مع اندلاع أية ثورة في أي قطر لابد من وجود خسائر من الطرفين، الثوار والطاغية الذي يثور الشعب عليه، لكن مما لا شك فيه، فإن الخسائر تكون فادحة في الشعب، أو بالأحرى في الفئة التي تثور على الطاغية؛ لأنها لا تتملك الدعم أو السلاح أو مؤسسات الدولة لكي تتخلص من الحاكم الطاغية.

وكما هو معروف، فكلما كان الحاكم أكثر ظلما وقمعا وبطشا وجبروتا، كلما وقعت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، لكن مهما طالت مدة الحرب أو قصرت بعد إنهاك الطرفين، تبدأ عملية البحث بشكل جدي عن تسوية سياسية ومرحلة انتقالية لحل الأزمة.

بعد استمرار الحرب العالمية الأولى على مدى 4 سنوات وبعدما أنهكت القوة المتحاربة من الطرفين، جاءت معاهدة فرساي لتسدل الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب، حيث تم التوقيع على المعاهدة بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919. قتل أكثر من ثمانية ملايين شخص وجرح وفقد ملايين آخرين في هذه الحرب التي أيضا خلفت خسائر اقتصادية كبيرة جدا تقدر ببلايين الدولارات.

ولأن الصراع في سوريا قد طالت مدته – بسبب الدعم اللامحدود من روسيا وإيران وقوى أخرى لنظام بشار الأسد ولولا هذا الدعم لسقط النظام ولوجدنا بشار ومعاونيه الآن يحاكمون كمجرمي حرب – دون وضع حل للأزمة، فكان لابد من عقد مباحثات أستانا وجنيف وسوتشي وغيرها من أجل التسوية، بالرغم من أن بعضها سعى إلى خلق مزيد من التعقيدات في الموقف لكسب الوقت لصالح بشار.

في خضم تلك الجولات، استضافت العاصمة السعودية، الرياض، الاثنين الماضي، مباحثات بين الهيئة العليا للمفاوضات – منصة الرياض – وكل من منصتي القاهرة وموسكو من أجل التوصل إلى توافق حول أسس حل الأزمة وتشكيل وفد موحد للتفاوض مع النظام في محادثات جنيف المزمع إجراؤها أواخر الشهر الجاري.

بيد أن المنصات الثلاث لها رؤية مختلفة فيما يتعلق بالتسوية السياسية للأزمة؛ فالهيئة تطالب ببناء نظام سياسي جديد قائم على مراحل مختلفة يبدأ بعملية تفاوضية تمتد لستة أشهر ويلتزم فيها طرفا التفاوض بهدنة مؤقتة ثم رحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة وإقامة نظام سياسي جديد دون وجود الأسد أو رموز نظامه، بحسب موقع البي بي سي.

أما منصة القاهرة تتمحور نقاطها الأساسية على أنه يمكن حل الأزمة السورية عبر تعيين نواب لبشار الأسد من المعارضة السلمية غير المسلحة واستبعاد المسلحة منهم تماما، وألا يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة بشكل شخصي، ولكن قيادات نظامه يستطيعون التنافس في حال قبل الأسد بالمبادرة.

بينما أعضاء منصة موسكو يرفضون اشتراط رحيل الرئيس الأسد، أو ألا يكون له دور في السلطة الانتقالية.

السعودية لها رأى يختلف ويتفق مع المنصات الثلاث، فقد قدم وزير خارجيتها عادل الجبير مؤخرا ورقة حول التسوية في سوريا إلى أعضاء الهيئة أثناء الاجتماع من أهم بنودها هي:

•الموافقة على بقاء الرئيس السوري بشار الأسد لمدة 18 شهرا خلال الفترة الانتقالية ويحق له للترشح بعد هذه الفترة للانتخابات الرئاسية.

– الإبقاء على الجيش والأمن لضمان عدم انهيار مؤسسات الدولة.

– ضمان سلامة ومشاركة الأقليات في الحكومة القادمة.

– إنهاء المظاهر المسلحة، وخصوصا في إدلب ومحاربة من يرفض ذلك.

– التعاون بين الجيش الحر المعتدل والجيش السوري لقتال الإرهابيين مستقبلا.

غيرت السعودية موقفها التي كانت تطالب به دوما وهو لا مستقبل لبشار في سوريا ولابد من رحيله من أجل التسوية، وغيرت أيضا فرنسا موقفها حيال تلك النقطة ودول أخرى حذت حذوهما، فربما قللت الرياض من سقف مطالبها لضعف موقفها وبروز تأثير روسيا وتركيا وإيران.

قد يفهم أنه جرى تفاهم ما خلال الاجتماع الذي تم بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ونظيريه التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني حول رحيل الأسد – في حال إصرار المعارضة على ذلك ووجود دعم دولي لها في هذا الموضوع – أو على الأقل وجوده بشكل مؤقت في الفترة الانتقالية وإجراء انتخابات تضم كل الأطراف – باستثناء بشار ورموزه مع وجود ضمانات لخروج آمن لهم – من أجل إعمار سوريا.

أعتقد الدول الثلاث – وخاصة تركيا – تسعى بالفعل الآن من أجل حل الأزمة، خصوصا بعد القضاء تقريبا على تنظيم داعش الإرهابي وتنظيمات أخرى والحرص على الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، لأن هذا يساعد على الاستقرار في المنطقة – وخاصة لهذه الدول الثلاث – التي لا تحتمل مزيدا من الصراعات والأزمات.

قد يقول البعض ما المكاسب التي حققتها المعارضة بعد كل هذا الصراع الدموي الذي أدى إلى مقتل وفقد حوالي 460 ألفا وتشريد الملايين وتدمير البنية التحتية لسوريا؟

يمكن الرد على هذا القول بأن الشعب الذي خرج ضد النظام لم يكن يخرج إلا للمطالبة بتحقيق تغييرات وإصلاحات حقيقية في البلاد وعبروا عن ذلك بشكل سلمي ودون خسائر في الأرواح لأنهم سعوا من أجل تحقيق حقوق مشروعة كانوا يظنون أنها ستلبي، بيد أن دموية النظام وجرمه وتآمر القوى الدولية والإقليمية على الشعب المطالب بالتغيير هي التي أدت إلى هذا المشهد… فلا يمكن أن نلوم الثوار الذين ضحوا بدمائهم وأنفسهم من أجل تحقيق العدل والحياة الكريمة، بل الأولى محاكمة الجلادين والسفاحين والظالمين الذين دعموا الظلم والقتل من أجل عرش زائل.

لكن بقيت هنا نقطة، ماذا يحدث إذا لم يتم الاتفاق على رحيل الأسد، أعتقد المطلوب من المعارضة أن تقدم تنازلات – في ظل وجود ضمانات دولية من الدول الضامنة الثلاث – فيما يتعلق ببقاء بشار في المرحلة الانتقالية من عدمه من أجل التسوية، وأن تأخذ بالمثل الذي يقول: ما لا يدرك كله، لا يترك كله، أو لا يترك جُلّه، وإذا كان الكلام عن القصاص فإذا لم يستطع الشعب تنفيذ القصاص بحق بشار، فرب العباد لن يتركه دون حساب إما إلى جنة وإما إلى نار.

وستطرح بقاع الأرض، التي ارتوت تربتها بالدماء الغزيرة للضحايا، أجيالا تعرف معنى العدل والرحمة وتحكي عن طاغية في زمان ما قتل ودمر وأزهق أرواحا لا ذنب لها وعاث في الأرض الفساد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد