في عصرٍ ضعفت فيه روابط الأسرة، وتقلَّص فيه التوجيه الأبوي لمصلحة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي تُدَار بلا مرجعيةٍ قِيَميّة حقيقية، كان لابد من العودة إلى القرآن الكريم للبحث عن دروس في الأُبوّة من الأنبياء الآباء الذين مارسوا مهمتهم بوحيٍّ من السماء وحكمةٍ ربانيةٍ اختصّهم بها الله سبحانه وتعالى.

وإن كان هناك من مَثل يُضرَب للأبوة فهو نبي الله يعقوب الذي وهبه الله عز وجل اثني عشر ولدًا فكانت نشأتهم وظروف تربيتهم وعلاقاتهم الأخوية قرآنًا منزلًا يُتلَى آناء الليل وأطراف النهار.

أُبوّة مَتِينة

الذي يلفت الانتباه في سورة «يوسف» عليه السلام هو العلاقة المتينة بين الصبي الصغير ووالده الشيخ الكبير، تلك العلاقة التي تجعل الابن يهرع أول ما يهرع إلى أبيه ليحكي له رؤياه مطمئنًا أن عنده خبرها وتأويلها.

إنَّ حالة الثقة ومتانة العلاقة بين الابن وأبيه جعلت القرآن الكريم يغفل ذكر اسم يعقوب عليه السلام في النص القرآني مُستعيضًا عنه بمهمته التي تميّز في أدائها، لافتًا الانتباه إلى عمق علاقة الأبوة بين يعقوب ويوسف عليهما السلام.

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ…).

وهنا درس هام موجزه أن الأب يجب أن يكون مستودع سرّ صغيره، ومظنّة هدايته وألا يُلجئه بالتجاهل والانشغال أو الصد والتعنيف أو الاستهزاء والتحقير إلى البحث عن غرباء يضع بين أيديهم أسراره وأحلامه ومخاوفه فيستغلونها فيما يرجع عليه بالضرر.

حوارٌ فعّال

يعلمنا يعقوب عليه السلام إحدى مهارات الحوار الفعال وهي الإصغاء الجيد للابن والإقبال على حديثه بالكُليّة غير منصرفٍ بشاغل أو مُشتِّت، فنجده – عليه السلام – الأب المُنصت الذي يطرح أسئلة تكشف عن متابعته واهتمامه بما يقوله ابنه، فيندفع يوسف في الاسترسال في روايته التي وجد لها أذنًا مُصغية بحق، وقلبًا مستئنسًا بها بصدق، يقول الزمخشري في «الكشّاف» عن قوله تعالى: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) أنها رد من يوسف عليه السلام على سؤال يعقوب «كيف وجدتهم؟» بما يُفهم منه أن الأب كان يتابع رواية ابنه مدققًا، مستقصيًا المزيد من التفاصيل حتى يقف على حقيقة الأمر فيتثبت ويطمئن قلبه.

إن إعطاء الابن الفرصة كاملة للبَوْح بمكنونات نفسه داخل دائرة الأبوة وإظهار الاهتمام بحديثه مهما بدا بسيطًا يُشعر الطفل بأهميته ويُولّد لديه الثقة في ذاته ويُحفّزه لإعمال عقله وتقليب الأمور بينه وبين نفسه، مما يُنشئه مستقل الرأي قادرًا على اتخاذ القرار، عَصيًّا على الاستهواء والتطويع، مُدركًا لأهمية رأيه في التأثير على مجريات الأمور من حوله.

مراعاة الطبيعة العمرية

أما الدرس الثالث فهو عن مراعاة الطبيعة العُمرية للابن عند التوجيه، فقد وضَّح القرآن الكريم أن يعقوب عليه السلام حين حذَّر صبيه الصغير استخدم لغةً بسيطةً يسهل فهمها لا تُسبب للولد أي درجة من التشويش حتى يصل إليه التحذير واضحًا لا لبس فيه، فيتمكن الطفل من استيعابه بملكاته المحدودة والتفاعل معه.

(قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) ففكُ الإدغام في كلمة «تَقُصَّ» لتصبح «تَقْصُصْ» إشارة قوية لمراعاة صغر السن والحرص على أن يصله التحذير بأسهل الكلمات وأبسطها.

وهذا علاج للأب الذي يشكو من أن ابنه لا يستجيب لتكليفاته أو لا يتفاعل مع تحذيراته فنقول له: قَدِّم نُصحك بلغةٍ سهلةٍ غير معقدة لا تُسبِّب حالة من اللبس لدى الطفل ثم اشفعها بعلَّةٍ حقيقيةٍ (فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا)؛ حتى تجعله شريكًا في المسئولية، فينطلق لتنفيذ الأمر بقناعةٍ شخصيةٍ وطاعةٍ مُبصرةٍ، ولا تنسَ أن تُغلِّف ذلك كله بغلافٍ من الحب فتسبق كل نصيحة بنداء مُحبَّب إلى قلبه: (قَالَ يَا بُنَيَّ…).

سلامة الصدر

حين يُرزَق الأب بعدد من الأبناء تصبح مهمته أكثر صعوبة إذ عليه أن يُقيم العدل مع الحرص على سلامة الصدر بين الجميع، وما أصعبها من مهمة!

وقد عالج يعقوب عليه السلام هذه النقطة بطريقة مُلهمة؛ إذ أعزَى الضُّرّ الذي سيقع على يوسف من إخوته إلى كيد الشيطان وعداوته الواضحة البيّنة للإنسان: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، فصَانَ قلب يوسف عن أن يظنَّ بإخوته سوءًا؛ بل وجعلهم مثله ضحايا لكيد الشيطان، وبهذا تنصرف أي مشاعر سلبية سيجدها الابن نحو إخوته إلى «عداوة الشيطان»، وسيتحول حِنَق الصغير على أشقائه إلى الدعاء لهم بالخلاص من حبائل الشيطان، وبدلًا من أن يذهب تفكيره للانتقام منهم سيسعى للأخذ بيدهم للنجاة من مكر الشيطان وجنده، وقد ظهر أثر هذه التربية في قول يوسف عليه السلام بعد أن جمع الله بينه وبين إخوته (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ( وفي هذا فائدة تربوية قيمة لمن أراد أن يُنمِّي سلامة الصدر في نفوس أبنائه.

الطفل الموهوب

لمحة نبوية في التعامل مع الأبناء الموهوبين الذين قد تجني عليهم موهبتهم إن لم تجد اليد المؤمنة التي توجهها وترشدها لتصبح هذه الموهبة نعمة على الإنسان في الدنيا والآخرة، ولنا في هذه النقطة أربع وقفات نعرج عليهنَّ سريعًا:-

الوقفة الأولى:

(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)

لابد أن يُدرك الابن الموهوب منذ نعومة أظفاره أن ما هو فيه من موهبة وملكات تميزه عن أقرانه إنما هي مَحضُ فضلٍ من الله عز وجل، إنْ شاء أبقاها عليه وإن شاء نزعها منه، فــ«اجتباء الله للعبد تخصيصه إياه بفيض إلهي، ليتحصل منه أنواع من النعم، بلا سعي من العبد»(1)؛ وذلك حتى لا يُداخل نفسه الغرور فيحتقر مَن هم دونه أو يظن أن ما هو فيه هو من كَدّ يده وعمل عقله فيهلك كما هلك قارون: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ(2)) ؛ وبذلك يتربَّى الابن على ألا يغترَّ باصطفاء الله له فيحيا شاكرًا لربه عارفًا لنعمه، متواضعًا بين خلقه، لا يجد لنفسه فضلًا على أحد.

الوقفة الثانية:

(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)

أن يغرس الأب في نفس الابن أن الموهبة التي لا تعود بالنفع إلا على صاحبها فقط هي نعمة غير تامة، فإذا تعوَّد الابن على أن يُسخّر مواهبه التي منحه الله إياها لخدمة قومه ومجتمعه سيكون قد أدَّى حقَّ شكرها.

ويُلاحظ هنا أن يعقوب عليه السلام أرشده بطريقٍ لطيفٍ أن أهله – وإنْ آذوه – لهم نصيب من تمام النعمة؛ أي الموهبة بشقها المادي ومردودها الإيماني.

الوقفة الثالثة:

) كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ)

أن يُعلّم الابن أن الموهبة في ذاتها نعمةٌ غير مكتملة وإنما تَكْمُل إذا تمّت، وتمام النعمة صفاؤها مما يُنغِّصها!

وهل يُنغِّص النعمة إلا أنْ تَحُول بين الإنسان وربه؟ فكم من صاحب مواهب ومِنَح أضلّته ملكاته وأخرجته مواهبه من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية.

لذلك عَمِدَ الأب إلى تذكير ابنه بالطريق الذي سار عليه أصحاب المواهب والمنح الإلهية من قبله: (أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ)، وهما مثال مضيء لأناس عاشوا في مِنَح الله ومواهبه فما بدَّلوا ولا غيّروا؛ فأثمر ذلك دعاءً صادقًا حين قال يوسف في خواتيم عمره (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).

الوقفة الرابعة:

(إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

ما كان ليعقوب عليه السلام أن يُنهي توجيهاته لابنه الموهوب دون درسٍ عميقٍ في العقيدة، وهي الأساس الذي يجب أن يُربَّى عليه الأبناء كلهم بلا استثناء فيهيئ قلب الصغير إلى حقائق أولية أساسية حقيق أن تستقر في وجدانه مبكرًا، فيخبر الأبُ طفله أن الله (عَلِيمٌ) بأنه أهل لهذه الموهبة وبأنه مُؤهّل لها، وأن نفسه الخَيّرة تصلح لغرس هذه البذرة الطيبة وفي هذا تحفيز وتشجيع وإطراء، وهو أيضًا سبحانه (حَكِيمٌ) لا يخلو فعله من مصلحة، فلا يجزع إنْ كبا يومًا أو صادفه من الأحداث ما يسوؤه؛ فهو يعلم يقينًا أنّ له ربًّا له في كل فعل حكمة.

 

________________________________________________

(1) المفردات في غريب القرآن للأصفهاني – دار القلم – ط1

(2) سورة القصص الآية 78

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد