بعد مرور عام من إنشاء موقع «صراحة»، يعمد الموقع لمسح كل التعليقات التي وصلت الشخص على صفحته ويستبدل بها كل ما كتبه هو للآخرين على صفحاتهم بالموقع؛ فيصنع منها فيديو حصيلة العام ويعنونه بكلمات: بصراحة هذه حقيقتك.. إنها ما كتبته أنت عنهم لا ما كتبوه هم عنك.

بهذا السيناريو فقط يمكنني أن أقتنع أن موقع صراحة ذا جدوى حقيقية، وأنه موقع فعال ليخبرك عن نفسك بصراحة، وإلا فما الداعي له، غير أنه سعي آخر لاستجلاب اهتمام الآخر، أو على الأقل لاستشعار ذلك الاهتمام.

سيقولون: أنشأناه لنعرف ما غفلنا عنه من عيوبنا أو ما غاب عنا من نقاط قوتنا. سيقولون: كنا ننشد من خلاله نقدًا بناءً. سيقولون وسيقولون، وسيعجزون عن مصارحة أنفسهم بمبتغاهم في الوقت الذي ينشدون فيه من الآخر المجهول أن يكون صريحًا معهم!

هل هذا يعني أن توقنا للاهتمام عيب أو ينطوي على شعور بالنقص؟ مؤكد أنه لا، وأن حاجتنا للشعور باهتمام من نحب ومن نهتم لأمرهم أمر طبيعي، لكنه لا يبقى كذلك إذا تعدى الحد المعقول.

بالمناسبة.. أنت تملك الخيار

وحتى بافتراض نجاعة تلك المواقع في مصارحتنا، ما حاجتنا لإنشاء حساب جديد بموقع جديد مادامت هناك مواقع سابقة له تفي بنفس الغرض كموقع sayat.me وموقع ask.fm؟ أم هو فقط هوس امتلاك حساب جديد بكل تطبيق جديد، كتعويض عن الشعور بالفراغ، وكانعكاس للنزعة الاستهلاكية؟ أم أنه ليس أكثر من الخضوع للسائد؟ الجميع لديه حساب عليه، والجميع يتحدث عنه، إذن لمَ لا أمتلك أنا أيضًا واحدًا؟

بين الحسابات الثلاثة التي أملكها على «واتساب» و«فيسبوك» و«آسك» ألزم نفسي دائمًا بإيقاف أحدها كلما نشطت على الاثنين الآخرين. لم يكن يومًا الواتساب بالنسبة لي شيئًا أمتلكه أو أتردد عليه إرضاءً لرغبتي، بل لطالما كان التفاعل مع رسائله نوعًا من الالتزام بالواجب الاجتماعي، على اعتبار أن سكانه أشخاص ينتمون لعالمي الواقعي، لا أشخاصًا انتقيتهم بشروطي في العالم الافتراضي، وحاليًا قررت أن أتقاعس عن أداء واجب التواصل الاجتماعي، وأن يكون الهجران في هذه الفترة من حظه هو، كل هذا لأن صبري نفد مع كل تلك الرسائل الهُرائية التي لا تعني المرسَل إليه في شيء ولا تكاد تتوقف في الواتساب.

لكن على قدر ما كان الأمر مزعجًا لي، على قدر ما كان مُلفتًا. ما الذي يجعل تلك النسبة غير القليلة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي عمومًا والواتساب خصوصًا يجندون لضمان وصول تلك الرسائل لأكبر عدد ممكن من الناس؟

نعم فكرة رغبة الناس بإنجاز الكثير بجهد قليل، أو ما يعرف بـ principle of quick fixes، واردة كتفسير لهذا السلوك على اعتبار أن الغالبية سيميلون لاعتبار ما يُرفق بـانشر ولك الأجر فرصة لكسب عشرات الحسنات بكبسة زر واحدة بسيطة، وهم جالسون لا يحركون ساكنًا، ونعم مازال كثيرون للأسف إلى يومنا هذا يُصدّقون تلك التحذيرات المبتذَلة من عدم نشر الرسالة، والمرافقة لها كـإذا لم تنشرها فستحل عليك المصائب، لكن هذه التفسيرات تبقى صالحة للرسائل الدعوية تلك التي تكتسي بطابع الدين، في حين أن الرسائل المتداوَلة بالواتساب بشكل مزعج تتعدى الرسائل الدعوية، فقد تكون أحيانًا حالات إنسانية أو قصصًا مؤثرة أو معلومات عامة أو حتى مجرد مواد كوميدية!

جربت أن أسأل بعضهم بشكل لبق وغير مباشر: لماذا أرسلت لي تلك الرسائل؟ فيأتي الرد عادة من قبيل: لا لشيء.. فقط وصلتني فأرسلتها للموجودين عندي! هكذا يأتيني الرد دائمًا.. لا سبب.. لا دافع.. فقط يبعثون.. فقط يتصرفون كأنهم جزء من مَيكنة لتمرير تلك الرسائل العامة!

تلك الردود جعلتني أتذكر رد أحد المشاركين على «ستانلي مليغرام» في تجربته الشهيرة حول مدى الانصياع للأوامر أو الخضوع للسلطة، عندما سأله مليغرام: لماذا لم ينسحب من التجربة ويتوقف عن صعق المشارك الآخر بالكهرباء، فكان الرد: أنا لم أرد الاستمرار، لكني لم أستطع التوقف؛ لأن مشرف التجربة قال: لي أن أستمر. كانت النتائج صادمة لمليغرام؛ لأنها أظهرت له مدى استعداد المشاركين لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم، لكن ما لفتني أنا في التجربة أن المشاركين كانوا يتصرفون وكأنهم لا يملكون الخيار، بالرغم من أنهم شاركوا في التجربة بشكل تطوعي!

وكذلك الشأن بالنسبة لكل أولئك الذين يرسلون تلك الرسائل، هم في الحقيقة يتصرفون وكأن لا خيار آخر لديهم، تصلهم أية رسالة تتضمن إن أهملتها ستُلعن، أو أمانة في رقبتك ليوم الدين، أو انشرها تؤجر أو انشرها ليستفيد غيرك أو لا تجعلها تتوقف عندك، أو أي من تلك العبارات التي لا تدل أغلبها على الإجبارية، وبالرغم من ذلك يتلقون الأمر فيمررون الرسالة مباشرة دون حتى التفكير في: لمَ أفعل ذلك؟

أن نُغفل أننا نملك الخيار، أمر يطال الكثير من شؤون حياتنا.. فكم من صديق قد يأتيك شاكيًا من أمر ما، وعندما تسأله: لماذا لم تفعل كذا؟؛ يرد: لم يكن بإمكاني فعل شيء! فأنت كطرف خارجي عن الموضوع ترى مدى الإمكانيات المتاحة له، ويصعب عليك فهم كيف يواصل معاناته، دون اللجوء لتلك الخيارات، في الوقت الذي يغفل فيه هو أنه يملك الخيار.

وكذلك أنت تملك الخيار لتسجل في تطبيق؛ لأنك تريده أو تحتاجه كما تملك الخيار لئلا تفعل، ولتخالف السائد، بل تملك الخيار حتى في ألا تتبع الرأي العام الافتراضي، ولا تتحدث في حديث الساعة الذي يشغلهم.

المتربصون

إذا كنت تعي أسبابك وتدرك جيدًا رغبتك وهدفك من إنشاء حساب بموقع صراحة فهذا جميل، لكن تذكر أنه لا يوجد ضمان بأن الطرف الآخر المعلِّق سيتصرف هو الآخر بحكمة.

التزامًا مني بمبدأ عدم تتبع عورات الناس -والفضائح عورات- لم أهتم يومًا بأن أقرأ حرفًا عن قضية المغني المغربي سعد لمجرد.. فكل ما أعرفه عن قضيته لا يتعدى ما أتعثر به من عناوين، وأنا أتصفح الشبكة العنكبوتية، باستثناء فيديو سجله مغربي ينتقد فيه موقف كثير من المغاربة شمتوا بحبس سعد لمجرد.. لا يعنيني هذا الأخير بشيء مادام سلوكه فرديًا، لكن لفت انتباهي أنه فعلًا كان هناك العديد من المغاربة الذين شمتوا فيه.. فلماذا يفعلون ذلك؟ وليس بينهم وبينه أية ضغينة شخصية؟

أتخيل أن تلك الفضيحة لو كانت طالت فنانًا أجنبيًا ما كان ليبدر عن كل أولئك المغاربة ذلك الشعور العارم بالشماتة؛ لأن ذلك الأجنبي مهما كان ما حققه فهو آخر لا يشبههم، وظروفه ليست هي ظروفهم، أما سعد لمجرد فهو شاب مغربي مثلهم ينتمي لنفس بيئتهم، وتلك الأرضية التي يشتركون معه فيها تخلق لديهم الميل للمقارنة – لمقارنة أنفسهم به كلما تابعوا نجاحه .. شعور مزعج ذلك الذي يتولد عن المداوَمة على مقارنة النفس بمن يبدو أفضل منها أو بمن حقق ما تعجز هي عن تحقيقه.. وهذا ما يفسر تلك اللذة التي يستشعرها الشخص وهو يتحدث عن فضيحة شخص مميز أو ناجح أو مشهور: انظروا ماذا فعل.. ياللعار! ما كنت لأسمح لنفسي باقتراف ذلك.. أنا أفضل منه.. أجل فهو أخيرًا وجد شيئا يثبت من خلاله أنه أفضل من ذلك الشخص الذي كان يزعجه التفكير في كل مرة أنه أفضل منه أو في أنه حقق ما لا يستطيع هو تحقيقه.

هذا الأمر يقودنا لإحدى المشاكل التي خلقتها مواقع التواصل الاجتماعي.. ولأن لا اسم لها دعنا نصطلح على تسميتها: عمى الفوارق.. فمدى التقارب الذي خلقته هذه المواقع بين الناس جعل الجميع على نفس المستوى من الندّية.. فأنت مازلت تحترم كاتبك المفضل الذي مات قبل سنوات ولا تتجرأ حتى على مقارنة نفسك به، لكن ذلك الكاتب الذي كنتَ تعظّمه قبل سنوات وأصبح اليوم أحد أصدقائك على فيسبوك بات من الوارد جدًا أن تقرأ كتاباته ويخطر لك: على أي أساس يُعتبر أفضل مني!

وأولئك الشباب المغاربة الشامتون بلمجرد ينطلقون في شعورهم بالندّية من نقط التشابه ويغفلون نقط الاختلاف التي على أساسها حقق لمجرد شهرته والتي تتمثل في كونه ابن فنانَين ومن بيئة فنية ناهيك عن دراسته بأمريكا.. فلا شيء قد يكبح جماح الشعور بالندية ويقي من الغرق في المقارنات، إلا إدراك اختلاف الظروف.. قد تزعجك ثقة ذلك المثقف وهو يستعرض رأيه في قضية علمية ما، وأنت تقارن براعته مع ضحالة معرفتك حول ما يقول.. في هذه الحالة أنت أمام خيارين للتخلص من ذلك الإزعاج.. إما أن تحاول إحراجه وتسفيه ما يقول، أو أن تذكّر نفسك بأن ظروفه ليست هي ظروفك وأن لا شيء يلزمك بأن تكون بارعا فيما برع هو فيه.

ويبقى أولئك الذين يكرهونك أو يسعون لإيذائك من خلف حجاب النت انتقامًا لشعور النقص الذي يخلقه لديهم نجاحك أو تميزك أو إنجازك، والذين يؤذونك بتعليقاتهم المستفزة والجارحة؛ ليحظوا منك بتفاعل فقط؛ استجداءً للاهتمام وللفت الانتباه، مجرد صنفين لمتنمّري النت.. مادامت أسباب الإنسان للتفكير في إيذاء الآخرين عديدة ومعقدة، ليس طلب المتعة والتسلية إلا أحدها. ومادامت مشاعرنا تجاه من لا نعرف لا تكون بالضرورة محايدة؛ إذ إنها في الواقع كثيرًا ما تكون محمّلة بالكثير من الانطباعات والآراء المسبقة، تجاه شكله، جنسه، لبسه، دينه، منصبه. ومادام كل معطى من هذه المعطيات قد يشكل سببًا كافيًا لدى كثيرين للكره، وقد يستتبعه لدى البعض منهم رغبة بالإيذاء.

الخلاصة

فإن كنت مستعدًا للتعامل مع كلمات سامة من شخص يحاول الانتقام منك لذلك الشعور بالنقص، أو من شخص يتخذك مادة لتحصيل متعته وبعض التسلية، فأنشئ حساب صراحة. وإن كنتِ مستعدة لتقبل الإيذاء من شاب حاقد؛ لأنك كنتِ أكثر تميزًا من أن يستطيع الوصول إليك، أو كنتَ مستعدًا لاستقبال سموم فتاة حاقدة لأنك كنتَ أكثر تألقًا من أن تفكري بالارتباط بمثلها، فاصنع لك حساب صراحة.

أما إن كنتَ غير عابئ بكل أولئك المتنمرين المجاهيل وأنت كفيل بخلق جو الإثارة بنفسك لنفسك بما تبعثه لحسابك من رسائل تنمّر مزيفة، لتخلق حولها الشو.. فيسعدني أن أخبرك أن موقع صراحة مناسب تمامًا لأمثالك من جوعى الاهتمام والأضواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد