هي الحياة بحلوها ومرها بفواجعها وأفراحها بسهولتها وصعوبتها بالخير والشر، لا بد أن تعيشها من يوم ولدت ومن أول نفس حتى آخر نفس وصعود الروح لخالقها، تعيشها كما تريد أنت، لا كما أرادوا لك، أنت تستحق أن تعيش الحياة السعيدة لتحيا وتلبس وتأكل وتعمل كما تريد طالما لا تتعدى على حريات الآخرين وحياة غيرك.

هل فكرت يومًا ما لو كان هذا اليوم هو يومك الأخير؟ هل أنت مستعد لمقابلة خالقك بأعمالك وكتابك وحياتك؟ هل عملت لآخرتك شيء؟ هل فكرت في رحيلك من هذه الحياة من سيوجع أكثر؟ هل فكرت أن يبقى لك أثر جميل وذكرى طيبة لك في هذه الحياة؟

أعد شريط حياتك وفكر هل أعطيت حياتك ما تستحقه؟ هل قدرت هذه النعمة واستثمرتها أفضل استثمار؟ هل وقفت وتعاملت مع أزماتك بحكمة وصبر وحمدت الله في السراء والضراء؟ اسأل نفسك ما هي السعادة بالنسبة إليك؟ ما هو الشيء الذي يجعلك سعيدًا؟ ما هي النعم والامتيازات التي تمتاز بها عن غيرك ولا تقدرها أو تشعر بها؟

لأخبرك بشيء وتأمله جيدًا لتبحث بعدها عن سعادتك في داخلك ولتستشعر بنعم كثيرة تمتلكها يتمناها غيرك ويدعو الله بأن يرزقه بهذه النعم، أرادوا الملائكة أن يعطوا درس للأشخاص الذين لا يعرفون معنى السعادة قالوا لنخبىء السعادة، لنخبئها في مكان يصعب العثور عليه حتى يبذل الإنسان جهد كبير حتى يعثر عليها ويعرف ما مدى قيمتها، ولكن فهموا أن هذا لن يكون سهل إلى هذه الدرجة.

لم يجدوا مكان حتى يخبئوا فيه السعادة، بعضهم قال لنضعها في أعلى قمة جبل، وقال الآخر نضعها في قاع محيط، ولم يتم قبول أي فكرة منهم، وبعد ذلك خرج من بينهم أحد وهو متردد قال برأيي أن نخبىء السعادة في داخل الإنسان، قال لن يخطر في بال أحد أن السعادة التي يبحث عنها موجودة في داخله، إذا أردت أن تكون سعيدًا انظر إلى داخلك، السعادة التي تبحث عنها في الأماكن والأشياء الأخرى هي في الأصل موجودة بداخلك، كم من إنسان مريض يتمنى العيش لو يوم واحد معاف من مرضه، كم من إنسان فاقد لبصره أو سمعه يتمنى أن يسمع أو يرى ليوم واحد فقط! أعتقد أن نفسًا واحدًا يتنفسه الإنسان يجب أن يعيشه بأمل وسعادة.

ويحكى أن أحد التجار أرسل ابنه لكي يتعلم سر السعادة لدى أحكم رجل في العالم، مشي الفتى أربعين يومًا حتى وصل إلى قصر جميل على قمة جبل، وفيه يسكن الحكيم الذي يسعى إليه، وعندما وصل وجد في قصر الحكيم جمعًا كبيرًا من الناس، انتظر الشاب ساعتين لحين جاء دوره، أنصت الحكيم بانتباه إلى الشاب، ثم قال له: الوقت لا يتسع الآن، وطلب منه أن يقوم بجولة داخل القصر، ويعود لمقابلته بعد ساعتين، وأضاف الحكيم، وهو يقدم للفتى ملعقة صغيرة فيها نقطتين من الزيت: أمسك بهذه الملعقة في يدك طوال جولتك، وحاذر أن ينسكب منها الزيت، فأخذ الفتى يصعد سلالم القصر ويهبط مثبتًا عينيه على الملعقة، ثم رجع لمقابلة الحكيم الذي سأله: هل رأيت السجاد الفارسي في غرفة الطعام؟والحديقة الجميلة؟ وهل استوقفتك المجلدات الجميلة في مكتبتي؟

ارتبك الفتى واعترف له بأنه لم ير شيئًا، فقد كان همه الأول ألا يسكب نقطتي الزيت من الملعقة، فقال الحكيم: ارجع وتعرف على معالم القصر، فلا يمكنك أن تعتمد على شخص لا يعرف البيت الذي يسكن فيه، عاد الفتى يتجول في القصر منتبهًا إلى الروائع الفنية المعلقة على الجدران وشاهد الحديقة والزهور الجميلة، وعندما رجع إلي الحكيم قص عليه بالتفصيل ما رأى، فسأله الحكيم: ولكن أين قطرتا الزيت اللتان عهدت بهما إليك؟ نظر الفتى إلى الملعقة فلاحظ أنهما انسكبتا، فقال له الحكيم: تلك هي النصيحة التي أستطيع أن أسديها إليك، سر السعادة: هو أن ترى روائع الدنيا وتستمتع بها دون أن تسكب أبدًا قطرتي الزيت. فهم الفتى مغزى القصة، فالسعادة هي حاصل ضرب التوازن بين الأشياء، وقطرتا الزيت هما الستر والصحة.

فالسعادة كل السعادة في الرضا والقناعة والسلام الذي تحمله في قلبك الذي يمنحك إياه الله سبحانه وتعالى إذا كان قلبك معلقًا به.

لنمر من هذه الحياة بأثر طيب وذكرى تفوح عطرها وتبقى وتنتشر، لنمر منها سعداء شاكرين صابرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد