مهما ظننا أن مساحات التحرك والتفكير محدودة، تظل دائمًا هناك فرص للاختيار تنتظر فقط من يمعن التفكر، حتى عدم الاختيار في حد ذاته اختيار، وبالتالي سنظل نفنّد حجج الذين يقولون بمعدومية الحيلة والاختيار.

بوسع بعضنا أن يجلس برفقة أولاده أو أحفاده، ويحكي لهم ما علق في ذهنه عن ثورة يناير، وينهي كلامه بأن (الإخوان، الفلول، الشباب الأرعن، الدولة العميقة) ضيّعوها، بوسعنا بكل بساطة أن نتخلص من المسؤولية، فقد فعلنا ما يجب علينا فعله ولكن عشق هذا الشعب للبيادة فاق كل التوقعات، بوسعنا أن نتحامق على أنفسنا لكي نموت مرتاحي الضمير مثلما فعلت أجيال كثيرة سبقتنا للتدليس حينما قالوا تخلصنا من الاستعمار وسكتوا، لأننا لم نتخلص من التبعية، وكما قال جيل لاحق: “استعدنا سيناء دون أن يستعيدوا السيادة والكرامة”، ولاحقًا اكتشفنا أن حتى استعادة الأرض كانت وهمًا. بوسعنا أن نتراكل مسؤولية ونحمّل كل من عدانا مغبّة الحماقة وسطحية الأفكار، ولكننا حينها لن نكون أفضل حالًا ممن كذبوا علينا وباعونا الوهم وباعوه لأنفسهم قبلنا.

بوسعنا أيضًا أن نختار ألا نفعل كما فعلوا، وندفع تكاليف التغيير دون كذب أو تصنّع لإنجازات أو بطولات ستصبح وكأنها لم تكن يومًا ما، وسيضطر أبناؤنا لاحقًا إلى دفع تكاليف أكبر من أجل تغيير الواقع وتغيير الوعي الذي زيفناه.

“أن تكون هنريكويز”

كرجل دين بوسعك أن تنسحق وأنت ترى حاكمًا عسكريًا مسعورًا يسحق كل ما ومن يقف في طريقه قتلًا وسجنًا وسحلًا وتعذيبًا، بوسعك أن تهرب حفاظًا على حياتك ولن يلومك أحد، بوسعك أن تصمت حفاظًا على طائفتك وشخصك ولن يلومك أحد، بوسعك أيضًا أن تفتعل تفسيرات لنصوص من كتابك المقدس لتأليه هذا السفاح، بوسعك أن تروي منامات ترى فيها هذا السفاح وقد ارتدى وشاح النبي المخلص وامتطى حصان الدفاع عن الدين، بوسعك أن تشحن جنوده معنويًّا لقتل معارضيه بلا هواده أو رحمة، بوسعك أيضًا أن تحرض العامة على الفتك بهم لأن رائحتهم نتنة، بوسعك أيضًا أن تتجرد من ملابسك قطعة قطعة وأنت تتغنى بأمجاد السفاح على منبرك (الإعلامي أو الديني)، بوسعك أيضًا ألا تختار أيًّا ما سبق.

تشيلي أوائل سبتمبر 1973 حيث أطاح أوجستو بينوشيه – صاحب أحد أشهر الانقلابات العسكرية في العصر الحديث – بالرئيس المدني المنتخب بعد الثورة سيلفادور إليندي، وشكّل فرقًا للتعذيب واغتيال المعارضة.
وجد رئيس الأساقفة الكاردينال راؤول سيلفا هنريكويز نفسه في موقف لا يحسد عليه، لأن الجنرال السفاح قرر أن يتخلص من الكاثوليك المعتديلن أمثاله. اختار الكاردينال أن يؤسس “لجنة التعاون من أجل السلام” التي قدمت مساعدات مالية وقانونية وصحية للمطاردين من قِبل الجنرال السفاح، وجعل الكاردينال نفسه من بيته ملجأ للمعارضين ممن عجزت اللجنة عن توفير الحماية لهم، ونجحت اللجنة في التخفيف من وطأة البطش الممنهج، ليستصدر الجنرال بينوشيه حكمًا عبر قضائه بحل اللجنة وإغلاق جميع منافذها عام 1976، فقرر الكاردينال تغيير مقرها واسمها ليصبح سانتياجو كاثيدريل وتستمر في مهمتها.

 

م1

“أطفال وينتون..”

كان بوسع سمسار الأوراق المالية تركهم، وكان بوسعه الاستمتاع بالكريسماس والعوده لعمله الذي يدر عليه دخلًا رائعًا، كان بوسعه أن يدير ظهره ولم يكن أي شخص ليلومه.. فحتى الإمبراطوريات لم تجرؤ على تحدي السفاح النازي هتلر. وأقوى الجيوش هربت من أمامه تاركةً مدنًا بأكملها تسقط. كان بوسعه أن يأسف ويذرف دمعتين على مصير هؤلاء التعساء ويرحل.

كان البريطاني ذو الـ 28 ربيعًا بصدد الإعداد لقضاء أجازة يستمتع فيها برياضة التزلج خلال فصل الشتاء، ولكن صديقه اقترح عليه الذهاب معه إلى براج “التشيك”، فتغيرت كل الخطط وذهب معه بالفعل، لم تكن أجازة الكريسماس سعيدة بالمرة، حيث وجد نفسه يتجول بالقرب من معسكرات الأطفال اليهود الذين ينتظرون دورهم في غرف الغاز. اختار وينتون أن يخاطر بحياته لكي ينقذ 669 طفلًا على الأقل، يدينون اليوم وأبناؤهم وأحفادهم بحياتهم لنيكولاس وينتون الذي هرّبهم من محارق هتلر وقتما كان العالم يستشرف الحرب العالمية الثانية. السير نيكولاس غادرتنا روحه الجميلة في يوليو الماضي عن 106 أعوام.

م2

مم
“مالك”

أمام نصفي جثة والده مهشم الرأس الملقى على القضبان وقف الصبي ابن السادسة باكيًا حانقًا على من قتل أباه وألقاه في طريق المترو ليشطره، وإلى جواره وقفت أمه التي أصبحت فجأة مسؤولة عن 8 أطفال، أمه التي ستفقد رشدها لاحقًا وتدخل مصحًا للأمراض العقلية وتمكث به 26 سنة. لكي يتم توزيعه وإخوته على منازل التبنّي، كان أمام هذا الطفل خيارات عديدة وكان أقربها للمنطق أن يستجيب لبذور العنف والكراهية في صدره ليرد على من قتل والده وأربعة من أعمامه تباعًا، والحقيقة أنه أوشك على هذا بعد خروجه من السجن الذي دخله في العشرين عمره محكومًا عليه بعشرة سنوات.. المفارقة هنا أن صاحبنا هذا قضى بست عشرة رصاصة أطلقها عليه متعصب رأي أنه يتعامل بهوادة مع من يفترض به سحقهم وعداوتهم.. ولعله كان ليتجنب هذا المصير لو ردد ما يناسب مزاج الكرهية المشتعل في صدر قطيع المعارضة، ولكنه اختار ألا يغش نفسه ويستسلم لعنفوان مزاج القطيع حينها، اختار ألا ينتهج العنف للرد على العنصرية التي أودت بحياة بني جلدته، اختار ألا ينافق القطيع، ودفع مالكوم ثمن رفضه وتمرده على العنف.

“أبو تريكة وآخرون…”


كما رفضت السلطات إقامة مباراة اعتزاله، رفضت جميع القنوات نقل مباراة اعتزاله، أحس بمقدار الظلم والقهر بعد كل ما قدمه لبلاده وللمنتخب، نحن لا نتحدث عن محمد أبو تريكة هنا، بل نجم منتخب تشيلي كارلوس كاسيلي عام 1985، قرر كاسيلي في النهاية إقامة المباراة دون أن تذاع، ليقوم الجمهور بأكبر مظاهرة لرفض الديكتاتور العسكري بينوشيه.
نعود بالذاكرة إلى نوفمبر 1973 حينما أجبر الديكتاتور اللاعب كاسيلي على التواجد في ذات الملعب الذي اعتقلت وعذبت أمه فيه، ومرة أخرى في يونيو 1974 جمع بينوشيه اللاعبين قبل سفرهم للمشاركة في المونديال بألمانيا، ويقول كاسيلي أنه شعر بالرجفة عندما اقترب منه الشيء الشبيه بهتلر، وقرر اللاعب وضع يديه خلف ظهره عندما اقترب منه الديكتاتور كي لا يصافح من عذب أمه في نفس الاستاد الذين يقفون على أرضيته.
نحن هنا لا نتحدث عن نضال سياسي تراكمي تقوم به مجموعة ما، بل تصرف عفوي من لاعب كان بوسعه أن يتراقص على طبول مؤيدي السفاح واختار ألا يفعل، ودفع ثمن اختياره لاحقًا عندما رفضوا تكريمه، فكافئه الجمهور.

م5

“أنت من يقرر أنك انهزمت عندما تتوقف عن المقاومة”

لأننا لم نتحول لبراغيث وهاموش – رسميًّا على الأقل – فلابد أن نمارس حقنا في الاختيار وتقرير المصير، دائمًا هناك حلول واختيارات، لا أريد الإسهاب في الأمثلة، وإنه لمن المؤسف أن المساحة لم تتسع للحديث عن أمهات ساحة مايو في الأرجنتين اللاتي اخترن ألا يصمتن حتى أسقطن السفاح سيء السمعة خورخي فيديلا، ولم تتسع للحديث عن نضال نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا وغاندي في الهند. وآخرون كثر لم يستسلموا لفكرة ليس لدينا ما نفعله، لأن لحظة الهزيمة الحقيقية أنت الذي تقررها عندما تختار أن تنسحق وتتوقف عن المقاومة، هناك دائمًا متسع من الأمل والعديد من الخيارات التي تنظر أن يكتشفها الحالمين، فقط أمعنوا النظر.

 

 

يمكنك الاطلاع على الروابط التالية:

 

 

 

 م3

م4

م6

م7

 

م8

م10م9

م11

م12

م14م13

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, مقاومة
عرض التعليقات
تحميل المزيد