لا تحزن. استمتع بحياتك، عناوين احتلت في فترة من الفترات قائمة أكثر الكتب مبيعًا، ولم يكن ذلك في الحقيقة سوى مظهر من مظاهر أزمة العقل المسلم في العالم العربي، والعطب المزمن الذي مس ذائقته المعرفية أيضًا. فلا زلت أتذكر الاحتفاء الكبير بالشيخ عائض القرني وبكتابه لا تحزن، حتى يكاد المرء يعتقد أن الشيخ عائض بُعث برسالة جديدة وكتاب جديد، وبلغ الزهو بالشيخ أن صرح أن كتابه يستعمله الأطباء للاستشفاء من بعض الأمراض النفسية المستعصية، ويصفونه كعلاج لحالات ترددت عليهم. بمعنى أنه يصلح رقية للبائسين، ومن أضنتهم نوائب الحياة.

الحقيقة أن الشيخين وزملاء لهما لم يستحدثوا حقلًا معرفيًا جديدًا، ولم يأتوا بجديد من عند أنفسهم، وإنما وسيرا على عادتهم الدارجة في اقتناص الفرصة الواعدة، واستثمار الدين في كل ما من شأنه أن يحقق عوائد مجزية لهم، ركبوا موجة التنمية الذاتية التي اجتاحت العالم العربي منذ نهاية التسعينات وبلغت الذروة في العقد الأول من الألفية الجديدة. ويسع المتابع النبيه أن يلاحظ منطق الاستثمار وروحه لدى هؤلاء الشيوخ منذ انطلاق الصحوة إلى يومنا هذا. يستثمرون في أزمة الانفتاح وحقب الاستبداد وفي الحروب والفوضى والثورة والثورة المضادة، وعندهم لكل مرحلة ما يناسبها من الخطب والفتاوى والمواعظ.

لا يعنينا الشغف بالاستثمار لدى هؤلاء الشيوخ، وإنما أتينا على ذكرهم لأنهم طعموا هراء التنمية الذاتية بنصوص دينية مقدسة، وإلا فالنقد في هذا المقال موجه إلى ما يسمى كتب التنمية الذاتية بصفة عامة. وهدفنا طرح ملاحظات مختصرة وموجزة عنها.

ظهر الاهتمام بالتنمية الذاتية في الغرب كمحاولة لعلاج أزمات الرأسمالية وأعراضها الجانبية المتفاقمة في تلك البلاد، فنزعات الانتحار التي سادت هناك مثلا تستدعي تدخلًا يعيد تعريف الحياة والسعادة والمعنى، ويحقق عيشًا خاليًا من التوتر والاكتئاب والفراغ الوجودي، ويربط الفرد بأهداف تغمر حياته بالثقة والأمل، وتنتشله من اليأس والضياع. وهذه الأدواء والأزمات تفاقمت طردًا مع ارتفاع معدلات الاستهلاك والعيش الرغيد. إلى هنا يبدو الاهتمام بالتنمية الذاتية لا يخلوا من وجاهة ومن جدوى أيضًا. لكن المشكلة بدأت عندما جرى تصدير هذه الثقافة أقصد ثقافة الاهتمام بالتنمية الذاتية وترويجها في العالم الثالث بهدف مقاربة وعلاج أزماته العميقة والمستفحلة.

لقد جاء هذا الدين الرأسمالي الجديد ليرشد البائسين في طننا العربي إلى إكسير السعادة وأسرار النجاح. وقد نسي متعهدو هذه الدعوة أن الناس ينتحرون في الغرب فرارًا من رتابة الحياة وضجرها وعدميتها وخلوها من أي معنى، بينما ينتحر الناس في أوطاننا هروبا من شبح البطالة والفقر والعوز وانسداد الأفق وقتامة المستقبل، وانحسار الخيارات. فإذا كان تعليم أولئك مبادئ الحياة البسيطة المفعمة بالمعنى والأمل بمثابة حل معقول لمآسيهم الفردية، فإن تعليم هؤلاء قيم الانتصاف من الظلم واستراد الحقوق المهدرة أنجع وأجدى لأزماتهم الوجودية.

لو حدث أن الشيخ عائض القرني مر صدفة في أحد شوارع مدينة سيدي بوزيد ولمح شرطية تصفع بائعًا متجولًا وتبعثر بضاعته على الأرض، فسيهرع إليه ليضمد كرامته المهدرة، ويهدي إليه نسخًا من كتابيه لا تحزن، ولا تيأس (الثاني مسروق من فاتحته إلى خاتمته) ويوصيه بالتفاؤل والأمل، وأن لا يتردد في اقتناء بضاعة جديدة، وتجهيز عربة بديلة، وليدر خده الأيمن لصفعة أخرى إذا لزم الأمر، فالرسول صلى الله عليه وسلم تعرض لظلم أبشع، شُج رأسه وكسرت رباعيته ووضع سلا الجزور على ظهره، وحوصر في الشعب، وطرده السفهاء من الطائف.. وهكذا تمتزج تعاليم الخطاب الشرعي المبدل مع دين الرأسمالية الجديد، لتصادر حق المظلومين حتى في الشعور بالغضب والانفعال، ناهيك عن الانتصاف من الظلم والحيف المسلط عليهم.

يقوم غثاء التنمية الذاتية في عالمنا العربي – حصرًا – على مبدأ خاطئ يتلخص في كون السعادة مجرد خيار شخصي، فالفرد هو الذي يقرر متى يكون سعيدًا ومتى يكون شقيًا. وهذا الإعراض عن الملابسات الموضوعية التي تتدخل رغم أنوفنا في صناعة مصائرنا الذاتية هو إعراض تعسفي لا مسوغ له على الإطلاق، فأنت – بما تملكه من سلطة ونفوذ – عندما تجردني من أبسط مقومات العيش الكريم، وتغلق دوني كل أبواب الخلاص، تضعني بذلك على سكة المعاناة والشقاء، ولعل السعادة الوحيدة التي قد استمتع بها حينها تأتيني بقدر ما أنال منك وبقدر ما استرد من حقوق. أما عندما يأتي أحدهم ليبيعني وهما باسم التنمية الذاتية وصناعة النجاح في ظل ظروفي فهو لا يعلمني سوى كيف أعيش شقائي بمرح، ومأساتي بصمت. هذا إذا تجاوزنا العبثية والاستخفاف واللا جدوى الكامن في أطروحته.

أعتقد أن حرمان الناس من الحزن والغضب والانفعال هو حرمان للضحايا من أبسط حقوقهم البيولوجية، بعد مصادرة حقهم في العيش الكريم وتحقيق الذات وصناعة المصير. والانفعال مهما بدا خارجًا عن طوره ومتجاوزًا حده، إلا أنه يعبر عن استواء الشخصية وحيويتها وصحتها، إن رد الفعل غير السوي إزاء موقف غير سوي هو استجابة سوية. (الإنسان يبحث عن معنى، ص: 41). إن أخطر ما يقوم به دعاة التنمية الذاتية هو أنهم يعمقون الأزمات بينما هم يعتقدون أنهم بصدد حلها، إنهم حينما يربطون النجاح والفشل في الحياة بذكاء الأفراد وقوة إرادتهم ومثابرتهم في العمل فإنهم بذلك يضاعفون المعاناة ويؤججون مشاعر الخيبة؛ لأن الأفراد سيتوجهون باللوم والمسؤولية في فشلهم إلى أنفسهم وقدراتهم الذاتية، وهو ما سيضيف عقد النقص والذنب والدونية إلى رصيد الفرد من العقد التي راكمها على مدار حياته البائسة. فالخطورة تكمن في تحميل الأفراد مسؤولية شقائهم، وعلاج هذا الشقاء، في حين يتم تجاهل السياق الذي أدى إلى ذلك (صناعة السعادة ص: 16). في الكتاب السابق يستعرض الكاتب ويليام ديفيز تاريخ ودواعي الاهتمام بصناعة السعادة في الغرب وكيف أن مستقبل الرأسمالية متوقف على قدرتها على التصدي للضغوط النفسية والبؤس والمرض، وقراءة الكتاب تكشف عن أبعاد الاهتمام بصناعة السعادة والترفيه في المجتمعات الرأسمالية.

هل معنى الكلام السابق كله أن أي حديث عن فن العيش في عالمنا العربي هو محض لغو وهراء، بالتأكيد كلا. فقبل الرأسمالية وقبل أن يحل الظلم بساحتنا ظهرت مدارس فلسلفية اهتمت بالسعادة، وراجت أعمال فلاسفة فن العيش على مدار حقب من الزمان الغابر، وليس في حسابنا أن نسفه علما بدأ يتبلور بأدواته ومناهجه يسمى علم النفس الإيجابي. كما استفاد عباقرة الدعوة الإسلامية من كتابات الغربيين في هذا المجال، ولعل الشيخ العزالي أبلغ مثال على ذلك في كتابه جدد حياتك. فمأخذنا الأساسي متلخص في مقاربة سؤال التخلف والقهر والهدر في عالمنا العربي بمقولات سطحية إنشائية تحفيزية تخلق وهما مؤقتا بالنجاح والسعادة، ولا تجرؤ على مسائلة البنى المنتجة للأزمة، ناهيك عن مقاومتها وتفكيكها. إنها أقرب ما تكون بأفيون يضع وعي الشعوب في عالم آخر، يتوهمون فيه أن العالم بخير وكل شيء فيه جميل وأن التعاسة محض خيار، بينما الحقيقة ليست كذلك.

قد نكتب مقالًا عن فن العيش نضع فيه حدودا فاصلة – حسب رأينا – بين ما نراه تأملات عميقة عن الحياة الوجود والمسؤولية الفردية، وبين ما يتم الترويج له من لغو وسفسطة باسم التنمية الذاتية وصناعة النجاح. فصديقي الذي فتت في عضده الديون، وكابد شبح البطالة لسنوات، وأنهكت الأمراض الناتجة عن سوء التغذية جسده الهزيل، التمس السلوى في كتاب استمتع بحياتك للعريفي، قرأ صفحات منه فانفرجت أساريره وتهلل وجهه وبادرني بالقول: لقد كنت مخطئًا بتذمري الدائم؛ فالحياة جميلة حقًا، واستلقى على ظهره يقرأ بنهم مستمتعًا بتدفق الدوبامين في جسده لأول مرة منذ سنين، اقتربت منه وسحبت الكتاب من بين يديه وقلت له: الحياة جميلة، لكن حياتك أنت ليست كذلك، صدقني ستدرك ذلك عندما يزول عنك مفعول هذا المخدر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد