اللحظات الباهرة قليلة جدًا في التاريخ، فإذا صادفتك واحدة منها، فيجب عليك المحاولة بكل طاقتك أن تكون جزء منها، فهذة اللحظات قد لا تتكرر في حياتك مرة أخرى، فهي تكون كافيه جدًا لتعيش عليها الأمم لأجيال، وتستمد منها الطاقة التي تجعل تلك الأمم تتقدم للأمام.

من أهم هذة اللحظات الباهرة كانت ثورة يناير وأخواتها من ثورات الربيع العربي، قالوا عنها ما قالوا، واختلف فيها الناس بين مؤيد ومعارض، وواثق ومتشكك، إلا أنني أعدها لحظة القرن الباهرة، التي ستظل أجيالنا تتخذ منها زاوية إنطلاق تستخلص منها الدروس وتخرج منها بالعظات.

وأحب أن أتكلم هنا عن مجموعة من الدروس التي خرجت بها من ثورة يناير، والفترة التي أعقبتها، وهي فترة يخرج منها الحليم حيرانًا.

الدرس الأول: لا تفقد الأمل أبدًا

كانت الأعوام الأخيرة في نظام «حسني مبارك» حالكة السواد، وتوحي لك بأنك تعيش في مدينة من الأموات من المستحيل أن تخرج منها ثورة، فالخوف كان سيد الموقف، يكفيك أن تنسى حلاقة ذقنك بعض الأيام؛ لتستوقفك الشرطة، وتتسلى عليك، إن لم يقبض عليك، واليأس من التغيير كان هو الحاكم لمشاعر القطاع الأكبر من الشعب، الوضع الاقتصادي كان سيئًا للغاية، وفرص العمل أقل ما تكون، ركود الوضع السياسي، وهيمنة أقطاب الحزب الوطني على المشهد السياسي الذي تم فرض جمال مبارك في صدارته، بدعاباته السمجة، وخطاباته الضعيفة، وغروره وتعاليه، ولا تستطيع أن تنسى أن معظم الشباب الموجود بمصر لم ير رئيسًا غير حسني مبارك، ومعظمنا لم يذهب لصندوق الانتخابات ولو لمرة واحدة.

كل هذه العوامل دفعت الكثير من الناس إلى القنوط من أن يتم أي تغيير في مصر، الأمل لم يكن موجودًا عند أغلبية الشعب، ولقد قالوا قديمًا أن اليأس إحدى الراحتين، ولكن صدقني يا صديقي إن قلت لك إن هذة المقولة أكذب من مسيلمة، فاليأس أمر ـ بمراحل ـ من الموت، اليأس يحول البشر إلى مسوخ عديمة الغاية، ولا تشعر بأن لها قيمة، لذلك فإنه يخرج من نفوسهم أسوأ ما فيها.

فقيام الثورة في وسط كل هذة الأجواء التي حدثتك عنها، تعرفك ماذا مثلت لنا، وتعرفك أيضًا كيف شحنت هذة الثورة قلوبنا بأمل لا ينقطع، طالما فينا عرق ينبض، ونحن لا نعيش في أيامنا السوداء الحالية في مصر، إلا على هذا الأمل الذي أمدتنا به ثورة يناير.

الدرس الثاني: إياك إياك وأنصاف الثورات

يقول جبران خليل جبران «لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، ولا تحلم نصف حلم، وتتعلق بنصف أمل. إذا صمت فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت تكلم حتى النهاية».

المشكلة الأساسية في ثورة يناير أنها ثورة لم تكتمل، ثورة أطاحت برأس النظام، وأبقت على الجسم المريض المتعفن المتقيح المعدي، الذي وزع ظلمه على جميع أجزاء الدولة بعدل شديد، ولأن الثوار لم يلتفتوا إلى هذا الجسم، فقد فؤجئوا به ينبت رؤوسًا جديدة تهاجمهم بشراسة؛ حتى أجلتهم عن المشهد، أو كادت.

والذي ساعد في عدم استكمال الثورة قلة الخبرة والاستسهال والتصارع على السلطة الذي أعقب سقوط رأس النظام.

الدرس الثالث: لا تحكم على الناس من مظاهرهم

كنت فيما قبل ثورة يناير، سريع الحكم على الأشخاص، فبمجرد النظر إلى شخص أحكم عليه وأحدد قيمته، ولكنني تعلمت من الأحداث التي مرت بها بلادي أن معادن الرجال- وأقصد هنا صفة الرجولة، سواء في الذكر أو الأنثى – لا تظهر إلا في المواقف العصيبة التي تدور فيها الأعين في محاجرها، فأصبحت لا أقيم الشخص من مجرد مظهره، ولا تعليمه، ولا حتى كلامه، الأفعال والأفعال وحدها هي التي أستطيع تقييم الأشخاص من خلالها، وصدقت العرب عندما قالت قديمًا «ترى الرجال كالنخل وما أدراك ما الدخل».

الدرس الرابع: تعلق بالأفكار والمبادئ لا الأشخاص

أفضل ما صنعت ثورة يناير أنها هدمت أصنامًا داخل نفوسنا لأناس كنا ندخلهم في عداد القديسين، وتبين لنا بعد ذلك أنهم كانوا صنائع للنظام الاستبدادي، صنعهم النظام على عينهم، ولم يتفرخوا إلا في حضانته، ولكن هذا علمنا مبدأ غاية في الأهمية، وهو أن يكون ولاؤنا للفكرة والمبدأ أيًا كان، طالما أننا قد اقتنعنا به، واعتقدنا بصحته، فحتى لو حاد الشخص الذي علمك هذا المبدأ عن مبدئه، فلا يحركنا ذلك عنه قيد أنملة، وهذة الفكرة لخصها أهل الدين في حكمتهم التي تقول «إن الفتنة لا تؤمن على حي».

بارك الله ثوار يناير، وكل ثوار الربيع العربي.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد