مُذ عرفت البشرية الجماعات في أبسط صورها عرفت معها الإعلام في أوائل صوره دقًا للطبول أو نداءً من فوق المرتفعات أو حتى حفرًا على الأحجار وإشعالًا للنيران وتطورت صوره بمرور الأزمنة وتوالي العصور عبر ثورات اتصالية ثلاث حسب رائد علم الاتصال مارشال ماكلوهان تمثلت في اكتشاف الكتابة 3500 ق.م، ثم اختراع غوتنبرغ للطابعة منتصف القرن الخامس عشر وبعدها اكتشاف الحاسوب في ستينات القرن الماضي الأمر الذي نقل المجتمعات إلى مرحلة الاتصال التفاعلي ليصبح الإعلام مع هذه المراحل الثلاث فنًا وعلمًا له نظرياته وقواعده.

هذه المرحلة الأخيرة بالذات شهدت طفرة هائلة في تقنيات الاتصال ووسائله أدت إلى تطور المفاهيم الإعلامية والصحافية لتواكب التسارع الرقمي وتضمن مسايرة المتطلبات.

وأصل الأمر أن هذا التسارع والتطور لا انفكاك له عن وظائف الإعلام المتعارف عليها ولا عن أخلاقيات المجال المتفق عليها فقاعدة الإعلام الحرية وسقفه المسؤولية وبين القاعدة والسقف هامش كبير للإبداع والتميز والتنافس المتحاكم لأصول وقواعد المهنة، غير أن واقع الحال يناقض لسان المقال، فلابد عن المسارعة في التحذير من العواقب والتنديد بالهوة السحيقة التي تردى إليها إعلامنا ولا يزال إلى اليوم يتردى، فبدلًا عن أن يكون منبر دعوة للصواب ومنار إشعاع للخير صار صوت إفساد وصوط عذاب.

وظائف الإعلام.. هل من التزام؟

إن أول ما يدرّس في كليّات الإعلام ويُلقّن في مدرجاتها وقاعاتها بيان وظائف الإعلام وما تواضع عليه الرواد والمختصون في تقسيمها وتحديدها، وهي لا تخرج عن وظائف رئيسة ثلاث مع بعض الملحقات، أما أولى الوظائف فهي الإخبار، عمود الرحى الذي تدور حوله بنية الإعلام، وثانيها الترفيه والترويح المجانب للإسفاف، وثالثها التثقيف والنهوض بالأفراد، يرافق كل هذا أداء بعض الخدمات وقد يصل إلى إدارة الرأي العام ومراقبة المجتمعات حتى ما إذا بلغ شأوًا كان المربي والقيّم والمنافح عن الحياض.

هذا الذي ذكرنا هو ما ينبغي أن يكون ولو في حده الأدنى، لكن لأغلبية وسائل الإعلام الجزائرية رأي آخر ومقاربة مغايرة.

فهي في جلها مشاريع تجارية تخدم أغراضًا شخصية استعاضت بتلبية الرغبات والطلبات عن تأدية المنوط بها والمرجو منها دون أن يرف لها جفن أو يخالجها خجل.

وما الكوارث التي تطل بها علينا في رمضان الأغر سوى حلقة من سلسلة الضياع والتيه وانعدام المبادئ والقيم، إضافة إلى طغيان التوظيف من قبل أرباب الجور والاستبداد وسدنة الظلم والاستعباد بما يخدم المصالح الخاصة ويستغل حاجة العامة، مع تقديم للدخلاء وتأخير للعقلاء، ما يحتم على حملة أمانة العلم وشرف المهنة أن يكونوا السباقين في هذا المجال تأصيلًا وتأليفًا وممارسة بما يوقف الانهيار ريثما يلتفت للإصلاح الشامل، الذي يمس البنية التكوينية للإعلامي في حد ذاته وكذا يمس بنية المنظومة القانونية التشريعية بشكل رئيس، والحديث هنا عن إصلاحاتٍ في تشريعات الإعلام لا يمكن بحالٍ أن يكون في منأى عن إصلاحات سياسية كبرى وانتقال ديمقراطي حقيقي يفتح المجال أمام الحرية الإعلامية ويحرص على استقلالية القطاع وابتعاده عن التجاذبات السياسية والإملاءات الفوقية وكذا يضمن إبعاد المنتفعين عن الساحة.

أقول هذا وأنا على تمام اليقين بأن المشكلة لا تكمن في المادة القانونية عمومًا بقدر ما هي في الرغبة والإرادة الحقيقية لتطبيقها ونحن شهود على تجاوز الكثير من القوانين واختراقها أو عدم انفاذها عيانًا.

إن هذا الإصلاح السياسي المُؤمل يضمن تحييد القطاع الإعلامي عن التعيينات والولائات ويمّكن أهل الاختصاص من انتخاب سلط ولجان تهتم بمراقبة السمعي البصري والصحافة المكتوبة والإلكترونية والحرص على خدمته وتهيئة الظروف المناسبة له كما يسعى إلى تنظيم الإشهار والحيلولة دون صيرورته سيفًا على رقاب المخالفين لتجفيف منابعهم والضغط عليهم، ثم يشجع المنافسة في القطاع برفع القيود القانونية ما يسمح بالاستثمار والتدافع التجاري الذي يخدم الصناعة الإعلامية فتكون هذه البداية سبيلًا ميسورًا لبلوغ المنشود.

أخلاقيات الإعلام.. إن لم تكن ربانية فمسؤولية اجتماعية.

إن كل ما سبق ذكره من تحديات وعقبات يضاعفها طبيعة الإعلام الجديد وما يقتضيه من اعتماد على مفهومي السبق الصحافي والتشويق بما يستوجب التشديد على الآليات المتبعة للوصول إلى المنتج الأنسب أخلاقيًا والأصوب إعلاميًا، باستحضار الخلفية الأخلاقية في جميع مراحل إنتاج المحتوى أو السيرورة الإنتاجية للمادة الإعلامية.

وليس هذا من قبيل الترف الإعلامي ولا الوعظ الديني فالحديث هنا عن الأخلاقيات (deontology) التي هي الواجبات والالتزامات الخاصة بممارسة أية مهنة، وليس عن الأخلاق (Ethics) التي تعبر عن التصرف الأخلاقي العام لأي إنسان، والأولى هي أساس الممارسة الإعلامية على أصولها والتي تؤطرها العديد من الضوابط والمعايير المتعارف عليها دفعًا للتراكم الكمي على حساب الجودة وأخلاقيات المهنة نفسها.

وإن لم نَبْلغ رسالية الإعلام فلا أقل من الالتزام بنظرية المسؤولية الاجتماعية (بالرغم من قصور ظاهر في نسق هذه الفلسفة لقيامها على مقدمات فكرية تتعارض مع بعض منطلقاتنا) فهي زاوجت بين النظرية الليبرالية المتحررة ومبدأ المسؤولية في النظرية الاشتراكية، حتى نضمن خدمة المجتمع بما يحقق المصلحة العامة ونعزز المصداقية والثقة التي تراعي خصوصيات المجتمع وخلفياته.

وقبل هذا فإنه على المقتحم لهذا المجال أن يدرك ضرورة الالتزام بالنظام القيمي الذي يساعد على تحديد الأدوار الأساسية للإعلام عبر استيعاب بعض المرتكزات من قبيل الحاجة للاستقرار الاجتماعي والهرمية الأخلاقية التي ترتب الأخلاق من الأكثر إلى الأقل اهتمامًا وكذا البيئة الأخلاقية الدينامية التي تساعد على تكوين مجتمع لائق يحتضن الخطاب المتوازن ويشد على يده.

دون إغفال الحاجة لاتباع نهج منتظم وخاضع للمراجعة بشكل نسقي عبر الاستعانة بنماذج اتخاذ القرار المعمول بها في صورة نموذج روشورث كايدر ونموذج لويس داي.

ليسوا سواء

لم يكن الهدف من الكلام السابق الوقوع في التهويل الذي يشل الجوارح، بل والفكر أحيانًا عن الحركة بقدر ما كان تأكيدًا على أن من جدّ وَجدَ حصاد عمله وما عليه إلا الإخلاص، والتخطيط السليم حتى يعيد الإعلام للطريق المستقيم ويبذل بقدر طاقته ومتاحه في استبدال الرداءة كانت لغوًا أم لهوًا بالنصاعة والاستقامة.

والحمد لله أن الخير باق وأهل الشرف والمهنة يجتهدون، بالرغم من نقص الزاد والمتاع ولا أحسب المستمسكين منهم بأصالة الموقف وشرف المهنة إلا مجاهدين خلف خطوط العدو يتحملون الرداءة والدناءة قصد إبراء الذمة وكشف العتمة ومزاحمة أهل الباطل والظلمة، وقد علموا أن المدافعة أولى ونصر الحق والقيام معه أسمى، وإلا لوجد أهل السفاهة والاستطالة السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد