«دع الخلق للخالق» ربما عند قراءتك لعنوان المقال تخيلت أنك ستقرأ كلامًا على شاكلة ألزم نفسك أو اعتنِ بأمرك أو من راقب الناس مات همًّا أو ما يشبه ذلك، ولكن بصراحة شديدة لن تجد ما تخيلته هنا. هل نحن مطالبون بالتمحيص فيما يقوم به الغير؟ هل نحن مطالبون بانتقاد ما يحدث حولنا؟ هل ظننا أنفسنا في كمال المولى عز وجل؟

خلال الفترة الماضية بدأت تتصاعد وتيرة من أحاديث تبدو كأحاديث حكماء أو عقلاء أو ربما زهاد كدع الخلق للخالق أو ما شابه، فالناس منقسمون ما بين من يبدي آراءه بسخرية من البشر وينتقد سلوكياتهم بشكل علني، وبين من يتبنى رأي الحكماء فيهاجم المنتقدين بقوة وعنف كمن كانوا هم الذين ينالهم الانتقاد. السؤال هنا هو أي الفئتين أصح أو بمعنى أدق إلى أي الفئتين ينبغي على الفرد الانضمام والتأييد. سأجيبك بشخصي ولكن ليس بعقلي بل نقلًا عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعًا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعًا».

[رواه البخاري عن النعمان بن بشير]

نحن مطالبون بالحديث عن مشاكلنا والانتقاد المستمر بغية التعديل والتقويم، ربما لا تكون ذاك الشخص ذا المنزلة العظيمة كي تنتقد الغير بل وتعاني من مشاكل ونقاط ضعف في حياتك ككل. لكني لا أفهم صراحة ما هو وجه التعارض ما بين عدم كمال الشخص وانتقاده لسلوكيات غيره وإبداء الرأي فيها. الواقع أن العقل الباطن بشكل تلقائي يترجم فكرة الانتقاد بأنه استضئال أو تقليل من قدر الشخص المُنتقد وكأن من الطبيعي أن يُخلق المرء بدون عيوب أو مشاكل. هل يوجد شخص ما على وجه الحياة كامل الصفات يُعين مسئولًا عن تقييم وانتقاد سلوكياتنا فنصطف أمامه ويمر على كل منا ويقوم بعمل تقرير مفصل أو شامل عن سلوكياته ومن ثم يمنحه علامة ما مميزة أو مُخيبة؟ ولما أن هذا الأمر مستحيل يا تُرى من ننتظر ليعبأ بأمر أمتنا ويهتم بحل مشاكلها ونقاط ضعفها وانتكاساتها؟

هل بدا من البديهي أن نحيا حياة ذات نمط فردي بحت حيث يعبأ الفرد بمصلحته الشخصية فقط ولا يهتم بالجوار وما يحدث فيه؟ سأرد عليك بسرد نقطتين في غاية الأهمية؛ في العالم الغربي الذي نصفه بالمتقدم ونتطلع لبلوغ قدر ما مما وصل إليه من الحضارة يقبع قدر لا بأس به من الناس في دراسة ما يُسمى بعلم الاجتماع. فما بين باحثين وعلماء وأساتذة جامعات ودارسين من كل الفئات يجتمع هؤلاء لدراسة سلوك المجتمعات والعوامل المؤثرة عليها وكيف تتغير وتأثير الظواهر المتعددة على الحراك العام في المجتمعات. هؤلاء يا عزيزي لا يتناولون هذا العلم كتناول الملازم والكتب قبل الامتحان كما يحدث في نفس هذا المجال من العلوم الإنسانية في مصر.

النقطة الثانية وهي مبادئ ديننا الحنيف الذي هو مرجعنا الأساسي في تعاليم الدين والدنيا ولا يمكن للمسلم التصديق بالرسالة ورفض المصحف أو السنة المطهرة. الإسلام كما يعبأ بحفظ حدود الأفراد فيما بينهم ورد المظالم وتقديم القدر الكبير من النصوص المقدسة عن حقوق الأفراد بشكل فردي، عني هو الآخر بالجماعة وتقوية الروابط والصلة بين الناس وبعضهم البعض. على سبيل المثال وليس الحصر عندما هاجر النبي الكريم من مكة إلى المدينة ومن معه من المهاجرين من أهل مكة، عمل في المدينة بعد إنشاء المسجد النبوي على المزج السريع للفئتين ببعضهم البعض، فعمل على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مثنى مثنى وربما لو وضع أحد منا نفسه في موقف النبي الكريم لربما رأى من الحكمة الفصل بين الطائفتين في المدينة والسماح للأنصار بمنح أو إقراض المهاجرين بالمال اللازم لتأسيس حياتهم التجارية الجديدة لعدة أسباب، منها مثلًا هو الخوف من وقوع مشاكل واختلاف بين الطائفتين نظرًا لاختلاف بيئتي المنشأ والثقافة الحياتية لكل منهما خاصة وأن الإسلام كان مرصودًا حينئذ من القبائل المجاورة وأهل مكة وكذلك يهود المدينة نفسها. لكن الرسول الكريم قرر الخلط بينهم بشكل ما قد يظنه البعض مصدرًا جديدًا للهموم للنبي الكريم الذي لم يُخفِ في بداية الدعوة ما يتحمله من هموم لما أمنه الله من أمانة الإسلام، ولم يتوقف الرسول الكريم عند هذا الحد بل وعاهد اليهود وخصص لهم حماية إحدى حدود المدينة على الرغم من ما يحمله التاريخ من نقض اليهود الدائم للمواثيق.

الإسلام ارتكز في إحدى ركائزه الخمس على إعطاء الزكاة وهو ما لا يحمل أي جانب من الفردية على الإطلاق، وهو خاتم الأديان حتى موعد الساعة أي لن يُرسل المولى رسالة أخرى بركائز أخرى فتطغى عليه. ربما لو أكملنا الحديث لأيام وأيام لن ننتهي من سرد شواهد اهتمام إسلامنا بالوحدة المجتمعية.

يجب على المرء وجوب الفرض أن يحاول تغيير ما يراه من سلوكيات وظواهر سلبية خاصة حينما تتوغل بين الناس. يجب حينها الوقوف على الأسباب والنتائج المتوقعة وكيفية الخلاص منها. يجب الحديث المستمر مع الجوار وفهم ما آلت إليه الأمور خاصة ونحن نتمتع بسبل التواصل المتعددة ولا سيما التواصل الاجتماعي، يجب علينا أن نعبأ بأمر أمتنا وهمومها فلن يسعى لتمكيننا في الأرض سوانا وهذه رسالتنا السامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخلق
عرض التعليقات
تحميل المزيد