمي لم تختلف نظرة الدول الغربية لمصالحها الاقتصادية، والتي لطالما كانت أولوية، سواء عن طريق استعمار أو استعباد شعوبها ليحيا رأس المال. لكن المفارقة أن هذا الوباء قد يضع حدًّا لتلك المنظومة المتآكلة أو أن يسرع بانهيارها فالأمر قبل الكورونا لم يكن بأفضل حال؛ لأن الأنظمة الغربية بالذات الاتحاد الأوروبي، كان يعالج الأزمات الاقتصادية بضخ كميات أكبر من الأموال للدول التي على شفير الانهيار، بالتالي تترتب عليها ديون أكبر وتقشف أكثر حتى بالنظام الصحي الأوروبي، الذي وقع ضحية سياسات التقشف، وذلك حسب تصريحات رئيس حزب العمال البريطاني حول أزمة القطاع الطبي في عموم اوروبا.

قد يكون سناريو نهاية فيروس الكورونا ما يزال غامضًا أو لم تتضح معالمه بعد، لكن من الأكيد أن نهاية هذا الفيروس ستخلف بعدها ندوبًا على وجه إنسانيتنا والاقتصاد، بل شتى جوانب الحياة؛ فنحن نرى الآن هشاشة الأنظمة الرأسمالية التي باتت مهددة بالزوال كالاتحاد الأوروبي، الذي بات يلاحقه شبح التفكك جديًّا، ليس لأسباب اقتصادية فقط، وإنما لأسباب أخلاقية لتخليهم عن مساعدة نظرائهم الأوروبيين كإيطاليا، وإسبانيا، وصربيا في محنتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدرس, كورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد