عاد سعد لمجرد، المغني المغربي الشاب الذي كسر كل الأفق الفني، بأغنية جديدة LET GO والتي وصلت في أقل من 24 ساعة إلى ثلاثة ملايين مشاهدة، ليسجل بذلك رقمًا قياسيًا في ظرف قياسي، في زمن افتراضي، وهي الأغنية التي أطلقها من فرنسا مصورة، بسبب عدم الترخيص له قضائيًا وقانونيًا بمغادرة تراب فرنسا، إلا بعد الانتهاء من فضيحته الجنسية.

لا تحمل الأغنية أي إبداع فني، كما سابقتها من التجارب، كلمات بسيطة منهلة من القاموس المغربي الدارج، والذي لا يصلح طبعًا للغناء، أكثر ما يصلح للنكد والسجال في الأسواق وفي حمام الدرب، لكنه بفضل سعد المجرد ومن على شاكلته من جيل الاستنساخ الإعلامي، بات حقلًا فنيًا وأدبيًا شاعريًا للغناء، يصلح لتطويعه على مقاسات مقام الربع، الذي يبقى إنجازًا مغربيًا خالصًا في سلم الموسيقى.

LET GO، أو اتركه بالعربية الفصحى، أو (خليه) بالدارج المغربي، عنوان هذه الأغنية التي ما تزال تحصد في آلاف المشاهدات منذ أن أذيعت على قناة سعد الخاصة. بقليل من التجرد ومن مسافة الأمان بين الأغنية بتداخل عناصرها الكثيرة، الرقص، اللباس، التصوير، الألوان، اللوحات الفنية، التعبيرات الجسدية، توظيف النمر، وبعض المؤثرات الصوتية، وبالإضافة إلى الكلمات وما تفرضه من صور شاعرية، بالرغم من استحالة الانزياح والمجاز والاستعارة؛ لأن اللغة نثرية جدًا، فإن الأغنية مليئة بإيحاءات جنسية لا يمكن أن يتجادل حولها اثنان من العقلاء.

لم يكن سعد يكتب يومًا كلمات أغانيه، بل إن أشهر أغانيه كتبها ووزعها بعد لحنها جلال حمداوي، كانت على الأقل، بالرغم من افتقارها للشاعرية الغنائية، مقبولة فنيًا، سهلة في التداول والحفظ والأداء، أدخلته عالم الموزيكا، من أبوابها الواسعة، وصار ينافس كبار فناني أمريكا والعالم على قناة اليوتيوب، (إنتا معلم) وصلت نصف مليار مشاهدة، وهذا اقتحام لخصوصية الكبار.

لنعود إلى let go أغنية السجين الذي قذفته فتاة عشرينية في سجون فرنسا بتهمة الاعتداء الجنسي، قلتُ هذا الصباح لصديقي وئام ساخرًا، اغتصاب فتاة فرنسية، ثم يسجن في فرنسا، يا له من حظ. تقول بعض مقاطع الأغنية:
شكون للي قالك أنا نجيك ثاني
شكون للي قالك أنا نثيق ثاني

ومربحتي والو والو
شحال طلعتي ونزلتي
مخليتي مدرتي

ومربحتي والو والو

إن هذه الكلمات المستعملة في هذه الأغنية، أغلبها تنتمي للغة المغاربة التي يتم تداولها في شؤون الصراعات داخل المحاكم، أي سعد عندما قرر أن يكتب كلمات أغنيته هاته، لم يستطع أن يصور لنا القصة بشاعرية وبفنية منتظرة، وإذا كان السبب الكبير هو المستوى الثقافي المتواضع لسعد المجرد، والذي جعل لغته لغة سطحية عادية جدًا، لا تخرج عن اللسان المغربي الدارج، فإن المرحلة كذلك تقتضي أن يحافظ على الستيل الخاص به، والذي في أجمل الأحوال لن يتجاوز التعبير عن حبه المبالغ فيه للملك، وهو الحب الذي ختم به فيديو كليب الأغنية المصورة، حيث قرأ بتقنية voix hors champ رسالة حبه للملك، وهي الخاتمة الدخيلة على الأغنية، ولا شك أن الذي اقترح عليه الفكرة، لن يكون غير البشير عبدو ولالة نزهة الركركي، كما يفضل أن ينادي عليهما كأبوين له، فلطالما كان يبالغان في ولائهما للملك، لأن الملك تدخل في قضيته الجنسية لسبب واحد أن سعد المجرد وُشّح صدره بوسام ملكي، والبروتوكول يقتضي حماية أي شخص له هذا التفضيل الملكي.

إن كلمة (ما ربحتي والو) والتي تعني بالفصحى: لم تجْنِ شيئًا، تعبر عن (قليان السم) كما نتداول نحن هنا في المغرب، وفي سياق الأغنية الذي يرتبط بقضية سعد، فإن الفتاة العشرينية لم تربح أي شيء في النهاية، بالرغم من أنها (طلعات ونزلات) في ردهات المحاكم، (ؤُماخلات ما دارت) للايقاع به وسجنه لمدة 20 سنة كما يسن القانون الفرنسي في قضايا مثل قضيتهما، إلا أن سعد الآن خارج سجنه، مستمتعًا بحريته، وبدأ في نفث سمومه عبر let go.

قبل أسبوع أطلق الفنان يوسف جريفي أغنية تعكس الهوية الفنية والثقافية للفنان المغربي الحر والأصيل، وراءها موسيقيين كبار، وعمل دام لأكثر من سنة من التنسيق والإعداد والبروفات والتداريب المضنية، كلمات شعرية رائعة مليئة بأحاسيس وعاطفة نحِنُّ للعودة إليها، بالرغم من أنها انتهت مع زمن محمد الحياني، إلا أن هذا الشاب أحياها من جديد، رفقة ملحن اسمه حسن القدميري، أحد أعمدة الأغنية المغربية، وكلمات شاعر ملأ السماء المغربية قطعًا فنية مشرفة، اسمه علي الحداني، رحمه الله. أغنية (والو باس) هاته، جسر بين الأغنية الكلاسيكية المغربية، وبين الأغنية العصرية، وذلك لاعتمادها على مجموعة من التقنيات الحديثة، وبعض الآلات الموسيقية كذلك، لم تتجاوز بعض آلالف المشاهدات، لأن الشباب المغربي اليوم والذي يشكل القاعدة الكبيرة في المستخدمين للإنترنت، وجد نفسه في لحظة بدون مرجعية فنية، منفصلًا عن تاريخه وأرشيفه، مصطدمًا لوحده مع وحش المعلومات، فبات بدون مناعة تحصنه ضدّ كل هذه الخوارج، إنه الشباب الذي تزعجه فيروز، وتخدره DESPACITO.

إذا كان سعد المجرد، يعتبر أن أغنيته الأخيرة هاته، فرصته لتصريف ضغائنه وأحقاده ضد كل الذين انتقدوا فضيحته الأخلاقية ضد عشرينية فرنسية، فإنه لم يتجاوز بعض صبيانية فجة، ووقاحة فنية، بالرغم مما وصل إليه من نجومية كل روافدها افتراض. وأن الزمن الفني في المغرب، بالرغم من كل هذه الحداثة المستنسخة، سيعود إلى جادة صوابه، لينهل من جبال الأطلس، ورمال الجنوب، ومياه إيفران، وأحيدوس وأحواش وعيساوة وحماشة، وكل شيخات ورواسيات الأغنية المغربية الخالصة، القابلة لأي ميكساج عالمي؛ لأنها تمتح من الإنسان ومن الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات