صدقني، حاولتُ كثيرًا أن أكتب مقالاً يتحسَّر ويتعجب من الفاجعة، حاولتُ أن أبكي “سُميَّة”، وأنعي لك، ولنفسي، واقعنا المفجِّع، الذي يبتسم في وجهك بسماجة، وهو يخبرك أن فتاة عمرها 19 عامًا، اسمها سُميَّة، قفزت في النيل، وماتت غرقًا، وهي تحاول أن تهرب من شخص ما، حاول أن يتحرش بها – ربما نجح- وهددها بزجاجة ماء نار كانت بحوزته.

حاولتُ أن أكتب متفجِّعًا مستغربًا مما حدث لسُميَّة، ولكني فشلت، فشلتُ لأنني لم أعد أملك طاقة للاندهاش من الأشياء المعتادة.

أعتقد أنني فقدتُ كل قدرتي على الاندهاش من نماذج القهر الذي تتعرض له الفتيات في مصر، يوم استمعتُ بنفسي لصراخ حبيبتي، وهي تستغيث بي من أحدهم، بعد أن حاول لمس صدرها رغمًا عنها، أثناء مرورها بجواره في الشارع، وهي تحادثني عبر الهاتف المحمول. حتى الآن، أتذكر صوت لهاثها، دفعات الهواء المتتابعة من فمها ترتطم بأذني الموضوعة على سماعة الهاتف، ومحاولاتي البائسة لتهدئتها، ونظرة الغل التي طبعتها على الهاتف المحمول، قبل أن أصدمه مرات متتالية في الحائط، وأجلس بعدها محدقًا في الأرض لساعات، حاولتُ يومها أن أبكي، وما زلتُ أحاول.

يمكنني أن أصبِّرك، وأصرخ بالكلمات شاكيًا من الواقع المرير الذي تلقي فيه الفتيات بأنفسهن في النيل؛ هربًا من المتحرشين، وأتهم الدولة بالتقصير في حمايتهن. هناك مجال كبير للشكوى واتهام الدولة في هذه الحادثة بالذات؛ لأن “سُميَّة” قفزت في بقعة معينة من النيل، تبعد عدة أمتار عن وحدة الإنقاذ النهري التابعة للدولة، أي أن العساكر، غالبًا، كانوا يشاهدون الواقعة، ربما اعتبروها تسليَّة تساعدهم على تمضية وقت الخدمة الممل، الذي لا يمر بسرعة، إلا بمشاهدة أشياء مسليَّة مثل غرق فتاة في النيل هربًا من التحرُّش.

الشكوى من بؤس الواقع مريحة للقلب، قد تفقد صوتك من الصراخ، لكنه قد يريحك أيضًا، ولكني كما مللتُ الانتظار، مللتُ الشكوى والتباكي. أكتبُ لكم اليوم ناصحًا، لا شاكيًا.

منذ شهور، وبينما أنا في السينما أشاهد الفيلم الجميل “فتاة المصنع”، انساب إلى أذني صوت أنثوي جميل، يدندن بصحبة “سعاد حسني” إحدى أغنياتها التي كانت تتردد في الفيلم. كان الصوت جميلاً حقًّا، به خفة صادقة تأسر القلب،

ظللتُ طيلة الفيلم أنتظر مجيء أي أغنية لسعاد حسني، لأستمع للصوت الجميل يدندن بصحبتها، بينما سعاد تشدو بسعادة حقيقية “الشجر الناشف بقى ورور.. والطير بقى لعبي ومتهور”

بدأ الصوت الخفيف إياه ينبعث مصاحبًا للحن، وعندها وجدتُ الرجل الجالس أمامي يلكز الفتاة الجالسة بجواره، وينهرها بعنف؛ جذب إليهم أنظار من جلسوا بالقرب منهم. عندها، عرفتُ أن هذه الفتاة هي صاحبة الصوت الجميل إياه. بعد انتهاء العرض، نظرتُ خلفي؛ لأودع الفتاة ذات الصوت الجميل بابتسامة شكر، ومرافقها بنظرة غيظ، لم أستطع كتمانه، لم أعد أتحمل الغباء!

لا يستطيع هذا الرجل، ومن هم مثله من الرجال والنساء، ممن يظنون أن الخوف قد يحمي الفتيات في مصر، أنه قد حانت اللحظة التي لا عاصم فيها من القهر، سوى إرادة الرب، وبعض الحظ، والقليل من الاجتهاد الشخصي في حماية النفس، وليس الخوف من الأشياء التي قد تحمي فتاة في مصر.

لن تستطيع أن تترك الفتاة، التي قد تكون أختك/ حبيبتك/ زوجتك بحريتها، دون قيود تظن أنها قد تحميها، إلا عندما تتخيل نفسك تحادثها عبر الموبايل، بينما تندفع يد أحدهم لتقبض على صدرها عُنوَّة، دون إرادة منها أو منك. عندها، ستتعلم دون نصائح أن الخوف لن يحميها.

حرروا الحرية، لا تجعلوهم يجعلون من الحرية مرادفًا للانحلال في ذهنكم. هؤلاء المواطنون المحيطون بكَ في الشارع، والذين تخشى على الفتاة من كلامهم وردود أفعالهم، إذا ما تصرفت الفتاة بشكل قد لا يرونه يليق، لن يفعلوا لها شيئًا إذا ما تعرضت لأي اعتداء، وسيكتفون بالمشاهدة.

تذكر يوم نصحتها أنتَ بأن تصرخ بأنها تتعرض للسرقة، إذا ما تعرضت لمضايقة أو تحرُّش؛ لأن شعبنا الحبيب ينتفض لنجدة المسروق، ولا يلتفت لمن يُنتهك عِرضها في الشارع. والدولة ستكتفي بأداء دورها في انتشال جثتها من النيل، بعد أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، لا تنتظر من السادة المسئولين أكثر من هذا.

حريتها فقط هي القادرة على حمايتها، لا أنت ولا الدولة ولا ألف قانون تظنه قد يحميها.

إلى أن يأتي اليوم الذي حدثتنا عنه “ريحانة”، الإيرانية التي أعدموها لأنها قتلت من حاول اغتصابها، في رسالتها لأمها قبل إعدامها: “في الآخرة سنوجِّه نحن الاتهام؛ وسيكونون هم مُتهمين. دعينا ننتظر إرادة الله”. إلى أن يأتي ذلك اليوم، حرِّروا الفتيات من كل قيد لن يحميهن، بل سيحرمهن من الحياة.

كان ما قرأتَه للتوّ يدور في ذهني، بينما أنا أنظر لعيني حبيبتي التي وقفت بجواري في الزحام، بعد ما قرأتُ تفاصيل ما جرى لـ “سُميَّة”، عندها قررتُ أفعل ما أريد، دون خوف من رد فعل زحام الشارع الذي يكتنفنا.

رفعت كفها الرقيق، وضغطتُ عليه برفق، وطبعتُ قبلة على اليد الدافئة الرقيقة، وابتسمت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد